.

2015/01/21

اللغة واللهجة واللكنة

لماذا نقول لهجات السراة؟ وليس لهجة السراة! حسناً دعنا أولا نعرف ما هي اللهجة، وعلاقتها باللكنة، ففي اللغة لهج بالشيء أي تلفظ به، ولهج لسانه بالذكر أي تحرك وتلفظ به، لذلك لهجة أي قوم هي المفردات التي يلهجون بها، وهي بالتعريف العام: الألفاظ الفريدة بنطاق معين.

واللكنة هي طريقة التلفظ بالكلمة، سواء كانت هذه الكلمة عامة أو محصورة الإنتشار، ويشترك في اللكنة المتحدث الأصلي باللغة أو حتى المتحدث الأجنبي باللغة؛ فالمتحدثين الأصليين في بلد ما، يشتركون في استخدام بعض الألفاظ بلكنات مختلفة، ويختلفون في استخدام بعض الألفاظ، فاختلاف الألفاظ يصنع اللهجات، واختلاف طريقة التلفظ بهذه الألفاظ يصنع اللكنات.

ومن هنا نستنتج أن اللكنة خاصة بالصوتيات، ويدخل فيها الإبدال في اللغة وهو تغيير نطق أحد حروف الكلمة كأن تقول صادج تريد بذلك صادق، أو تقول ريّـال تريد بذلك رجّـال، أو استخدام إم الحميرية بدلاً من الـ للتعريف، فاللفظة لم تختلف ولكن اختلفت أصوات بعض حروفها. أما اللهجة فهي كما ذكرنا اختلاف الألفاظ ذاتها أو اختلاف استخدامها في السياق أو اختلاف أسلوب استخدامها، كاستخدام كلمتين مختلفتين للدلالة على شيء واحد، أو استخدام لفظة عامة ولكن في سياق معين وبأسلوب خاص.   

وبعض العلماء المحدثين يجعلون تعريف اللهجة شامل لمفهوم اختلاف الألفاظ واختلاف الأصوات فيعرفون اللهجة بأنها ”مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة“، وبهذا فهم يخلطون بين مفهوم اللغة المستخدم قديماً وبين مفهوم اللهجة، فالعلماء الأقدمين يسمون الإختلاف بين الأقاليم في الألفاظ والصوتيات لغات، فيقولون لغة قريش، ولغة طيء، ولغة الأزد، ويقولون عن لفظة معينة هي لغةٌ في كذا، أي مسمى أخر لذلك الشيء. وعلى هذا فإن اللغة بهذا المعنى يندرج تحته تقسيمان: اللهجة، واللكنة. ويكون في رأيي أن تعميم مصطلح اللهجة ليشمل الصوتيات هو تعميم خاطئ.

وفي السراة هناك لهَجات ”اختلاف لفظي“، وهناك لكَنات ”اختلاف صوتي“ بين منطقة وأخرى. والملاحظ جيداً يرى أن هذا الإختلاف يعتمد على التقسيم الجغرافي الطولي للمنطقة، فتجد لهجة أهل شرق السراة في أقصى الجنوب فيما دون ظهران الجنوب متقاربة جداً بشكل عجيب مع من هو على نفس الخط الطولي بتبالة وبيشة وما شمالها، وتجد لهجة أهل الأشعاف وهي المرتفعات المطلة على أصدار تهامة، متقاربة جداً بينهم من أقصى الجنوب ”السودة وتـمنية“ إلى أقصى الشمال في شعف زهران وبني مالك.

يجدر الإشارة إلى أن أهل السراة يسمون الجبال الغربية التي تكثر فيها الغابات وخصوصاً شجر العرعر والمطلة على تهامة، شُعُوف ومفردها شَعَف وساكنوها أهل الشعوف، وتختلف لكنتهم قليلاً عن أهل الجزء الشرقي منها والذي لا تكثر فيه أشجار العرعر بالذات، ويسمون هذا النطاق سُقْف وأسْقُفْ والسُقْف جمع لم أسمع له مفرداً، ولكنتهم قريبة من لكنة أهل السهول الشرقية عنهم. وأما أهل تهامة فلهم لكنةٌ تختلف عن أهل السراة، وكلامهم أسرع، رغم وجود ألفاظ مشتركة كثيرة بين أهل السراة وتهامة بحكم نظام الحياة الزراعي والرعوي المتشابه كثيراً.

أما الإختلاف في اللهجة فهو قليل -واقصد هنا الإختلاف في استعمال المفردات- وبهذا فإننا نستنتج من كل ما سبق أن اللكنات في منطقة عسير والباحة سهلها وسراتها وتهامتها تنقسم إلى ثلاث لكنات مختلفة: لكنة تهامية، ولكنة السراة الحجازية، ولكنة البادية بالسهول الشرقية. ولا شك أيضاً أن هناك ثلاث لهجات متقاربات خاصة بكل تقسيم ذكرناه.

هذا ما تيسر والله أعلم
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

ليست هناك تعليقات: