.

2014/12/29

لهجة أهل البحرين الأصليين وظاهرة الكشكشة اللغوية

اخبار تراثية, تاريخ البحارنة, وثائقي
c2c16df5_ogdfمن الملاحظ أن سكان البحرين الأصليين من البحارنة وهم سكان القرى على وجه الخصوص ..تتميز لهجتهم بما يطلق عليه في الأدب العربي – بكشكشة قبيلة ربيعة – فما هي كشكشة ربيعة ياترى؟.. سنفصل القول فيها بعد أن نأخذ أمثلة وافية عن هذه الكشكشة .
نقول: عندش أي عندكِ ومالش أي مالكِ وبيتش أي بيتكِ ورحت لِشْ أي ذهبت إليكِ واقول لش يعني أقول لكِ وهلم جرا.
إن ظاهرة الكشكشة في لهجتنا تدل على أن هذه اللهجة هي فرع من اللغة العربية الأم وهي واحدة من لهجات العرب الأخرى مثل:
عنعنة قبيلة تميم الذي يجعلون الهمزة المبدوء بها عيناً ومثالها : يقولون عنك بدلاً من إنك وعسلم بدلاً من أسلم .
وشنشنة بعض أهل اليمن بحيث يجعلون الكاف شيناً مطلقاً وكمثال على ذلك يقولون: لبيش اللهم لبيش بدلاً من لبيك اللهم لبيك وغمغمة قبيلة قضاعة وطمطمانية لغة حِمْيّر الذين يبدلون لام التعريف ميماً ومثالها (ليس من أم بر أم صيام أم سفر ) والمعنى : ليس من البر الصيام في السفر.
والكسكسة تشبه الكشكشة إلا أن السين تحل محل الشين وهي من لهجات قبائل العرب ومثالها ( دمج كاف الخطاب للمؤنث بالسين كأعطيتكس بدلاً من أعطيتكِ ).
والكشكشة على نوعين ومثال النوع الأول هو كظاهرة الكسكسة المذكورة في السطر الأخير من الفقرة السابقة : أي يقولون أعطيتكش بدلاً من أعطيتكِ ..والذي يهمنا في هذه المقالة هو النوع الثاني من الكشكشة ومثاله من التراث الأدبي بيت مجنون ليلى :
فعيناشِ عيناها وجيدشِ جيدها        ولكن عظم الساق منشِ دقيقُ..
والمعنى هو:
فعيناكِ عيناها وجيدكِ جيدها  ولكن عظم الساقِ منكِ دقيق.
جاء في كتاب ( درة الغواص في أوهام الخواص للقاسم بن علي الحريري ..صفحة 251) مايلي: وأما كشكشة ربيعة فإنهم يبدلون عند الوقوف كاف المخاطبة شيناً، فيقولون للمرأة : ويحك مالَشْ؟ فيقرؤون الكاف التي يدرجونها على هيئتها ، ويبدلون الكاف التي يقفون عليها شيناً.
وقد ورد في معجم ( القاموس المحيط للفيروزآبادي ) : الكشكشة في بني أسَد أو ربيعة : إبدال الشين من كاف الخطاب للمؤنث ، كعليش في عليكِ ..ونادت إعرابية جارية : تعالي إلى مولاشِ يناديشِ.. والمعنى تعالي إلى مولاكِ يناديك.
ومن الشواهد الشعرية على الكشكشة في اللغة العربية ما أنشده ثعلب النحوي في أماليهِ عن ابن الاعرابي :
عليّ فيما أبتغي أبغيشِ        بيضاء ترضيني ولا ترضيشِ
وتطلبي ود بين أبيشِ إذا دنوتِ جعلت تنئيشِ
 وإن نأيتِ جعلت تدنيشِ       وإن تكلمتِ حثت في فيشِ
 حتى تنقي كنقيق الديشِ ..
وقول شاعر آخر : يادار حُييت ومن ألم بِشْ / عهدي ومن يحلل بواديش يعشْ.
وللأمانة العلمية - رغم أننا لا نشاطره الرأي فيما ذهب إليه - ننقل ما أورده الدكتور جواد علي في كتابه : تاريخ العرب قبل الإسلام الجزء الرابع :صفحة 70 على لسان مصطفى صادق الرافعي قوله: " وقد (عدها) علماء اللغة من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ – أي الكشكشة - ولذلك أطلقوا على اللغات التي تمارسها اللغات المذمومة : وهي إبدال الشين من كاف المخاطب للمؤنث خاصة ، كعليشِ ومنشِ وبشِ في عليكِ ومنكِ وبكِ في موضع التأنيث".
وهو بلا شك كلام مرسل وليس عليه دليل ، بل الدليل ضده ..حيث أن الكشكشة ليست بِدعاً في اللغة العربية وهي لهجة قبائل عربية من العرب العاربة في اليمن والعراق والجزيرة العربية..ولم يذكر لنا مصطفى الرافعي ولا الدكتور جواد علي مَن مِن علماء اللغة تبنى هذا الرأي الشاذ أوالغريب.. عدا حكاية هي أقرب إلى التملق من رصانة العلم وهي : " حكى الأصمعي أن معاوية قال ذات يوم لجلسائه : من أفصح الناس ؟ فقام رجل من السِماط فقال : قومٌ تباعدوا عن عنعنة تميم وتلتة بهراء وكشكشة ربيعة وكسكسة بكر ، ليس فيهم غمغمة قُضاعة ولا طُمطمانية حِميَر ، فقال / من أولئك ؟ قال: قومك ياأمير المؤمنين ". درة الغواص.ص- 250
وحكاية أخرى ذكرت في مجلة العربي ..العدد رقم 193 ..ص- 18 : " دخل أحد الأعراب مجلس عبد الملك بن مروان وكان قد أعد وليمة لأشراف القوم ، فلما أنتهوا من الغداء دعا عبدالملك الأعرابي ، وقال له : من أنت ؟ قال : أنا رجلٌ جانبتني عنعنة تميم واسد وكشكشة ربيعة وحوشي أهل اليمن ، وإن كنت منهم " فقال : من أيهم أنت ؟ فال الإعرابي : من أخوالك ، من عذرة .قال أؤلئك أفصح الناس ".
وأقول: المعروف عن الدكتور جواد علي أنه عالم ثّبْتْ لا يلقي الكلام على عواهنه أويقرر حوادث هي أقرب إلى الطرائف ويجعلها حقائق لايأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ..وعلى هذا أنا أرجح أن الكلام المنقول عنه بواسطة الأستاذ الرافعي لايخرج عن كونه سوء فهم أوتأيل لما جاء في كتاب ( تاريخ العرب قبل الإسلام ).
وعلى كل حال ، وعلاوة على وجود هذه اللهجة الأصيلة في البحرين وشرق الجزيرة العربية نلاحظ إنتشارها في اليمن بشكل واسع ، ولا زلنا نتذكر كلمات القصيدة الشعبية اليمنية الشهيرة ( على مسِيري ) : ألا هاتو البخور والعود ورشو الدار ياهل البيت .. ألا يامرحبا بِشْ وبهلشْ وبالجمل اللي رحل بِشْ ..كما أن ظاهرة الكشكشة موجودة في ربوع قبائل جنوب العراق أيضاً.
وأخيراً نتفق مع ما تفضل به الدكتور مناف مهدي محمد الموسوي في كتابه ( مباحث لُغوية من حياة اللغة العربية – صفحة 47) يقول : مرت اللغة العربية الفصيحة بأدوار كثيرة وظروف متنوعة تغيرت أصواتها ومفرداتها عبر العصور المتعاقبة ، حتى تحولت إلى لهجات مختلفة ، كل لهجة تتصف بصفات ومميزات معينة ، ولها جذور وظواهر خاصة تشترك أحياناً مع الظواهر التي تتميز بها لهجة القبائل التي انحدر منها أصحاب اللهجة الحديثة ، كظاهرة الكشكشة وغيرها ".
كما أن ظاهرة الكشكشة في لهجتنا المحلية تدل على أن سكان البحرين الأصليين هم عرب أقحاح من قبيلة عبد القيس وأسَد وربيعة ، وأن هذه الظاهرة اللغوية هي موروث أصيل تفرع من اللغة العربية الأم وهي منتشرة أي الكشكشة في مساحة جغرافية واسعة من بلاد العرب.



ليست هناك تعليقات: