.

2015/01/04

الأصل الأكّدي لـ «ال» التعريف



إن اللغة العربية وريثة الغنى التاريخي والحضاري للغات السامية في العراق وسوريا. وكانت اللغة الأكدية هي الرائدة الأولى والأكبر لهذه اللغات، والتي ظلت مستعملة في العراق والمنطقة حتى بضعة قرون قبل الميلاد حيث ورثتها اللغة الآرامية ــ السريانية. والأكدية بدورها كانت قد استوعبت كل ميراث اللغة السومرية وحضارتها.. إذن العربية وريثة جميع اللغات السامية بالاضافة الى السومرية، وهنا مثال على صحة هذا الأمر
:
* المبدأ اللاهوتي لـ «ال» التعريف العربية، كمبدأ فكري ونظام ذهني تطورت معه علائق الانسان بالعالم حوله لم يبق الإله «إيل» حساً متعالياً بعيداً منفصلاً عن يوميات الانسان، بل نجده فرض تعاليه كعلاقة ذهنية، تتجلى لنا خلال استعمال اللغة بوجه خاص. فنحن حين نستعرض طريقة التصنيف السومرية للمفردات هذه الطريقة التي لجأ اليها السومريون للتمييز بين الأشياء التي تحمل تسمياتها تجانساً في اللفظ، حين نستعرض هذه الطريقة نجد «ايل» بلفظه السومري «آن» كان يعني نوعاً من الوجود المبدئي الكامن في الأشياء.
لقد كان السومريون يرفقون كل لفظة بإشارة تحدد صنف مدلولها، وذلك لكثرة الألفاظ المتجانسة لديهم وضيق لغتهم التي يغلب على ألفاظها المقطع الواحد. وبهذه الاشارة التي تكون غالباً كبادئة للكلمة كانوا يحددون صنف الكلمة، إذا ما كانت إسماً لإله أو لشجرة أو لطائر أو لإنسان أو لمعدن، أو لأي شيء آخر. وحيث ورث الأكاديون الذهنية السومرية بثقافتها، ورثوا عنهم هذه الطريقة في التصنيف. وكما كانوا يضعون اشارة أرض «كي» الى جانب تسمية أحد الأقطار كذلك كانوا يضعون اشارة «ال» الى جانب تسمية أحد الآلهة لتمييز وصفه.
أما الأسماء التي رافقتها صفة «ال» فقد بلغت الآلاف، بحيث وجدت في مكتبة «آشور بانيبال» الشهيرة قائمة تضم أكثر من الفين وخمسمائة اسم إله بابلي الأصل. كما جمع «د. ديمل» ثلاثة آلاف وثلاثمائة أسم بلقب إله. عدد «ك. تولكفيست» ألفين وأربعمائة منها.
واذا استعرضنا امكانات اللغات السامية، وفي رأسها الأكادية التي ورثت أسلوب التصنيف السومري هذا، نجد أن هذه اللغات واسعة المفردات وتحمل قابلية ذاتية لخلق تسميات بطريق الاشتقاق، أولاً، لانتشارها وتعدد لهجاتها وخبرات أبنائها، وثانياً، لكون مفرداتها الأساسية ثلاثية المقاطع، بعكس اللغة السومرية التي يغلب عليها المقطع الواحد للكلمة الواحدة.
وبنتيجة هذه الميزة للغات السامية راحت اللغة الأكادية تستغني عن طريقة التصنيف القديمة لعدم الحاجة لها بسبب قابليتها لتنويع اللفظ. وهو ما لم يكن في قابليات اللغة السومرية. ولكن ما لم يحدث الاستغناء عنه هو بادئة «ال» اللاهوتية. فهذه بقيت ترافق المطلق في كل تسمية. وقد وصلتنا، كما يبدو، الى اللغة العربية وفق المبدأ اللاهوتي القديم فعرفناها بوظيفة «ال» التعريف للأسماء، إذ هذه، على تنوع استعمالاتها تجدها لا تزال تحمل المبادىء اللاهوتية ذاتها التي كانت تدل اليها في الذهنية القديمة.
وما يشجع على هذا الافتراض هو التأثير الأكادي الواسع الذي نلاحظه في قواعد اللغة العربية وأدواتها ومفرداتها، بحيث نستطيع القول باطمئنان أنها الوارثة الشرعية لقواعد اللغة الأكادية، وحركات إعرابها، الى جانب الكثير من مفرداتها التي لا تزال حية في أسماء النباتات المختلفة المستعملة اليوم، وغيرها من اللهجات العامية بوجه خاص.
وهكذا تكون قد سقطت بوادىء التصنيف السومرية جميعاً مع التطور اللغوي على أيدي الساميين، وبقيت بادئة «ال» وحدها في اللغة العربية شاهداً على المبدء التصنيفي اللاهوتي الذي تعامل به انسان حضارة الشرق المتوسطي الآسيوي طوال ما يقارب ثلاثة آلاف سنة.
وحين نبحث عن حلقة تصل بين «ال» اللغوية و «أل» اللاهوتية نجد معالم هذه الحلقة في البادية السورية، المكان الطبيعي الصالح لمثل هذا التطور الذهني والتفاعل اللغوي بين الأكاديين والساميين الغربيين الذين تحدر منهم العرب بسلالتهم وتراثهم الثقافي.
لقد عرف الإله «مارتو» في النصوص الأكادية بأنه إله البادية السورية وهو يدعى كذلك «رمّانو» (أي رحمان). وهذا الإله كان يأتي اسمه غالباً مسبوقاً باشارتين لاهوتيتين، «أل أل» أي «الاله» الذي أصبح فيما بعد «الله»، بالإدغام. وهنا نفترض أن الاشارة الأولى للألوهة كانت أصبحت «أل» التعريف، التي غدت توضع بعد ذلك قبل اشارة الألوهة الثانية لتفييد الألوهة المطلقة. واذا استعملنا هذا التعريف قبل الاسم الثاني للإله «مارتو» أي الرحمان تصبح موافقة للترادف العربي، «الله رحمن» ومن المعروف أن حرفي الحاء والهاء لا وجود لهما في الأكادية، ولهذا فإن «رمانو» هو ذاته رحمان، كما أن هناك ملاحظة هامة لا بد من ذكرها حول إله البادية هذا «مارتو» أو «أمورو». فهذا الإله يرد على الأختام مرفقاً بإله آخر، وكأنه صفة له. فهل يعني هذا أنه كان إلهاً مطلقاً يوصف به الآخرون؟ إن افتراض كلمة «الله» كصفة تعريف له تقتضي أن يكون ذلك. لأن هذه الكلمة بطبيعة تركيبها تتضمن معنى التوحد للمطلق، إذ هي ادغام في كلمة «الاله»..

من كتاب «البنية الذهنية الحضارية ــ يوسف الحوراني ــ ص 173ــ 178».
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات: