.

2015/01/05

الساميون والعرب، أصلهم من العراق والشام*



الساميون والعرب، أصلهم من العراق والشام*

أم من الجزيرة العربية؟!

 العالم العربي

*ملاحظة: نرجو مراجعة هوامش وملاحظات هذا القسم في نهاية هذا الملف

الرؤية القومية العروبية في دراسة التاريخ

من الناحية الموضوعية والانسانية، ان هذه الاشكالية تبدو ثانوية وغير مهمة، لأن كل شعوب الارض أتت من أماكن مختلفة واستقبلت هجرات مختلفة وامتزجت مع شعوب وجماعات مختلفة.. 
لكن مشكلة (كتابة التاريخ) انه من أكثر المجالات استخداماً في السياسة. فأن الشعوب مثل الافراد، تعيش حاضرها بالاستناد على شخصيتها التي تكونت خلال ماضيها. كما يقول علم النفس، ان علاقة الانسان بماضيه تحدد علاقته بحاضره ومستقبله. كذلك يصح القول بأن علاقة الشعب بتاريخه تحدد علاقته بحاضره ومستقبله

اذا أردت أن تسيطر على شعب يكفيك أن تقنعه بأن تاريخه تابع لك. وإذا أردت تقسيمه، يكفيك أن تقنعه انه في تاريخه كان مقسَّماً. بل يمكنك أن تصنع وطناً وشعباً من لا شيء اذا نجحت أن تصنع تاريخاً خاصاً به، و(اسرائيل) أوضح مثال على ذلك! ثم ان التاريخ سلاح خطير لا يمكننا أبداً أن نتعامل معه بحيادية وبرود، فإن لم تسارع الى الاستيلاء عليه واستعماله وكتابته لصالح وطنك، فأن هنالك مختلف القوى الاقليمية والدوليه تعمل ليل نهار لكي تستولي على تاريخك من أجل كتابته بما يكفل مصالحها ويبرر إضعاف بلادك والسيطرة على شعبك.
لهذا فان مسألة (ما هو الموطن الاصلي للساميين والعرب)، قد تبدو ثانوية من الناحية المعرفية، إلاّ أنها للأسف تعتبر من أخطر الاشكالات التاريخية التي تم استخدامها سياسياً في العراق خصوصاً وكذلك في بلدان الشام. ان هذه المسألة قد استخدمت بنفس الوقت، من قبل التيارات العروبية والتيارات المعادية لها. يكفي القول ان الفكرة العروبية القائلة بأصل العرب من الجزيرة، قد استفادت منها الصهيونية الى حد كبير بطرد الفلسطينيين من بلادهم لكي: (يرجعوا الى الجزيرة العربية موطنهم الاصلي)! وكيف استخدمت هذه العروبة في العراق بخلق عقدة نفسية واجتماعية خطيرة ودائمة لدى العراقيين حتى لدى الرافضين للعروبة، بأن أي منهم لكي يثبت عراقيته عليه أولاً أن يثبت ان أصل أجداده يماني أو حجازي أو نجدي!!
بل بلغت المازوشية والتعصب العروبي الى حد نفي وجود أوطاننا تاريخياً من أجل تقديس الاصل الجزيري. فها هو أحد متعصبي العروبة الباحث اللبناني المعروف (كمال الصليبي) ينفي صراحة وجود العراق بل يعتبره جزءاً من ايران، إذ يقول حرفياً في مقابلة مع جريدة السفير: ((ليس هناك ما يسمى عراق في الجغرافيا التاريخية. (العراق) اسم كان يطلقه العرب على المناطق الجنوبية لما يسمى اليوم عراقاً. العراق كانت تطلق على الوديان والأراضي الخصبة أو ما سمي أرض السواد. في الجغرافيا التاريخية نهر الفرات هو أحد حدود الجزيرة العربية لناحية الشمال الشرقي. نكمل في الصحراء بعد الفرات إلى أن نصل إلى دجلة التي هي مصب الأنهر التي تنبع من جبال زاغروس في إيران. يعني كأن دجلة ساحل بحر، لكنه ليس كذلك، هو نهر. العراق إذاً من الناحية الجغرافية التاريخية هو جزء من بلاد فارس، أي الجزء الغربي لما يسمى اليوم إيران. وعندما ظهر الإسلام في الجزيرة العربية وصل فوراً إلى نهر الفرات، وكان الفتح يسيراً)). ([1])
لهذا نقول لأخوتنا في الجزيرة العربية، اننا في بحثنا هذا لا نبتغي أبداً الاستهانة بهم والتنكر لعلاقاتنا الانسانية والتاريخية والثقافية وحتى الاقوامية بهم. ان القول بأن أهل الجزيرة أصلهم من المشرق العراقي الشامي، وليس العكس، لن يغير نوعية علاقتنا بهم. في كلتا الحالتين نتفق على اننا من أصول تاريخية وأقوامية مشتركة. ثم ان هذه القناعة التاريخية الجديدة لن تؤثر على علاقة شعوب الجزيرة بهوياتهم الوطنية، بل يقيناً ستمنحها بعض العمق التاريخي الجديد، وفي نفس الوقت تقدم لنا نحن شعوب الهلال الخصيب، زخماً إيجابياً في علاقتنا مع هوياتنا وتواريخنا الوطنية.
من المعلوم ان أكثر مؤثرات التيار القومي العروبي تجلت في كتابة تاريخ العراق والشام (الهلال الخصيب). والسبب يعود الى ان غالبية مثقفي هذا التيار هم من أبناء المشرق العراقي الشامي. ان حجر الزاوية في الفكر العروبي هو (تقديس الجزيرة العربية) باعتبارها (موطن العرب التاريخي الاصلي)! لهذا فأن أي انسان أو تاريخ أو حضارة، لن تثبت عروبته القحة وأصالته النقية، إلاّ إذا ثبت بأن أصله ومنبعه من هذه (الجزيرة العربية المقدسة)! يبدو ان هذا الاصرار على تقديس الاصل الجزيري، لم يكن اختراعاً خاصاً بالنخب العروبية، بل هو تقليد للتيارات القومية التي تأسست في نهايات القرن التاسع عشر. إذ ساد حينذاك نوع من (الرومانسية الشوقية) لتقديس (وطن بعيد ضائع). وقد تجلى هذا في (التيار القومي التركي) بتقديس ذلك (الوطن الطوراني الآسيوي البعيد). كذلك الحركة القومية اليهودية (الصهيونية)، التي قدست (الارض الموعودة ـ فلسطين) ذلك الوطن الضائع. وقد قام بالتنظير لهذا الميل العروبي الجزيري مؤسسي التيار الاوائل وكلهم من أصول شامية: جورج أنطونيوس وقسطنطين زريق وساطع الحصري وزكي الارسوزي وميشيل عفلق.
وقد تعزز هذه الميل العروبي بتقديس (الاصل الجزيري) بالميل العام السائد لدى النخب العراقية الشامية بالبحث عن أي (انتماء خارجي)، بسبب معاناتها التاريخية من فقدان الثقة بالذات الوطنية. وفي أعوام الخمسينات والستينات من القرن الماضي، غدت (مصر الناصرية) هي قبلة العروبيين في العراق والشام. بل ان عقدة التبعية للخارج كانت أيضاً سبباً لانتشار التيارات الشيوعية والحداثية التي قدست روسيا والصين واوربا الغربية. يقيناً لو كان هؤلاء اليساريين والحداثيين قادرين، لأشاعوا بأن العراقيين والشاميين أصلهم من اوربا.. نعم انها عقدة احتقار الذات الوطنية والبحث عن أصل خارجي!!
تحت تاثير هذا المفهوم العروبي قام المؤرخون بتسليط الضوء فقط على الفرضية القائلة بالاصل الجزيري للشعوب السامية، ومنهم العرب طبعا.وقد بلغ هذا الميل ذروته باستخدام تسميات (الشعوب العروبية) و(الشعوب الجزيرية)بدلاً من (الساميين)([2]وآخر تعبيرات هذا الميل العروبي هي طروحات اللبناني (كمال الصليبي) القائل بأن (التوارة جاءت من جزيرة العرب). وهو يعتمد أساساً على حجة وجود أماكن في الجزيرة تحمل مسميات هي ذاتها المسميات الواردة في التوراة. وبسبب عقيدته العروبية، فانه لم يفكر بأن وجود أماكن في الجزيرة العربية تحمل نفس أسماء أماكن أخرى في الشام، تدل بكل بساطة على ان المهاجرين الشاميين الى الجزيرة قد اطلقوا هذه التسميات، وليس العكس. لكن باحثنا قام بارجاع الاصل الى الفرع، بدلاً من ارجاع الفرع الى الاصل.


 الهلال الخصيب والبادية العراقية ـ الشامية

أصل الشعوب السامية

قبل التطرق لموضوع (أصل العرب)، لنعرف (أصل الساميين) الذين يعتبر(العرب) جزءاً منهم.
ان المتمعن جيداً بما كتبه الباحثون المتخصصون في هذا الموضوع يكتشف ان هنالك عدة فرضيات عن أصل الساميين من ضمنها واحدة فقط تقول بأن أصلهم يعود الى (الجزيرة العربية):
(( فبعضهم يزعم أن المهد الأصلي للساميين انما هو أرض أرمينية (القفقاس) وبعضهم يقول أن هذه المنطقة هي المهد الأصلي للأمم السامية والأمم الآرية جميعاً ثم تفرعت منها جموع البشر في أرض الله الواسعة. وللتوراة نظرية خاصة عن أقدم ناحية عمرها بنو نوح وهي أرض بابل وقد تكون هذه النظرية أقرب الى الحقيقة فقد أثبتت البحوث التاريخية أن أرض بابل هي المهد الأصلي للحضارة السامية. وقد أيد العالم (جويدي) هذه النظرية في رسالة يقول فيها إن المهد الأصلي للأمم السامية كان في نواحي جنوب العراق على نهر الفرات وقد سرد عدداً من الكلمات المألوفة في جميع اللغات السامية من العمران والحيوان والنبات وقال أن أول من استعملها هم أهل تلك المنطقة ثم أخذها عنهم جميع الساميين. ([3])
أما الباحث السوري القدير (فراس السواح) فأنه يعتبر نظرية (الاصل الجزيري للساميين) قد (غدت بالية وبحاجة الى اعادة نظر، وان أكثر المدافعين عنها بدأ يتخلى عنها) منذ المكتشفات ألاثرية الكبرى التي حدثت في أواسط القرن العشرين([4]). كذلك الباحث الفرنسي (جورج رو) يقول: (ان هذه النظرية أصبحت ملغية بالنسبة لجميع المختصين)، بسبب الغاء تلك الفكرة السابقة بأن الجزيرة العربية كانت خضراء مقطونة بالناس قبل أن تتصحر ويهاجر سكانها الى الشمال، حيث دلت أبحاث السنوات الاخيرة بأنها كانت منذ القدم متصحرة، وان الاماكن الوحيدة التي ظلت قابلة لسكن البشر هي المحاذية للبحار، سواحل الخليج والبحر الاحمر واليمن. وان عدم استخدام الجمل حتى عام 1200 ق.م كان يجعل التنقل لفترات طويلة عبر الصحاري القاحلة أمراً مستحيلاً. لهذا فأنه من المعقول جداً أن يكون الساميين هم أبناء الهلال الخصيب الاصليين، حيث في هذه المنطقة دلَّت جميع آثارهم ودلائل تواجدهم منذ فجر التاريخ([5]).
ان الهلال الخصيب ظل مأهولا بالبشر منذ عشرات الآلاف من الاعوام، وفيه نشأت أولى المستوطنات الزراعية منذ الالف التاسع ق.م وظهرت معالم الحضارة في الالف السادس ق.م في حسونة وسامراء وحلف والعبيد واوروك وجمدة نصر([6]).
بالحقيقة اننا لسنا بحاجة للبحث عن أصول خارج منطقة الهلال الخصيب لهذه الشعوب السامية، للسببين التاليين:
1ـ ان اول ظهور في التاريخ لهذه الشعوب ولغتها وحضارتها، حدث في منطقة المشرق([7]). في العراق والشام أسس الساميون أولى الحضارات في تاريخ البشرية (بجانب الحضارة المصرية) في الالف الثالث قبل الميلاد. بالنسبة لسوريا فأن (ايبلا) أول حضارة فيها وكانت منذ البدء ناطقة بالسامية. بنفس الحقبة ظهرت أول حضارة عراقية، رغم انها كانت ناطقة بالسومرية إلاّ أن الآثار والمصادر تدل على ان الساميين الاكديين كانوا منذ البدء من المشاركين بها أيضاً. بل هنالك فرضية بأن السومريين والساميين كانوا من نفس العنصر، حيث دلت البحوث الاخيرة على تشابه تام بينهم في الشكل والدين والحضارة.وان زيادة السكان المفاجئة في هذه الحقبة في الجنوب العراقي كشفت عن وصول هجرات من الشمال العراقي السوري، وربما أيضاً من الاحواز([8])
2ـ في جميع المصادر والآثار التي خلفها هؤلاء الساميين لم يتم العثور على أية اشارة أو دليل على قدومهم من الجزيرة العربية، ولا حتى من أية منطقة أخرى في العالم. أما بالنسبة لتوصل العلماء الى وجود علاقة بين (اللغة السامية) و(اللغة الحامية) في مصر الفرعونية وبربر شمال أفريقيا، بحيث أطلق عليها تسمية (عائلة اللغات السامية ـ الحامية)، فان هذا ناتج عن علاقات عرقية قديمة، بسبب نزوح قبائل بربرية من شمال أفريقيا الى مصر ثم الى الهلال الخصيب، بعد الجفاف الكبير الذي حدث هناك في الالف السادس والخامس ق. م([9]). هذا لا يعني أبداً بأن الساميين قد نزحوا من شمال أفريقيا، بل يعني بأن مهاجرين من شمال أفريقيا قد اختلطوا بهم، بالاضافة الى هجرات عديدة بين المشرق والمغرب طيلة آلاف الاعوام، سواء عن طريق البوادي المتصلة أو عن طريق السواحل، (مثال هجرات الفينيقيين الى شمال أفريقيا)، أدت الى تمازجات عرقية وثقافية ولغوية.
لهذا يمكننا الغاء تلك العبارة المكررة التي نقرأها عن (نزوح الساميين الى العراق والشام)، فهم أبناء الهلال الخصيب ولم ينزحوا لا من الجزيرة العربية ولا من أي مكان آخر. لكن هذه المنطقة بسبب موقعها الوسطي بين اوربا وآسيا وافريقيا، استقبلت عبر التاريخ الكثير من الهجرات السلمية والحربية، من هذه القارات المحيطة، غالبيتهم ذابوا وأصبحوا جزءاً من الناطقين بالسامية، وبعضهم القليل حافظ على تمايزه الاقوامي حتى الآن، مثل التركمان والاكراد والارمن والشركس والافارقة..
الساميون الاوائل
تتفق جميع المصادر على ان أقدم وجود توثيقي عثر عليه حتى الآن للناطقين بالسامية، هو في الهلال الخصيب. طيلة التاريخ القديم للعراق والشام، في كل حقبة تظهر مجموعة سامية جديدة تسيطر على الواجهة السياسية والحضارية خلال حقبة كاملة قد تدوم ألف عام أو أكثر. ان من الاخطاء الكبرى التي ورثها المؤرخون والمنقبون الذين كتبوا تاريخنا، انهم تبنوا (الرؤية التوراتية) التي تتحدث عن (شعوب: أكدية وآشورية عمورية وكلدانية، وكنعانية وفينقية وآرامية.. الخ.. )، بينما في الحقيقة هم جماعات أو تحالفات قبائلية أو سلالات، تنتمي لنفس الاصل الاقوامي واللغوي والحضاري السامي. لوأخذنا مثال من الحقبة العربية الاسلامية، هل يصح الحديث عن الشعوب: الراشدية والاموية والعباسية والعلوية والفاطمية؟! فهي مجرد تحالفات قبائلية أو سياسية أو مذهبية تسيطر على الاوضاع في حقبة معينة، وهي تنتمي الى ذات الاصل الاقوامي والحضاري واللغوي العربي الاسلامي.
ان الموجة السامية الاولى هي (الاكدية ـ الكنعانية). نحن نفضل الحديث عن (ظهور) وليس (قدوم أو نزوح)، لأن المقصود بأن في هذه الحقبة بدأوا يظهرون في النشاط السياسي والحضاري، رغم انهم موجودين منذ القدم. في العراق بسط الاكديون نفوذهم السياسي نحو (2350ق.م) بقيادة زعيمهم (سرجون الأكدي) الذي شكل أول امبراطورية وحدت المشرق كله.
حتى وقت قريب لم يكن أحد يظن ان هنالك في سوريا حضارة واضحة قبل الالف الثاني ق.م. وهي حضارة (اوغاريت). لكن اكتشاف مدينة (ايبلا) قرب حلب، عام 1975 قد بين ان الوجود السامي الحضاري في سوريا يضاهي مثيله في العراق. تعد لغة إيبلا أقدم لغة وصلت إلينا مكتوبة (بالخط المسماري العراقي)، حتى الآن، ولم يكن أحد يتوقع العثور على شواهد مسطرة منها، وتتماثل هذه اللغة مع اللغة التي جرت العادة على تسميتها بالكنعانية، فضلاً عن هذا انها تشبه العربية في بعض النواحي، فمثلاً نجد فيها كلمات مثل (كتب) و(ملك) و(يد)..
علماً، بأن داخل هذه الموجة المتفرعة الى أكدية وكنعانية، ثمة موجات وتفرعات داخلية عديدة، لكن ظلت مجتمعة مع الاكدية والكنعانية في الوحدة اللغوية والحضارية. ففي الجانب الاكدي العراقي، ظهرت موجة التحالف القبائلي (العموري) القادمة من بادية الشام، والذين أسسوا ما سمي بالسلالة البابلية الاولى. كذلك ظهرت السلالة الآشورية في شمال العراق. لكن كل هذه الجماعات المختلفة بقيت محتفظة بنفس اللغة (الاكدية) والحضارة والدين. كذلك بالنسبة للشام، فبالاضافة الى ايبلا ثم اوغاريت، ثم الجماعات الفينيقية في الساحل، وربما بعض الجماعات الاولى من العبرانيين (الغابيرو) الذين جاورا من سبقهم من الكنعانيين في فلسطين. لكن كل هذه الجماعات المختلفة بقيت محتفظة باللغة الكنعانية مع اختلاف اللهجات والوحدة الحضارية.


البادية العراقية السورية موطن الآراميين ثم العرب

هذه البادية الجبارة، تم تجاهل دورها التاريخي في التكوين العرقي واللغوي لمنطقة الهلال الخصيب. بل انه حتى عندما يضطر المؤرخون (العروبيون خصوصاً) الى التطرق لدورها، فانهم يعتمون عليها بتسميتها (شمال الجزيرة)!! بينما هي منفصلة عملياً عن الجزيرة من ناحية التكوين البيئي والارتباط المباشر الطبيعي والسكاني بالعراق والشام.
ان سبب هذا التعتيم المتقصد على أهمية بادية الشام، يعود لأسباب عروبية قومية لكي يتم تمرير (نظرية الاصل الجزيري للشعوب السامية). هذه البادية يطلق عليها حالياً مختلف التسميات: (بادية الشام) (بادية السماوة ـ الشام)، (البادية العراقية ـ السورية). لكن يبقى أهم أسمائها التاريخية القديمة، تسمية (عربايا)، وهي تسمية مشتقة من (غربا) أطلقها الاكديون العراقيون على هذه البادية لأنها تقع غرب العراق، حيث لا يزال اسمها الشائع (البادية الغربية أو بادية السماوة).
يكفي أن نعرف ان مساحة هذه البادية أكثر من نصف مليون كم مربع، أي تساوي مساحة بلد كبير مثل العراق. فهي تضم أكثر من نصف أرض العراق وسوريا بالاضافة الى الاردن. وهي تقع على امتداد الضفة الغربية لنهر الفرات. انها تشكل مثلثاً رأسه قرب (حلب) وقاعدته تمتد من ساحل خليج العقبة الاردني، هبوطاً حتى سواحل البصرة والكويت. هذه البادية الكبيرة تحاط من الشرق والشمال بـ (هلال خصيب) يشمل أرض النهرين والساحل الشامي وينتهي في صحراء سيناء. هذه البادية تختلف عن صحارى الجزيرة العربية التي تحدها جنوبا، بكونها (بادية) وليست (صحراء)، أي انها ليست رملية قاحلة تماماً، بل أرضها صلبة وتنتشر فيها الكثير من الحيوانات والاعشاب البرية الصالحة لرعي الماشية، حيث ان معدل الأمطار سنوياً يقدر بحوالي 127 مم. لهذا فأن القبائل التي تنتشر فيها ليس بدوية بصورة كاملة، بل هم (رعاة وشبه رعاة) البدو الرحل الذين يعتمدون على الماشية والابل. ومن هذه القبائل حالياً: (عنزة والفدعان والحسنة) وغيرها، كذلك قلة من قبائل (العقيدات والنعيم وبني خالد والحديديين وشمر) وغيرهم.
هذه البادية ليست فقيرة وليست مجرد سهول رتيبة، ولا تلال جرداء، إنما تضم جبالاً شاهقة وتلالاً عالية وأودية متنوعة منها الصخرية ومنها الترابية ومنها الرملية بعضها عميق كأنما جدرانه جبال شاهقة وبعضها عريض كأنما هي مجاري أنهار قديمة وبعضها سيلات ضيقة أو واسعة تظل خضراء تحفل بالحياة معظم أيام السنة.‏ وهي ليست فقيرة بالمياه، فهناك الأودية الكثيفة التي تتجمع فيها مياه الامطار. وهي غنية بالثروات الباطنية التي تتمثل بالنفط والغاز والفوسفات والإسفلت والرمال الملونة بأشكال متعددة.
وهي تحتوي على الكثير من المناطق والتلال الاثرية وكهوف ومغارات، منها الكهوف الصنعية الأثرية والمدافن الأثرية ومنها الأودية الممتدة تحت الأرض مثل شبكة مياه متكاملة. وفيها حصون وقلاع ومعابد وقصور ومدن تاريخية شهيرة، مثل تدمر (ملكتها الشهيرة زنوبيا) في سوريا، ومملكة البتراء في الاردن([10]).



ظهور الموجة الآرامية

 ان سكان البادية الغربية يقطنون فيها منذ فجر التاريخ، وهم شبه رعاة، وعلى علاقة مستمرة بأهل الحضر والمزارعين. حتى نهاية الالف الثاني السابق للميلاد ظلت تنقلاتهم وقدراتهم الحربية محدودة بسبب عدم وجود الجمال حينذاك، بل كانوا يستخدمون الحمير. كانوا يضخون العراق والشام بهجرات بين حين وآخر، لكنها ظلت محدودة ومنفصلة بفترات زمنية بعيدة. ان أول الهجرات المعروفة من هذه البادية الغربية الى العراق هي هجرة (الاموريين ـ 2200 ق.م) وهي تسمية سومرية تعني (الغربيين) أي القادمين من البادية الغربية. ويبدو ان تسمية (مدينة ماري) في أعالي الفرات مشتقة أيضاً من معنى (الغرب)، وتسمية (مارـ تو) تعني (منطقة الغرب). وربما كان العبرانيين (الخابيرو) من ضمن هذه الموجة العمورية التي اتجهت ناحية فلسطين. تقول قصيدة باللغة السومرية من تلك الحقبة بوصف هؤلاء البدو:
((الاموري، السلاح رفيقه / لا يعرف الخضوع / يأكل لحماً غير مطبوخ / وفي حياته لا يملك بيتاً / ولا يدفن رفيقه اذا مات / لكنه الآن يملك بيتاً، ويملك حبوباً..))([11]).
في أواخر الالف الثاني أي بعد انتشار استعمال الجمل كأعظم واسطة نقل في الصحراء ذلك الحين، بدأت الهجرات تتكثف وتصبح أكثر قوة وجرأة على اقتحام المناطق الحضرية والمدن. وكان من أول وأكبر هذه الهجرات الكبرى هي القبائل ألارامية التي تفرعت منها القبائل العربية (كما سنبين)([12]).
ان ظهور الاراميين في أواسط الالف الثانية ق.م يعتبر من أخطر الموجات السامية التي نقلت الهلال الخصيب بل أيضاً الجزيرة العربية الى مرحلة تاريخية جديدة تماماً. يبدو ان انطلاق موجة النزوح من البادية يعود الى حالة الجفاف التي عمت المنطقة بين 1600 و1200 ق.م، فأخذت المناطق الهامشية في سوريا وفلسطين تخسر سكانها، وحدثت تنقلات وهجرات نحو البوادي بحثاً عن مناطق افضل، وبعضها انحدرت نحو الجزيرة العربية([13]).
ويكمن سر قوة هذه الموجة الآرامية انها امتلكت أعظم مكتشفين حضاريين في تلك الحقبة: الجمل والابجدية!! الجمل ساعدهم على التنقل والسيطرة العسكرية، والكتابة الابجدية ساعدتهم على السيطرة اللغوية والثقافية.
ان استخدام الجمل بدلاً من الحمير كوسيلة للتنقل مكنت هذه القبائل السامية التي كانت مكتفية بحياتها في بادية الشام، ان تتجرأ وتنتشر في مختلف الاتجاهات، نحو ضواحي ومدن العراق والشام، ولكن أيضاً وهذه هي الثورة الجديدة: انها تجرأت لأول مرة في التاريخ أن تقتحم صحارى الجزيرة العربية وتتوغل خصوصاً جنوباً نحو الحجاز حتى اليمن.(سوف نفصل هذا بعد قليل)([14]).
لقد اثر هذا التحالف القبائلي الجديد كثيراً في التكوين العرقي واللغوي لسكان النهرين في القرون الاخيرة قبل نهاية بابل في القرن السادس ق.م، أي في السلالة ألآشورية ثم الكلدانية. كذلك نجح الآراميون بتأسيس بعض الامارات والدويلات في سوريا، ومنها (دولة آرام دمشق) الشهيرة في القرن التاسع ق.م . كذلك بعض الدويلات العبرانية في فلسطين، مثل (يهودا واسرائيل).
أما بالنسبة للابجدية، فقد استفاد الآراميون من (الابجدية الكنعانية) المكتشفة حديثاً، لكي يدونوا (لهجتهم) ولتصبح مع الزمن وبفضل الابجدية لغة خاصة متميزة تنتشر في أنحاء العراق والشام، وتهضم اللغتين الاكدية في العراق والكنعانية (من ضمنها العبرية) في بلدان الشام، اللَّتان فقدتا حظوتهما بسبب اعتمادهما على الكتابة المسمارية التي أصبحت متخلفة بعد شيوع الابجدية. ثم ارتفع أكثر شأن ألآرامية بعد انتشار المسيحية، حيث ان لغة المسيح كانت هي الآرامية، وهي أيضا لغة الانجيل والكنائس والطقوس، وقد اتخذت تسمية جديدة هي (السريانية). ان قبائل هذه الموجة حملت تسمية (آراميين)، ربما تعني (سكان المرتفعات) حيث كلمة (آرم، ورم، مرتفع)، ولكن هنالك من يربط بين تسمية (ارم، وارب أي عرب)، أي سكان عربايا (البادية الغربية). ان هذا الابدال بين حرفي (م) و(ب) وارد في العربية، فقد ورد اسم (مكة) بلفظ (بكة) في قوله تعالى في سورة {آل عمران/96} : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}. كذلك هنالك أمثلة عديدة، منها ان كلمة (زمان) العربية هي نفسها (زبانو) السريانية. أما تحول حرف (ع) الى (همزة)، فيكفي أن ننظر الى انه ليست صدفة انه تكتب الهمزة مثل حرف (عـ) الصغيرة، لأنهما نفس الاصل، وان الاكديين العراقيين كثيراً ما كانوا يستصعبون لفظ حرف (ع) ويحولوه الى همزة. وفي جنوب العراق يفعلون العكس، حيث يقولون (سوعال) بدلاً من (سؤال)..
لننظر الى اللغة الآرامية (السريانية) كيف تستخدم كلمة (عرب) ومشتقاتها: (عروبو= غروب) و(عروبتو= يوم الجمعة) أي نفس التسمية التي كان يستخدمها العرب قبل الاسلام، وتعني (اليوم النهائي) من الاسبوع. و(عرابو=  العراب) أي الغريب من خارج العائلة الذي يكفل الطفل. و(عروبيو = الاعراب أي النحو) وتعني (غريب اللغة) (راجع أي قاموس سرياني عربي)([15]ويمكن ان نذكر عبارة (اعرب عن مشاعره، وعبّر عن مشاعره)، بمعنى اخرج مشاعره، وهن كلمتان تذكران بـ (عرب وعبريون). وكلها معاني غربة وابتعاد، لوصف البدو الرحل المتنقلين.
  
سكان الجزيرة العربية الاوائل ليسوا ساميين

رغم ان مناطق جنوب الجزيرة العربية وسواحلها كانت مأهولة بالسكان منذ آلآف الاعوام إلاّ أنه حتى الآن وفي كل انحاء الجزيرة العربية لم يعثر على أي أثر أو كتابة يدل على وجود (جماعات ناطقة بالسامية) قبل الالفية السابقة للميلاد، حيث ظهرت أقدم حضارات اليمن (الدولة السبئية) وهي اولى الحضارات في الجزيرة وناطقة بلغة سامية. وهذا يعني ان أول ظهور سامي واضح في الجزيرة قد تأخر عن مثيله في الهلال الخصيب أكثر من ألفي عام!ان التاريخ الشعبي العربي يحدثنا عن وجود ثلاث طبقات متعاقبة تاريخياً من سكان الجزيرة العربية :
(العرب البائدة)، وهمأقدم الطبقات وقد سموا كذلك لانهم أبيدواوطويت صفحات تاريخهم. ثم (العرب العاربة) او العرباء او القحطانيون وهم عرب الجنوب او اليمن. ثم(العرب المستعربة) وهم العدنانيون،بنو اسماعيل بن ابراهيم الخليل وهم عرب الشمال أي الحجاز.
بغض النظر عن مدى جدية هذه الحكايات الشعبية، إلاّ أنها قد تعبر عن بعض الحقائق التاريخية المخفية، مثل جميع الحكايات والاساطير. يبدو ان تشكل العرب كجماعة عرقية ولغوية يشبه الى حد بعيد تشكل غالبية الجماعات العرقية الكبرى في العالم، أي انه نتيجة تراكم عدة طبقات عرقية كل منها تكونت فوق السابقة واستوعبتها. أو مثل البحيرة التي تجتمع فيها مياه عدة سواقي وأنهار وأمطار، لتشكل مياهاً موحدة. بالنسبة لسكان الجزيرة العربية  فهنالك ثلاث طبقات:
الطبقة الاولى (العرب البائدة)، وهم السكان الاصليين الاوائل: تخمن البحوث ان السكان الاوائل للجزيرة ما كانوا من الساميين (أشكال البحر المتوسط)، بل من الجنس الاسمر المماثلين لسكان سواحل المحيط الهندي. اذا تتبعنا الشريط البحري الممتد من سواحل الهند مروراً بسواحل ايران وسواحل البصرة والخليج العربي حتى اليمن، فاننا نلاحظ سيادة جنس أسمر واحد يمكن تسميته بـ (جنس المحيط الهندي)، رغم كل تنوعهم الاقوامي : هنود وبلوش وفرس وعرب([16]). هذا الجنس هو الذي شكل الطبقة الاولى من سكان جنوب الجزيرة العربية، ولكن لم يتمكن من ترك أية آثار حضارية وكتابية، لأنه ظل يعيش في العصر الحجري حتى الالف السابق للميلاد، أي حتى قدوم الساميين. وهم قد (ابيدو) ليس بالمعنى البدني، بل بالمعنى الحضاري. فهذا الجنس الاسمر يلاحظ وجوده بكثرة في جنوب وسواحل الجزيرة، وبعضه ممتزج بجنس البحر المتوسط السامي الابيض.
الطبقة الثانية (العرب العاربة)، وهم الجماعات السامية الاولى القادمة من الهلال الخصيب. خلال الفي عام من ظهور الحضارة في العراق والشام، ظل التواصل مع الجزيرة العربية محدوداً بسبب عدم اكتشاف الجمل الذي من دونه كان من الصعب اقتحام صحارى الجزيرة العربية.لهذا فأن البحر ظل وسيلة الاتصال الوحيدة بين الساميين في الشمال وسكان الجزيرة. فمن ناحية الخليج ظل العراقيون والكنعانيون الشاميون على تواصل مع سواحله وأسسوا لهم قواعد بحرية ومستعمرات تجارية عديدة في البحرين وقطر وعمان حتى اليمن. بالنسبة لـ (قطر) انها كانت مأهولة بالسكان منذ الألف الرابع قبل الميلاد، ولها علاقة مباشرة مع الحضارة العبيدية في جنوبي العراق. كذلك إن الكنعانيين أول من سكن قطر في مطلع تاريخها الحضاري في الفترة 825-484  ق.م، بل ان تسميتها نفسها كنعانية! أما بالنسبة لـ (عمان) فأن السومريين أسسوا لهم قواعد تجارية فيها، وأطلقو عليها تسمية (مجان) أو جبل النحاس. وقد وردت عمان تحت هذا الاسم (مجان) في مئات النصوص العراقية بالخط المسماري. ويبدو أن الفينيقيين كان لهم وجود على ساحل عمان وأجزاء من الخليج العربي ومنهم من كان في الفجيرة وخور فكان وصور العمانية. كما كانوا في البحرين وجزيرة تاروت السعودية حيث قيل أنها سميت هكذا تبعاً لإلهة الفينيقيين عشتاروت بمعنى (عش تاروت) أو بيت تاروت. كذلك (البحرين) الذي ذكرت باسم (دلمون) في الاساطير العراقية([17]) . ان الدور العراقي والكنعاني في نقل العنصر والثقافة واللغة السامية (الاكدية والكنعانية) الى الجزيرة يتضح من خلال الناحية التالية: ان أول الحضارات المعروفة التي نشأت في الجزيرة (الحضارة السبئية) في اليمن، حوالي الف سنة قبل الميلاد. أي بعد أكثر من الفي سنة من حضارة العراق وسوريا. وقد استغرب العلماء من انتقال اليمن فجأة من العصر الحجري الى عصر البناء والكتابة من دون أي تطور معقول، وهذا يعني قدوم شعب متحضر الى اليمن ساهم بهذه النقلة السريعة. على هذا الاساس يعتقد ان السبئيون في نظر الكثير من العلماء جاءوا الى اليمن من الشمال (العراقي ـ السوري). فالدكتور فرتزهومل يقول : ان الفترة السابقة لتاريخهم الحقيقي بدأت خارج اليمن، ويرجح هذا الوطن الخارجي أنه كان في الأصل في شمال بلاد العرب. ومثل هذا سبق أن أوصى به سترابر حين ربط  بين الأنباط والسبئيين لكونهم أول من سكن العربية السعيدة. وتمشياً مع هذا الرأي اقترح الأستاذ و. ف. البرايت تاريخاً لهجرتهم حوالي 1200 ق. م ذاهباً في نفس الوقت إلى أن هجرتهم تلك تأتي بعد هجرة القبائل الأخرى (معين وحضرموت وقتبان) والتي حدثت في تقديره حوالي 1500 ق. م([18]).
لهذا يمكن القول ان حضارة ولغة اليمن القديمة، التي تعتبر احدى أصول اللغة العربية، هي بالحقيقة مزيج من لغة الشعب (الاسمر) الاصلي المجهولة التاريخ مع اللغة الاكدية والكنعانية التي جلبها المهاجرون الشماليون.
الطبقة الثالثة، (العرب المستعربة) وهي الهجرة (الآرامية) الكبرى التي أتت من الشمال العراقي الشامي، بعد شيوع استخدام الجمل. في هذه الحقبة شرع خصوصاً سكان بادية الشام (العراقي السورية) يتجرأون أكثر على الخروج من باديتهم ويسيحوا بقبائلهم نحو حواضر العراق والشام. بل بلغت بهم الجرأة انهم راحوا يغوصون جنوباً في صحارى الجزيرة العربية، نحو سواحل الخليج وواحات الحجاز ليؤسسوا اولى معاقل الاستيطان، مثل (يثرب) و(مكة). وليس بالصدفة ان هاتين المدينتين واقعتين على الطريق التجاري الذي يربط جنوب الجزيرة مع الشمال العراقي الشامي. ان البادية الغربية العراقية السورية، مع اكتشاف الجمل أخذت تطلق بسهولة أكثر الموجات من المهاجرين الذين راحوا يستعينون بالجمال بالتنقل وفي السيطرة الحربية.
ان فرضية هجرة الساميين من الشمال، يفسر لنا هذا الفرق (الاجناسي ـ الشكلي) الواضح بين نوعين من الاجناس: غالبية سكان شمال ووسط الجزيرة (أشكال البحر المتوسط الفاتحة البشرة) وهم (العرب المستعربة) أو القيسيين ـ المضريين ـ الاسماعيليين القادمين من المشرق. ثم غالبية سكان الجنوب والسواحل ذوي البشرة السمراء وشكل المحيط الهندي، وهم السكان الاصليين والذي اطلق عليهم تسمية (العرب البائدة).

العرب الاوائل

الحقيقة المهمة المعتم عليها عروبياً رغم انها متداولة في جميع المصادر التاريخية: ان سكان اليمن الناطقين بالسامية (السبئية والمعينية والحميرية)، قبل ظهور الأسلام، (ليسوا عرب)، لا بالمعنى العرقي ولا بالمعنى اللغوي والثقافي. فهم لم يحملوا (تسمية عرب) طيلة تاريخهم المعروف، بل حتى كلمة (عرب) لم تكن متداولة لديهم، ثم ان لغتهم بعيدة عن العربية الفصحى، بعد اية لغة سامية مختلفة، بل حتى خطهم الكتابي (المسند) رغم انه من أصل شامي كنعاني، إلاّ أنه ليس له أية علاقة بالخط العربي الذي تم اشتقاقة من الخط الآرامي العراقي (النبطي). ثم ان لغة اليمن (سامية جنوبية) وليست عربية. ان تسمية (عرب) الحقت بسكان جنوب الجزيرة العربية بعد ظهور الاسلام وانتشار اللغة العربية (الحجازية) والتعريب لدى اليمنيين، ونشأت تلك الاسطورة القائلة ان أهل الجنوب هم (العرب العاربة ـ القحطانيون)..الخ.. 
المصادر التاريخية تكشف لنا بأن تسمية (عرب) قد أتت أساساً من الهلال الخصيب وبالذات من العراق. ان أول من استخدم تسمية (عرب) هم العراقيون إذ أطلقوها على سكان (الغرب) أي (البادية الغربية) الشامية العراقية. حتى الآن يستعمل العراقيون تسمية (الغربية أو المغربية) على سكان أعالي الفرات، عكس (الشرقية أو الشروقية) أي سكان شرق العراق. ان تسمية (عربا، عربو) تعني سكان (عربايا) أي سكان البادية الغربية. من المعلوم ان حرفي الـ (ع) و(غ) تتبادل في اللغات السامية، فكان الاكديون يطلقون على (العبرانيين) تسمية (غابيرو)([19])وتعني (العابرين المتنقلين) أو سكان (الغبرا) أي البادية.
ان الذي يعزز نظرية ان أصل العرب من هذه البادية، ان أول ذكر لتسمية (عرب) في التاريخ، يعود الى وثيقة عراقية آشورية من القرن الثامن قبل الميلاد، مكتوبة على لسان الملك (شلمنصر الثالث 858-823 ق.م ) ويتحدث فيها عن غريمه زعيم احدى العشائر البدوية اسمه (جندب العربي). كذلك وردت في الكتابات البابلية جملة (ماتو اربي) Matu A-Ra-bi ،Matu Arabaai  ومعنى )ماتو) (متو) أرض، فيكون المعنى (أرض عربي)، أي (أرض العرب)، أو (بلاد العرب)، أو (العربية)، أو (بلاد الأعراب) بتعبير اصدق وأصح. إذ قصد بها البادية، وكانت تحفل بالأعراب. وجاءت في كتابة (بهستون) بيستونBehistun  لدارا الكبير )داريوس) لفظة (ارباية) عرباية Arabaya  وذلك في النص الفارسي المكتوب باللغة (الأخمينية)([20]).
أما في (التوراة) فقد وردت فيها كلمة (عربي) و (عرب) في التوراة، بمعنى البدوً. ففي كل المواضع التي وردت فيها في سفر (أشعياء): (ولا يخيم هناك أعرابي) و (وحي من جهة بلاد العرب في الوعر في بلاد العرب تبيتين). نفس الحال بسفر (ارميا). وبعض الباحثين يعتبرون ان كلمتي (عبري) و(عربي)، بأصل واحد، تعني سكان البوادي المتنقلين([21]).
وقد وردت في التوراة تسمية (ها عرابة ha'Arabah (في العبرانية. والمقصود بها : )وادي عربة)، أي الوادي الممتد من البحر الميت أو من بحر الجليل إلى خليج العقبة. كذلك تعني لفظة (برابة) في العبرانية الجفاف وحافة الصحراء وأرض محروقة، أي معاني ذات صلة بالبداوة والبادية. وقد أقامت في هذا الوادي قبائل بدوية شملتها لفظة (عرب). وفي تقارب لفظة (عرب) و (عرابة)، وتقارب معناهما، دلالة على الأصل المشترك للفظتين. ويعدّ وادي (العربة) وكذلك (طور سيناء) في بلاد العرب. وقصد بـ (العربية) برية سورية في (رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطة(. وأول من ذكر العرب من اليونان هو (أسكيلوس) في القرن السادس ق.م، وقال: انه كان في جيشه ضابط عربي من الرؤساء مشهور. ثم تلاه (هيرودوتس) شيخ المؤرخين في القرن الخامس ق.م. وقد أطلق لفظة (Arabae) (عربيا) على بلاد العرب، البادية وجزيرة العرب والأرضين الواقعة إلى الشرق من نهر النيل. فأدخل (طور سيناء) وما بعدها إلى ضفاف النيل في بلاد العرب([22]). كذلك يمكن ذكر (فيليب العربي 204- 249 م) ذلك العسكري السوري من السويداء، الذي أصبح إمبراطور روما([23]).
ويمكن ذكر دليل بسيط من بين ما لا يحصى من الادلة عن الاصل ألآرمي المشرقي للعرب، ان المسميات الأساسية للجمل، هي من أصل آرامي: جملو= جمل // أبلثو= ابل // بعيرو = دابة ([24]) .





 تسمية عرب في المصادر العربية

المسألة التي تستحق الانتباه، ان المصادر اليمنية التي تعتبر أولى الحضارات الكتابية في الجزيرة العربية، لم تشر ولا مرة الى أسم (عرب) طيلة أكثر من ألف عام أي حتى القرون الاخيرة قبل الاسلام (449م) (542م).. فكانت تطلق على نفسها تسميات عدة مثل سبأيين ومعينيين وحميريين وغيرها، إلاّ تسمية(عرب)! وهذا دليل كاف على ان تسمية (عرب) قد أتت من الشمال العراقي الشامي، حيث موطن العرب الاصلي ومنه اكتسبوا تسميتهم. والاكثر من هذا ان لغات اليمن تختلف عن اللغة العربية الشمالية التي انبثقت منها اللغة العربية، ولا تشترك معها إلاّ في كونها من اللغات السامية، وقد كان علماء المسلمين المتقدمين يدركون ذلك حتى قال أبو عمرو بن العلاء (770م) : (ما لسان حمير بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا). يضاف الى ذلك، ان (خط المسند) الذي كان سائداً في اليمن، رغم انه من أصول (كنعانية)، إلاّ أنه بعيد تماماً عن(الخط العربي) الذي اشتق من الخط النبطي ألآرامي العراقي.
في المصادر اليمنية المتأخرة بدأت ترد لفظة (اعرب) بمعنى (أعراب) ولم يقصد بها قومية، أي علم لهذا الجنس المعروف، الذي يشمل كل سكان بلاد العرب من بدو ومن حضر، فورد: (واعرب ملك حضرموت) أي (و أعراب ملك حضرموت)، وورد: (واعر ملك سبا)، أي (وأعراب ملك سبأ). وكالذي ورد في نص (أبرهة)، نائب ملك الحبشة على اليمن. مما يدل على أن لفظة (عرب) و (العرب) لم تكن تؤدي معنى الجنس والقومية وإن أهل اليمن لم يفهموا هذا المعنى من اللفظة إلاّ بعد دخولهم في الإسلام، ووقوفهم على القرآن الكريم، وتكلمهم باللغة التي نزل بها، وذلك بفضل الإسلام بالطبع. وقد وردت لفظة (عرب) في النصوص علماً لأشخاص. كذلك وردت لفظة (عرب) في عدد كبير من كتابات (الحضر): (وبحطر و عرب)، أي (وبالحضر وبالعرب) (ملكادي عرب)، أي (ملك العرب) وقد وردت اللفظة في كل هذه النصوص بمعنى (أعراب)، ولم ترد علماً على قوم. في (نقش النمارة) الشهير الذي عثر عليه في أحد القبور في سوريا من تاريخ 328 م، والذي يعود إلى (امرء القيس بن عمرو). والذي كان يحتوي على كتابة آرامية ولكن تحتوي على بعض المفردات العربية([25]).

   
هاتان الخارطتان توضحان كيف ان الدولة العراقية قبل شيوع (الجمل) كانت غير قادرة على بسط نفوذها على البادية، بل تقوم بحملات تأديبية. أما الدولة البابلية الأخيرة فبفضل (الجمل) قد فرضت نفوذها على البادية وواحاتها جنوباً حتى الحجاز، حيث جعلت من واحة التيماء عاصمة روحية


مدينة التيماء

هنالك تعتيم يبدو مقصوداً على الاهمية التاريخية الحاسمة لمدينة (التيماء) في الكشف عن دور البابليين في تكوين (العنصر العربي). صحيح ان علاقات العراق مع الجزيرة قديمة، إلاّ أنها تعمقت أكثر مع استخدام الجمل. وأصبحت هذه العلاقة ظاهرة ومتعددة الاشكال منذ حكم السلالة الآشورية في الالف السابق للميلاد من خلال البدو الاراميون الذين راحوا بالتدريج يصبحون جزءاً من الواقع الاجتماعي والسياسي لبلاد النهرين. وقد توالت بعد ذلك الاشارات الى حملات الملوك الآشوريين ومنهم سرجون الثاني (721- 705 ق.م) إذ يذكر في نصوصه بقيامه بدخول منطقة شمال غرب الجزيرة العربية وتسلمه هدايا الطاعة والولاء من القبائل العربية القاطنة في تلك المنطقة والتي كانت من بينها (ثمود) وقد استمرت سيطرة الآشوريين على مناطق شمال الجزيرة العربية في عهد كل من الملكين سنحاريب (705-681  ق.م) وآشور بنيبال (669-627 ق.م) بهدف فرض السيطرة المباشرة على المراكز التجارية فيها وهذا ما نستشفه من خلال النصوص المسمارية التي جائتنا من عهد هذين الملكين. وتذكر حوليات الملك الآشوري تجلاثبليزر الثالث (744-727 ق.م) انه قام بمحاربة مدن وقبائل الجزيرة مثل مساي (Masai) وتيماء (Temai) وسابيا (Sabaai) وخيافة (Haiapai) وبدانيا (Badania) وتسلم هدايا الطاعة والولاء منهم. وبلغت هذه العلاقات بين العراقيين وسكان الجزيرة في عهد السلالة الكلدانية في القرن السابع ق.م، والتي كانت سلالة آرامية، بحيث ان(نبونيد 556-539  ق.م) آخر ملك بابلي اتخذ من (التيماء) عاصمة روحية له. وتقع هذه المدينة ـ الواحة في شمال الحجاز وقريبة من بادية الشام على الطريق الذي يربط بين خليج العقبة والبتراء غرباً والخليج العربي شرقاً وتمر بها قوافل الراحلين من الشام والعراق ومصر الى اليمن في الجنوب على طريق مكة. وقد دامت اقامته فيها لفترة امتدت عشر سنوات حيث بنى لنفسه قصراً أشار اليه في نصوصه : (بأنه كالقصر الذي شيده نبوخذ نصر الثاني في بابل، وجعل تيماء مدينة زاهرة) ويقول هو:
(ولكنني أبعدت نفسي عن مدينة بابل على الطريق الى تيماء ودادانو وباداكو وخيبر واياديخو وحتى يثربو، تجولت بينها هناك مدة عشر سنين لم أدخل خلالها عاصمتي بابل). وأقام هذا الملك مستوطنات من الرعايا البابليين في تلك الواحات. ولهذا فقد أفرزت اقامة العاهل البابلي في تلك الواحة نتائج حضارية إذ انعكست التأثيرات البابلية على الاعمال الفنية التي تم الكشف عنها في هذه المدينة فيما بعد ومنها مسلة التيماء التي تبدو فيها الطرز الفنية للفخار البابلي واضحةً فضلاً عن التأثيرات الاخرى التي ظهرت في الآثار المكتشفة في تلك المدينة بعد أن أصبحت جزءاً من الامبراطورية البابلية الحديثة([26]).
وهناك من يظن ان سكان مكة أي (القريشيون) هم من أصل بابلي :
((هناك من يذهب أبعد.. فيرى أن البابليين الذين تسنى لهم النجاة من مذابح داريوس الفرثي بعد احتلال بابل انتقاماً من ثورتها عليه وخلعها نير سلطانه، هم الذين بنوا حضارة الحجاز... وربما جاءت الأسطورة الدينية التي تقول بأن ابراهيم الخليل - وهو كلداني من اور- هو الذي بنى بمكة بيتها المقدس، وكان من نسله ابنه اسماعيل، لتؤكد هذا الرأي أو الفرض التأريخي وتكرسه واقعة تاريخية..))([27]).
المصادر العربية والاصل العراقي ـ الشامي
ان هذه الفكرة عن أصل العرب من (عربا ـ أي بادية الشام) ظلت متداولة لدى المؤرخين العرب أنفسهم. فقالوا: (إنهم سموا عربا بأسم بلدهم العربات. وقال إسحاق بن الفرج: عربة باحة العرب، وباحة دار أبي الفصاحة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام). وقالوا (وأقامت قريش بعربة فتنخت بها، وأنتشر سائر العرب في جزيرتها، فنسبوا كلهم إلى عربة، لأن أباهم اسماعيل، صلى الله عليه وسلم، نشأ وربى أولاده فيها فكثروا).
كذلك تم التعبير عن الشعور الموروث لدى العرب بأنهم من أصل (عراقي)، من خلال الاعتقاد بقدوم اسماعيل من (أور) وان ابراهيم هو الذي بنى الكعبة. وهذا قول معروف من الامام علي :
((جاء في اللسان : قال محمد بن سيرين : سمعت عبيدة قال : سمعت عليّاً (رض) يقول : (من كان سائلاً عن نسبتنا فإنّا نبط من كوثى). قال أبو المنصور : والقول هو الأول لقوله (رضي): فإنها نبط من كوثى، ولو أراد كوثى مكة لما قال نبط. وكوثى العراق هي سُرّة السواد من محل النبط. وإنما أراد عليٌّ أن أبانا إبراهيم كان من نبط كوثى. ونحو ذلك قال ابن عباس: نحن معاشر قريش حيّ من النبط من أهل كوثى. والنبط من أهل العراق)). وأنت تعلم أن مراد العرب بنبط العراق: البابليون الأقدمون. وعلى هذا يكون القرشيون بابليّي الأصل فلما دخلوا بلاد العرب أدخلوا إليها لغتهم معهم([28]).
هذا يفسر الفكرة السائدة في الاساطير العربية عن (العرب المستعربة) أي (العدنانيون ـ المضريون) أبناء (اسماعيل) التي تقول الاساطير انهم قدموا من الشمال. وهذا أيضاً يفسر سبب الاختلاف العرقي واللغوي الكبير بين عرب الحجاز الشماليين (أشكالهم عراقية سورية بحر متوسطية)، وعرب اليمن الجنوبيون، (أشكالهم استوائية سمراء). رغم الامتزاجات الكبيرة التي حصلت بين الطرفين إلاّ أنهم يختلفون بالاصول والاشكال، بل حتى اللغة. علماً بأن تسمية (أرض العرب أو العربية) قد توسعت مساحتها مع مرور الزمن. ففي بدايات الالف السابق للميلاد، حسب الوثائق العراقية والتوراتية والايرانية، فان (العربية) أو (بلاد العرب)، تعني بالضبط : (البادية التي في غرب نهر الفرات الممتدة إلى تخوم بلاد الشام). ثم بالتدريج بدأت التسمية تشمل (صحراء سيناء)، حيث تعيش هنالك عدة قبائل بدوية. ثم بالتدريج راحت التسمية تشمل كل الجزيرة العربية.


بدأوا يظهرون في بوادي الهلال الخصيب منذ القرن الميلادي الاول. يمكن اعتبار(الانباط) نتاج المرحلة الأولية من التمازج الحاصل بين الآراميين وسكان جنوب الجزيرة العربية اليمنيين، ولهذا فأن لغتهم وأسمائهم وثقافتهم كانت آرامية ولكنها تحتوي على بعض صفات العربية من مفردات وأسماء وعادات([29]).وقد اطلقت عليهم تسمية (انباط) بمعنى انهم هجروا البادية و(نبطو) أي (انبتو، زرعو) أي أصبحوا حضر مزارعين. وقد أسسوا بعض الدويلات في العراق والشام، في ظل الدولتين الفارسية والرومانية المهيمنتين في تلك الفترة. ومن هذه الدويلات (الحضر) في بادية الموصل، و(الانباط) في بادية الاردن، و(تدمر) غرب الفرات عند البادية السورية. وكل هذه الدويلات قد نشأت وانتهت تقريباً في نفس الفترة، حيث دامت بضعة قرون بعد الميلاد.





ظهور العرب

بدأت القبائل العربية تظهر بالتدريج منذ القرن الرابع الميلادي، حيث استقرت بعض القبائل في أواسط الفرات لتشكل (دولة المناذرة) في العراق، بالاضافة الى (دولة الغساسنة) في سوريا. ان ميزة هذه الموجة انها كانت تحمل في طياتها تأثيرات أكثر وضوحاً من عملية التفاعل بين القبائل الآرامية الشمالية مع قبائل جنوب الجزيرة. ومن أهم هذه التأثيرات هي اللغة التي اكتسبت الكثير من تأثيرات لغة اليمن. كذلك شيوع تسمية(عرب) رغم ان هذه التسمية أصلها من العراق. لكن رغم ذلك فأن (ألآرامية) بقيت لغة الثقافة والدين الرسمية المتداولة في داخل هذه الدويلات. فكل ما وجد من وثائق ونقوش (ثمودية وصفوية) تنسب للعرب في هذه الحقبة، كانت مكتوبة باللغة والخط الآرامي. ولم نعرف العرب إلاّ من مسمياتهم([30]).
أما الموجة العربية الحقيقية التي أتت مع الفتح العربي الاسلامي من الجزيرة العربية، فانها تستحق التفصيل التالي الخاص بها.


ظهور اللغة العربية

حتى الآن يبدي جميع المعنيين بتاريخ العرب واللغة العربية، استغرابهم من هذا الظهور المفاجئ للغة العربية، كلغة متكاملة في وسط مجتمع (مكة) الذي كان في وضع حضاري محدود ليس له أي ميراث ثقافي عريق مكتوب يمكن أن يفسر هذا الغنى المتميز للغة القرآن الكريم([31]) .
إن جوابنا على هذا التساؤل المشروع، هو التالي :
ان اللغة العربية ليست نتاج مجتمع (مكة) وحده، ولا عموم المجتمع الحجازي الذي ظهرت فيه، بل هي نتاج التقاء وامتزاج ثقافتين عريقتين اجتمعتا في مكة: الثقافة اليمنية ذات الميراث الذي يتجاوز الالف عام، والثقافة الآرامية الحاملة لميراث بضعة آلاف عام من حضارات العراق والشام.
أن مدينة (مكة) وكذلك (يثرب) ومدن حجازية أخرى، قد تأسست على يد المهاجرين الشماليين من القبائل الارامية ومعها المجاميع الشمالية المختلفة التي كانت تنزح نحو الحجاز لأسباب عدة، (مثال النخب البابلية بعد سقوط بابل). في الحقبة الميلادية أو السابقة للميلاد بقرنين على الاكثر، ظهرت أول معالم (مكة). لقد استمر الحجاز يستقبل النازحين القادمين من الشمال من بدو وحضر ومبشرين مسيحيين (خصوصاً النساطرة العراقيين) وكذلك التجار اليهود. ويبدو ان هذه الهجرات الشمالية نحو الحجاز كانت بزيادة متصاعدة بسبب استخدام (الجمل) وكذلك نتيجة استمرار فقدان الامن وتردي الحياة في الهلال الخصيب، بسبب السيطرة الاجنبية (الفارسية ـ الرومانية) والحروب الطاحنة بين الطرفين. ان موقع (مكة) على خط القوافل بين الجنوب والشمال، ساعدها على أن تصبح مركز جذب للقبائل والجماعات اليمنية القادمة من الجنوب لتمتزج مع الاقارب القدماء القادمين من الشمال. وقد نجح أهل (مكة) معتمدين على ميراثهم الحضاري الشمالي ـ الجنوبي العريق، بتأسيس مكانة دينية جامعة تتمثل بـ (الكعبة الشريفة)، مما حول المدينة الى مصهر ثقافي وعرقي فعّال، ليتحول مع الزمن الى مركز حضاري وديني لسكان الجزيرة الشماليين والجنوبيين. كل هذه التفاعلات وخلال بضعة قرون أدت الى تطور لغة جديدة تجمع بين اللغتين اليمنية (الجنوبية) وألآرامية (الشمالية)، أطلق عليها تسمية (لغة عربية) أو (لهجة قريش).
(عبثاً يحاول دارسي العربية العثور على وثائق لغوية سابقة للقرآن الكريم... أما من ناحية النقوش التي يسمونها ـ نقوشا عربية ـ سبقت ظهور الاسلام، فهي ركيكة ولا تشبه العربية الفصحى.. أما نقش النمارة الذي عثر عليه في حوران في سوريا عند قبر امروء القيس المتوفي عام 328 ميلادية وكان ملكاً على الحيرة في العراق، فقد قيل عن كتابته بأنها لغة رجل آرامي لا يعرف العربية معرفة تامة. لغته سريانية ولكنه يحاول الكتابة بالعربية) ([32]).
ان العربية هي لغة مكة وقريش، وسميت منذ ذلك الحين باللغة العربية الفصحى، وقد أبرزها القرآن الكريم كلغة دينية مقدسة: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} {الرعد/37}، {وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا} {الأحقاف/12}، {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} {النحل/103}.
أن اللغة العربية التي ظهرت في القرآن الكريم، لم تكن نتاج تراث الحجاز اللغوي بل هي حصيلة التقاء التراثين اللغويين الجنوبي والشمالي([33]). حينها فقط اتخذت تسمية (عرب) التي كانت تعني فقط (الاعراب) أي (بدو عربايا ـ البادية الغربية)، معناً جديداً يمثل مجموعة أقوامية ناطقة بلغة خاصة بها هي: اللغة العربية!
ولعل هذا الاصل الآرامي للعرب وللغة العربية، هو الذي يفسر كيف ان العرب المسلمين اعتبروا اللغة السريانية (وهي نفس الآرامية)، لغة مقدسة ولغة الانبياء الاوائل: آدم وشيت وادريس ونوح وابراهيم([34]).
وهذا أيضاً يفسر اقتباس العرب (الخط النبطي الآرامي العراقي) في كتابة لغتهم، بدلاً من الخط اليمني المسند الذي كان شائعاً في الجزيرة.
  

تعريب وأسلمة سكان العراق والشام الناطقين بالآرامية

إذن، (العرب) مثل كل المجموعات الاقوامية الكبيرة في العالم، هم مزيج من مختلف الاعراق والجماعات المختلفة الاصول ولكنها لظروف مختلفة ذابت في كياني ثقافي ـ لغوي مشترك غطائه اللغة العربية. ومع الزمن والتمازج العرقي الثقافي تشكلت نوعاً من (الرابطة القومية) المبنية على الاساطير التي تدعي بالاصل العرقي المشترك و(جد) خيالي اسمه (يعرب) يفترض بأن تسمية (عرب) تعود له. ومن أجل تفسير هذا الانقسام التاريخي العرقي الواضح بين سكان جنوب الجزيرة والقادمون من الشمال، قيل ان (يعرب) له ولدين، (قحطان) جد الجنوبيين، و(عدنان) جد الشماليين!
ان القفزة الكبرى التي حصلت في هذه الجماعة (العربية) الاقوامية الناشئة في الحجاز، مع ظهور الاسلام وانشاء الامبراطورية العربية الاسلامية. إذ انظمت الى (العرب) شعوب بأكملها (آرامية ومصرية وبربرية ونوبية، وغيرهم الكثيرون) بسبب عمليات الاسلمة والتعريب التي دامت قرون لتشكل الشعوب العربية الحالية، التي تعتقد بأنها منحدرة عرقياً وفعلياً من (عرب الحجاز)!
بالحقيقة إن العامل الأول الذي سهل عملية تعريب شعوب العالم العربي الحالي، هو التقارب العقلي والبشري بين القبائل العربية وسكان هذه البلدان. بالحقيقة ان عملية التعريب ما كان يمكنها أن تنجح، لولا هذه العلاقات التاريخية العرقية والحضارية بين هذه الشعوب (السامية ـ الحامية)([35]).

*ملاحظة: نرجو مراجعة هوامش وملاحظات هذا القسم في نهاية هذا الملف

مصادر البحث

أدناه فقط المصادر الاساسية المذكورة في متن الكتاب، ولم نذكر العشرات غيرها التي تم استشارتها، ولكن لم يتسن لنا تسجيلها:
1- (جريدة السفير) 2007/10/26أجرى اللقاء أحمد بزون / منشور أيضا في : http://www.alnahdah.org/doc07102610.htm
         ـ كذلك كتابه: التوراة جاءت من جزيرة العرب / كمال الصليبي / بيروت 1985
2- من سومر الى التوراة/ فاضل عبد الوحد علي / دار سيناء / القاهرة 1996
3- حضارة العرب/ احمد سوسة / وزارة الاعلام / بغداد
4- تاريخ اللغات السامية أ ــ ولفنسون
5- التاريخ القديم للشعب الاسرائيلي / توماس طومسن .
6- آرام دمشق واسرائيل/ فراس السواح / دار علاء الدين / دمشق 1995
la Mesopotamie / Georges ROUX/P 136-138/ Paris 1985)) -7
8- تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين/ فيليب حتي / دار الثقافة / بيروت 1985
9- بادية الشام/ كريستينافيلبس غرانة / ترجمة، تحقيق: خالد أحمد عيسى/ أحمد غسانسبانودار رسلان / بيروت 2007
10- البدو والبادية صور من حياة البدو في باديةالشام / جبرائيلسليمان جبور/ دار العلم للملايين / بيروت 1988
11- أللآلئ السريانية/ قاموس سرياني عربي / جوزيف اسمر/ مطبعة العلم / سوريا 1991
12- دراسات في تاريخ الثقافة العربية / مجموعة مؤلفين سوفييت / دار التقدم / موسكو 1989
13- شبه الجزيرة العربية والعرب / غريازنيفيتش / موسكو 1977
14- موسوعة ويكيبيديا: قطر، البحرين، عمان، الخليج
15- تاريخ اليمن القديم/ محمد بافقيه / المؤسسة العربية / بيروت1985     
16- المفصل في تاريخ العرب / جواد علي الطاهر.
17- هل بنى البابليون مكة والمدينة / د.هديب غزالة / مجلة ميزوبوتاميا / بغداد / عدد 7/ 2006 www.mesopotamia4374.com/adad7/fahrast7.htm)
18- محاولة في فهم الشخصية / محمد مبارك / بيروت.
19- حصاد الفكر في اللغة العربية / لجنة باحثين
20- نظريات في اللغة / انيسة فريحة / دار الكتب / بيروت1973
21- كتاب الأختصاص للشيخ المفيد.
22- تفسير الميزان / السيد الطباطبائي.
23- تاريخ العراق الاقتصادي/ عبد العزيز الدوري/ المؤسسة العربية / بيروت
24- كتابنا الذات الجريحة / الفصل الثاني / الطبعة 4 / بغداد 2007
25 - عن تدجين الحصان والجمل/  راجع:
26- تاريخ البشرية/ ارنولد توينبي / الدار الاهلية / بيروت 1988
27- الغرب والعالم / كافين رايلي / عالم المعرفة / الكويت 1985
28- ارتقاؤ الانسان / ج. برونوفسكي / عالم المعرفة / الكويت

ليست هناك تعليقات: