.

2015/01/03

علم اللغة أم اللسانيات؟



د. عبدالسلام المسدّي

    إن مسألة المصطلحات معقدة وتزداد استعصاء كلما تناولناها في ضوء ثنائية المشرق والمغرب، وسنضرب مثالاً حياً معيشاً، فيه من الطرافة الفكرية وفيه من التموج النفسي ما قد يثير إشفاق الذات العربية على ذاتها. فمنذ اكثر من ربع قرن نظمت الجامعة التونسية (13 - 19 ديسمبر 1978) ندوة أرادت منها ان ترسم منجزات المعرفة اللغوية الحديثة في بلادنا العربية، فاتجهت الى أعلى الخبرات في المشرق، فاستضافت الأعلام الرواد الدكاترة تمام حسان وأحمد مختار عمر
ومحمود فهمي حجازي وعلي القاسمي... وكان المصطلح الشائع في تونس يومئذ هو الألسنية، وكان عنوان الندوة «الالسنية واللغة العربية»، واستجاب هؤلاء الرواد بأبحاث حملت هذا المصطلح رغم انهم كانوا يتداولون مصطلح «علم اللغة» السائد يومئذ في المشرق العربي باستثناء لبنان.

لم ير علماؤنا المشارقة غضاضة في كتابة أبحاثهم للندوة مستخدمين مصطلح الألسنية من ذلك - على سبيل المثال - ان أستاذ الجيل د. تمام حسن كتب في «اعادة وصف اللغة العربية ألسنيا» والعالم الجليل المرحوم د. أحمد مختار عمر كتب عن «المصطلحات الالسنية في اللغة العربية». في هذه الندوة دار نقاش طويل حول الاختلاف المصطلحي بين البلدان العربية، وكان الجميع واعين بجسامة الامر ولكن الجميع قد رأوا ان الحد الادنى المتعين هو ان نتوحد حول الاسم الدال على هذا العلم، ونترك أمر مئات المصطلحات التي يتداولها اهله داخل دائرة اختصاصهم لما تجود به الايام. كان المصطلح المتداول في تونس كما اسلفنا هو الالسنية، وهو أقدم المصطلحات تاريخياً لانه صيغ في فلسطين منذ 1938 ثم راج في لبنان، وفي مصر استعمل مصطلح علم اللغة منذ وضع د. علي عبدالواحد وافي أول كتاب فيه عام 1941 واختار له ذاك المصطلح عنواناً. وكان الجزائريون قد وضعوا مصطلح اللسانيات، وبه سموا معهداً مختصاً، وبه ايضاً اصدروا مجلة متخصصة فيه، وفي المغرب الاقصى استخدم مصطلح اللسانيات.

دار حوار دقيق عميق، وانتهى العلماء الاجلاء الى أن أيسر المصطلحات وأسلسها ثم اقربها الى روح العربية هو اللسانيات بعد ان أقر الرواد الحاضرون بأن التمسك بالعبارة الثنائية (علم اللغة) للدلالة على اختصاص معرفي ليس من الوجاهة في شيء، وليس مما جرت به الاعراف، اذ لو كان الأمر مستساغاً لظللنا نقول (علم المادة) بدل الكيمياء او (علم الحركة) بدل الفيزياء، او (علم الارض) بدل الجغرافيا، وقد آثر الناس - في ذلك كله - اللفظ الدخيل على العبارة المزدوجة، فمن باب اولى واحرى عندما يتيسر لنا العثور على لفظ عربي فصيح لا تتسرب إليه ذرة واحدة من اللبس. وقد أجمع الحاضرون كلهم على ضرورة الالتزام بهذا المصطلح الموحد، فصدرت في ذلك توصية حاسمة تضمنها المجلد الذي ضم وقائع الندوة ونشره مركز الدراسات التابع للجامعة التونسية عام 1981، ولم يكن هيناً على أهل الدار المنظمين للندوة ان يتخلوا عن المصطلح، ولكنهم بادروا بالامتثال، واقروا بوجاهة التوحيد، وكانت اولى خطوة قطعوها على أنفسهم انهم اصدروا المجلد الجامع لوقائع الندوة تحت عنوان «اللسانيات واللغة العربية» لا «الألسنية واللغة العربية» كما قالوا بدءاً.

ومن صرامة الحسم الذي ذهب فيه الجميع اختير ان تتصدر التوصية كل الابحاث وان يقع تحرير البيان الختامي باستعمال مصطلح اللسانيات بدل مصطلح الألسنية او علم اللغة، وهو ما حصل فعلاً.

وظل أهل الدار - في كل مؤسسات الجامعة التونسية - أوفياء للعهد الذي قطعه اللغويون العرب على أنفسهم وللنذر الذي نذره المشارقة والمغاربة من اللسانيين، ولم تمض سنوات على ذلك حتى تغيرت التسمية في البلد المستضيف واصبحت اللوائح الإدارية والقانونية للجامعة تستخدم اللسانيات بدل الألسنية، واذا بجيل كامل من الباحثين الاكاديميين يستبدلون بالمصطلح الجديد مصطلحهم الذي عاشوا عليه طويلاً وكان وقعه في مسامعهم يستدعي لهم صدى الاستاذ المؤسس المرحوم صالح القرمادي. كان المغاربة اذن في الموعد مع التاريخ فوحدوا، فكيف كان الأمر على الجناح الآخر؟

لقد بدا ان الأمر أعسر مما كان الناس يتصورون، فالعلماء المشارقة الأجلاء الذين حضروا، وساهموا، وانخرطوا في ميثاق توحيد المصطلح بعد طول المحاورة وعميق الاقتناع، وقفوا بالأمر عند حدود التأييد النظري، وهو في ذاته كسب معرفي لأنه دل على إخلاص فكري وعلى انسجام يعلي من شرف تواضع العلماء. ليس مظنوناً ولا محتملاً ان يكون هؤلاء العلماء قد دفعوا الى التزكية والتأييد بحافز المجاملة، فهم اولاً اجل قدراً من ان يجاملوا على حساب المعرفة، وثانياً لم يكن المصطلح الذي انتهى الجميع إليه هو مصطلح أهل الدار المستضيفين.

أول كتاب نشره العلامة تمام حسن بعد ندوة تونس هو «الاصول» وقد صدر في المغرب عام 1981، واصل فيه المؤلف سنته الاصطلاحية كما بدأها، ولكنه كان على حرج من أمره، وحرجه بين الاختفاء والانكشاف، وبعد مسافة واسعة يقطعها قارئ الكتاب يجد في هامش الصفحة 255 ما يلي: في الندوة التي عقدت في تونس (...) جرى الاتفاق بين الحاضرين من المشتغلين بالدراسات اللغوية على تسمية علم اللغة باسم اللسانيات، غير انني أفرق هنا بين مصطلحات جرى استعمالها فعلاً على أقلام المؤلفين لأوضح الفارق بين كل منهما (يعني علم اللغة وفقه اللغة) ومن هنا احتفظ مؤقتاً بمصطلح علم اللغة.

نعم القول ونعمت الامانة، وفي قول أستاذنا الجليل (مؤقتاً) تضمين يبشر بالوفاء. وتمضي السنون فلا تأتي أيامها بهذا الموعود به! والغريب ان د. تمام حسن قد اثبت جرأته على المصطلح، فهو قد دقق عنوان كتابه ذاك بقوله دراسة ايبستيمولوجيا ليس مألوفاً في المشرق، بل يومها لم يكن مستساغاً على الإطلاق، ولقد كانت جرأة صاحبنا بينة فهو قد أعاد طبع كتابه في السنة الموالية في الهيئة المصرية (1982) وأدرجه ضمن المشاركة في الاحتفال بقدوم القرن الخامس عشر للهجرة، وألحق بالعنوان العبارة الايضاحية نفسها دون أي غضاضة، وأورد فيه نفس الفقرة الخاصة باتفاق ندوة تونس (ص 266) وغير مظنون ولا وارد على الذهن ان يكون المؤلف قد استعمل ذاك المصطلح (ايبستيمولوجيا) مجاراة للبيئة المعرفية في المغرب الاقصى حيث كان يومها يدرس متعاقداً مع جامعة محمد الخامس.

وقد يذهب الافتراض الى ان نقل العنوان بالتماثل التام هو من تراتيب النشر وما يتبعها من التزامات عند اعادة الطبع، وهذا غير وارد ولا محتمل، فالمؤلف تصرف في جزئية اخرى بين الطبعتين، ففي الطبعة الاولى المغربية قال بعد عبارة الاصول: «دراسة ايبستيمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربي» وفي الطبعة الثانية المصرية قال: «دراسة ايبستيمولوجية للفكر اللغوي عند العرب»: هذه ناحية اولى، أما الناحية الاخرى وهي الاهم فإن الطبعة الثانية لم تحمل أي اشارة الى الطبعة الاولى فجاءت كأنها طبعة اولى لكتاب مستحدث جديد.

ونجيءالى العلامة الكبير المرحوم أحمد مختار عمر فنلفاه هو ايضاً قد امسك عن تطبيق الميثاق وواصل مسيرته المعرفية بمصطلح علم اللغة والحال انه لم ير غضاضة في استعمال ألفاظ اخرى، بل لفظ الألسنية ذاته، ذاك الذي كان من المصرين على نبذه في ندوة تونس، فقد ارتأت مجلة عالم الفكر الرائدة ان تخصص عدداً لهذا الحقل المعرفي فاختارت له اسم «الالسنية» وحظيت فيه بموافقة د. احمد مختار عمر كي يكون «المحرر الضيف» يشرف على الملف ويكتب فيه دراسة محورية افتتاحية، وتم ذلك فعلاً، وصدر العدد (مج 20 - ع 3 - اكتوبر ديسمبر 1989) وحملت دراسة الاستاذ القدير العنوان التالي: «المصطلح الألسني العربي وضبط المنهجية».

وواصل الدكتور محمود فهمي حجازي مسيرته المعرفية مستخدماً مصطلح علم اللغة وكذلك فعل د. علي القاسمي.

لقد أسلفنا شرحاً لهذه الظاهرة بكل أبعادها المعرفية والنفسية والثقافية، وما قدمناه من محاولة لتفسيرها لا يدخل تحت باب التماس الأعذار لعلماء أجلاء كان من حظنا ان ربطتنا بهم جميعاً صداقة توطدت حتى التحمت فكرياً واجتماعياً وانسانياً، ولكننا أمام لوحة معقدة جداً من آليات الحوار العربي العربي بين مغربنا الحبيب الملتزم بعروبته ومشرقنا العزيز الذي يحلو لكثير من المستلبين في ديارنا اتهامنا بالمبالغة في حبه.

الآن - بعد ربع قرن من ندوة تونس - تغير المشهد العربي بعد ان امتد الاشعاع من المركز الى الاطراف فتغيرت التوازنات واصبحت الحركة في ذهاب واياب بين الصدر وجناحيه، وهاهو مصطلح اللسانيات يحاصر مصطلح علم اللغة والسبب بديهي حتمي، فلا يمكن ان نعاكس قوانين اللغة وفي مقدمتها قانون الاقتصاد الذي هو ترجمة لنزعة المجهود الادنى، وكان من الخطل ان نفترض بقاء اسم لعلم من العلوم يحمل هو ذاته كلمة (علم) مضافته الى ما هو موضوع ذلك العلم وهو (اللغة).

ففي سوريا انتشر استخدام اللسانيات بفضل جهود الباحثين القديرين د. مازن الوعر ود. منذر العياشي، وقد بدأ رواجه منذ احتضنت جامعة دمشق «الدورة العالمية للسانيات» في عامين متتاليين 1980 و 1981. وفي العراق اخذ مصطلح اللسانيات طريقه للانتشار بفضل جهود العالم المثابر مجيد الماشطة صاحب الترجمات المتميزة، واما في المملكة العربية السعودية فالفضل يعود للدكتور حمزة المزيني في اسباغ الكفاءة المعرفية على مصطلح اللسانيات ويعود ايضاً للكتاب الدوري «علامات في النقد الادبي» الذي يصدره النادي الأدبي بجدة بإدارة الاستاذ عبدالفتاح أبو مدين. بل ان درجة من الوعي الغامض بدأت تلوح في الأفق الثقافي كأنها تقول همساً ان المادة العلمية المكتوبة تحت مصطلح اللسانيات هي أحدث فكرياً وأرقى معرفياً من التي تكتب تحت اسم علم اللغة، وهذا من أغرب الظواهر واعجبها اذ تتسلل القناعات الحميمة عبر شقوق في النسيج الذهني والنفسي بالغة الدقة كأنها لا ترى إلا بالمجهر.

عندما يعم لفظ اللسانيات كافة الاقطار العربية سندرك يومها ان علماء مصر هم الذين كان بامكانهم - لو بادروا بالامتثال - ان يختصروا لنا جهوداً مضنية تكون يومها قد اخذت منا ثلاثة عقود على الاقل.

ليست هناك تعليقات: