.

2015/01/01

ظهور اللغة العربية




حتى الآن يبدي جميع المعنيين بتاريخ العرب واللغة العربية، استغرابهم من هذا الظهور المفاجئ للغة العربية، كلغة متكاملة في وسط مجتمع (مكة) الذي كان في وضع حضاري محدود ليس له أي ميراث ثقافي عريق مكتوب يمكن أن يفسر هذا الغنى المتميز للغة القرآن الكريم([31]) .
إن جوابنا على هذا التساؤل المشروع، هو التالي
:
ان اللغة العربية ليست نتاج مجتمع (مكة) وحده، ولا عموم المجتمع الحجازي الذي ظهرت فيه، بل هي نتاج التقاء وامتزاج ثقافتين عريقتين اجتمعتا في مكة: الثقافة اليمنية ذات الميراث الذي يتجاوز الالف عام، والثقافة الآرامية الحاملة لميراث بضعة آلاف عام من حضارات العراق والشام.
أن مدينة (مكة) وكذلك (يثرب) ومدن حجازية أخرى، قد تأسست على يد المهاجرين الشماليين من القبائل الارامية ومعها المجاميع الشمالية المختلفة التي كانت تنزح نحو الحجاز لأسباب عدة، (مثال النخب البابلية بعد سقوط بابل). في الحقبة الميلادية أو السابقة للميلاد بقرنين على الاكثر، ظهرت أول معالم (مكة). لقد استمر الحجاز يستقبل النازحين القادمين من الشمال من بدو وحضر ومبشرين مسيحيين (خصوصاً النساطرة العراقيين) وكذلك التجار اليهود. ويبدو ان هذه الهجرات الشمالية نحو الحجاز كانت بزيادة متصاعدة بسبب استخدام (الجمل) وكذلك نتيجة استمرار فقدان الامن وتردي الحياة في الهلال الخصيب، بسبب السيطرة الاجنبية (الفارسية ـ الرومانية) والحروب الطاحنة بين الطرفين. ان موقع (مكة) على خط القوافل بين الجنوب والشمال، ساعدها على أن تصبح مركز جذب للقبائل والجماعات اليمنية القادمة من الجنوب لتمتزج مع الاقارب القدماء القادمين من الشمال. وقد نجح أهل (مكة) معتمدين على ميراثهم الحضاري الشمالي ـ الجنوبي العريق، بتأسيس مكانة دينية جامعة تتمثل بـ (الكعبة الشريفة)، مما حول المدينة الى مصهر ثقافي وعرقي فعّال، ليتحول مع الزمن الى مركز حضاري وديني لسكان الجزيرة الشماليين والجنوبيين. كل هذه التفاعلات وخلال بضعة قرون أدت الى تطور لغة جديدة تجمع بين اللغتين اليمنية (الجنوبية) وألآرامية (الشمالية)، أطلق عليها تسمية (لغة عربية) أو (لهجة قريش).
(عبثاً يحاول دارسي العربية العثور على وثائق لغوية سابقة للقرآن الكريم... أما من ناحية النقوش التي يسمونها ـ نقوشا عربية ـ سبقت ظهور الاسلام، فهي ركيكة ولا تشبه العربية الفصحى.. أما نقش النمارة الذي عثر عليه في حوران في سوريا عند قبر امروء القيس المتوفي عام 328 ميلادية وكان ملكاً على الحيرة في العراق، فقد قيل عن كتابته بأنها لغة رجل آرامي لا يعرف العربية معرفة تامة. لغته سريانية ولكنه يحاول الكتابة بالعربية) ([32]).
ان العربية هي لغة مكة وقريش، وسميت منذ ذلك الحين باللغة العربية الفصحى، وقد أبرزها القرآن الكريم كلغة دينية مقدسة: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} {الرعد/37}، {وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا} {الأحقاف/12}، {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} {النحل/103}.
أن اللغة العربية التي ظهرت في القرآن الكريم، لم تكن نتاج تراث الحجاز اللغوي بل هي حصيلة التقاء التراثين اللغويين الجنوبي والشمالي([33]). حينها فقط اتخذت تسمية (عرب) التي كانت تعني فقط (الاعراب) أي (بدو عربايا ـ البادية الغربية)، معناً جديداً يمثل مجموعة أقوامية ناطقة بلغة خاصة بها هي: اللغة العربية!
ولعل هذا الاصل الآرامي للعرب وللغة العربية، هو الذي يفسر كيف ان العرب المسلمين اعتبروا اللغة السريانية (وهي نفس الآرامية)، لغة مقدسة ولغة الانبياء الاوائل: آدم وشيت وادريس ونوح وابراهيم([34]).
وهذا أيضاً يفسر اقتباس العرب (الخط النبطي الآرامي العراقي) في كتابة لغتهم، بدلاً من الخط اليمني المسند الذي كان شائعاً في الجزيرة

ليست هناك تعليقات: