.

2015/01/11

البدائل اللغوية في التراكيب المتماثلة

د. حسناء عبدالعزيز القنيعير
    تزخر كتب التراث بكثير من مظاهر الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم، وقد أثبت مؤلفوها أنَّ التعبير القرآني يمثل أهم أنواع البيان العربي، من هنا عُدَّ الإعجاز اللغوي الوجه الأول من وجوه الإعجاز القرآني. هناك من يظن مثلاً أن بعض الآيات في القرآن الكريم ذات معنى واحد لاحتوائها على ألفاظ أو مركبات أو صيغ متشابهة، وهذا غير صحيح، فهناك فروق دلالية بين الألفاظ المتشابهة، واختلاف ناتج عن تعريف الأسماء وتنكيرها، أو المراوحة بين الأسماء التي تدل على الثبوت، والأفعال التي تدل على التجدد، أو اختلاف الصيغ المشتقة، أو أنواع الجموع. وقد انتقيت عدداً من الآيات التي تعكس هذه الإشكالية.

- الزلزلة والرجفة: الرجفة الزلزلة العظيمة ولهذا يقال زلزت الأرض زلزلة خفيفة ولا يقال رجفت إلا إذا زلزلت زلزلة. وسميت زلزلة الساعة رجفة لذلك "فأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا في دَارهمْ جَاثمينَ ".
- الظل والفيء: الظل يكون ليلاً ونهارًا، ولا يكون الفيء إلا بالنهار وهو مافاء من جانب إلى جانب أي رجع، والفيء الرجوع ويقال الفيء التبع لأنه يتبع الشمس. قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ إلَىٰ رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكنًا ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْه دَليلا".
- اللمس والمس: اللمس يكون باليد خاصة ليعرف اللين من الخشن والحرارة من البرودة، والمس باليد وبالحجر وغير ذلك، ولهذا قال تعالى: "أَمْ حَسبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتكُمْ مَثَلُ الَّذينَ خَلَوْا منْ قَبْلكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ"، وقال: "وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بضُرّ فَلَا كَاشفَ لَهُ إلَّا هُوَ وَإنْ يَمْسَسْكَ بخَيْر فَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَديرٌ"، ولم يقل يلمسك.
- (بَلَدًا) و(البَلَد) في قوله تعالى: "رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمنًا" و: "رَبّ اجْعَلْ هَذَا البَلَد آمنًا".
الآية الأولى هي دعاء إبراهيم عليه السلام قبل أن تكون مكة بلداً فجاء بصيغة التنكير (بلداً) أما الآية الثانية فهي دعاؤه بعد أن أصبحت مكة بلداً معروفاً فجاء بصيغة التعريف في قوله (البلد). وقال أبو حيان في البحر المحيط: وهذا إشارة إلى الوادي الذي دعا لأهله حين أسكنهم فيه. أو إلى المكان الذي صار بلداً، ولذلك نكره فقال: بَلَدًا آمنًا. وحين صار بلداً قال: رَبّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمنًا..
- انبجست وانفجرت في قوله تعالى: "وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى إذ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَن اضْرب بّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ منْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ"، وقوله: "وَإذ اسْتَسْقَى مُوسَى لقَوْمه فَقُلْنَا اضْرب بّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ منْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً "، في سورة االأعراف طلب بنو إسرائيل من موسى السقيا، وفي البقرة طلب موسى من ربه السقيا، فقيل جواباً لطلبهم فانبجست، وقيل إجابة لطلبه: فانفجرت، فالانفجار تدفق الماء من الحجر بشدة، والانبجاس تدفق الماء وسيلانه بشكل هادىء. وقيل الانبجاس: خروج الماء الجاري بقلة، والانفجار خروجه بكثرة، فكان يبتدئ بقلة ثم يتسع حتى يصير إلى الكثرة.
- (دارهم) و(ديارهم) (وَأَخَذَ الَّذينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ في ديَارهمْ جَاثمينَ) (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذينَ آمَنُواْ مَعَهُ برَحْمَة مَّنَّا وَأَخَذَت الَّذينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ في ديَارهمْ جَاثمينَ)، الصيحة هي أشمل وأهمّ من الرجفة لذا فإنها تُصيب عدداً أكبر، ومعلوم أن الصوت يمتد أكثر من الرجفة ولهذا فهي تؤثر في ديار عديدة، لذا جاء استخدام كلمة (ديارهم) مع الصيحة. أما الرجفة فتأثيرها في مكانها فقط لذا جاءت مع كلمة (دارهم) في قوله (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ في دَارهمْ جَاثمينَ)، ولم ترد في القرآن كلمة (ديارهم) إلا مع العذاب بالصيحة، ووردت كلمة (دارهم) مع العذاب بالرجفة.
- (هامدة)و(خاشعة).قال تعالى: "وَ تَرَى الْأَرْضَ هَامدَةً فَإذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ من كُلّ زَوْج بَهيج".وقوله: "وَمنْ آيَاته أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشعَةً فَإذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إنَّ الَّذي أَحْيَاهَا لَمُحْيي الْمَوْتَى إنَّهُ عَلَى كُلّ شَيْء قَديرٌ".
فالأرض الهامدة هي التي لا نبات فيها: "الهُمُودُ الموتُ، وهَمَدَت النارُ تَهْمُدُ هُمُوداً طُفئَتْ طُفُوءاً، ونباتٌ هامدٌ يابس، وأَرضٌ هامدة مُقْشَعرّة لا نبات فيها إلا اليابس المُتَحَطّم ". والأرض الخاشعة: "المتَغَبّرة المُتهشّمةَ النبات، وبَلْدةٌ خاشعة أَي مُغْبَرّة لا مَنْزل بها، وإذا يَبست الأَرض ولم تُمْطَر قيل قد خَشَعَت ".
- (أولئك يلعنهم الله) و(أولئك عليهم لعنة الله):
يلعن: فعل؛ والفعل يدل على الحدوث والتجدد، أما اللعنة فهي اسم والاسم يدل على الثبوت. في الآية الأولى "إنَّ الَّذينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا منَ الْبَيّنَات وَالْهُدَى من بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ للنَّاس في الْكتَاب أُولَئكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعنُونَ" اللعنة تستمر ما داموا يكتمون ما أنزل الله وهم ما زالوا أحياء، ولم يتوبوا، أما إذا تابوا عما فعلوا فيغفر الله لهم ولهذا جاء بالصيغة الفعلية (يلعنهم الله). أما الآية الثانية "إنَّ الَّذينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئكَ عَلَيْهمْ لَعْنَةُ اللّه وَالْمَلائكَة وَالنَّاس أَجْمَعينَ "، فالمذكورون في الآية هم الذين كفروا وماتوا أي هم أموات وقد حلّت عليهم اللعنة ولا مجال لأن يتوبوا بعدما ماتوا ولهذا جاء بالصيغة الاسمية في (عليهم اللعنة) لأنها ثابتة ولن تتغير لأنهم ماتوا على الكفر.
- دلالة استخدام الفعل (يخرج) مرة والاسم (مخرج) مرة أخرى في قوله تعالى: "إنَّ اللّهَ فَالقُ الْحَبّ وَالنَّوَى يُخْرجُ الْحَيَّ منَ الْمَيّت وَمُخْرجُ الْمَيّت منَ الْحَيّ ذَلكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ". يدل الاسم على الثبوت، والفعل يدل على الحدوث والتجدد. وهذه الآية تدخل في هذه القاعدة، ولأن أبرز صفات الحيّ الحركة والتجديد (من الحياة) فقد قال تعالى مع الحيّ (يُخرج الحي من الميت) فجاء بالفعل الذي يدل على الحركة والتجديد، ولأن السكون من صفات الميّت، فقد جاء بالاسم مع ما تقتضيه من السكون.
وقد يأتي الفعل (يُخرج) مع السكون في سياق الموت، كما في قوله تعالى: "تُولجُ اللَّيْلَ في الْنَّهَار وَتُولجُ النَّهَارَ في اللَّيْل وَتُخْرجُ الْحَيَّ منَ الْمَيّت وَتُخْرجُ الَمَيَّتَ منَ الْحَيّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بغَيْر حسَاب "لأن سياق الآيات كلها في التغييرات والتبديلات ما يعني مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
- (الخاسرون) و(الأخسرون)في قوله تعالى: "لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ في الآخرَة هُمُ الْخَاسرونَ"، سورة النحل وقوله "لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ في الآخرَة هُمُ الأَخْسَرُونَ" سورة هود. والأخسر في اللغة هو الأكثر خسراناً من الخاسر، إذا تأملنا سياق الآيات في سورة هود نجد أنها تتحدث عن الذين صدوا عن سبيل الله وصدّوا غيرهم أيضاً، إنما السياق في سورة النحل فتتحدث عمن صدّ عن سبيل الله وحده ولم يصُدّ أحداً غيره، فمن المؤكّد أن الذي يصدّ نفسه وغيره عن سبيل الله أخسر من الذي صدّ نفسه عن سبيل الله وحده فقط.
- (ساحر) و(سحَّار) في قوله تعالى: "يَأتُوكَ بكُلّ سَاحر عَليم"، وقوله:"يأْتُوكَ بكُلّ سَحَّارعَليم ". فسحَّار صيغة مبالغة للمتمرّس في السّحر، وساحر بصيغة اسم الفاعل لمن مارس سحر في وقت دون وقت. والسبب في اختلاف الصيغتين، أن قوم فرعون عارضوا قوله: "إنَّ هَذَا لَسَاحرٌ" بقولهم: " سَحَّار" فجاءوا بصيغة المبالغة؛ ليطمئنوا نفسه، ويسكّنوا بعض قلقه، فأجابوه بما هو أبلغ من قوله.
- (خطايا) و(خطيئاتكم): كلا اللفظين فى اللغة جمع (خطيئة). (خطايا) جمع تكسير، و(خطيئات): جمع مؤنث سالم. الصَّيغتان من الصّيغ الدَّالَّة على الكثرة والقلَّة، وقد وردتا فى آيتين متشابهتين معنًى ولفظًا، فوردت الصَّيغة الأولى في سورة البقرة: "وَإذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذه الْقَرْيَةَ فَكُلُوا منْهَا حَيْثُ شئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حطَّةٌ نَغْفرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ "، وجاءت الصّيغة الثَّانية في سورة الأعراف: وَ"إذْ قيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذه الْقَرْيَةَ وَكُلُوا منْهَا حَيْثُ شئْتُمْ وَقُولُوا حطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفرْ لَكُمْ خَطيئَاتكُمْ". غير أن آية البقرة استخدم فيها جمع التكسير "خَطَايَاكُمْ" الدال على الكثرة؛ لأن هذه الآية تضمنت مزيدًا من التكريم والفضل الإلهى تمثَّل فى وصف الأكل بالرَّغَد؛ فناسب ذلك غفران (الخطايا)الكثيرة، وأما آية الأعراف فلم تتضمَّن وصف الأكل بالرغد، كما أن القول فيها مسند لمجهول (قيل)؛ فلم يَقْتَض ذلك غفران الذنوب جميعها، فكان جمع القلة (خَطيئَاتكُمْ) أنسب للسياق. فدقة الاستخدام القرآني للجموع المختلفة، اقتضت استخدم جمع الكثرة (خطايا) فى حال إسناد القول إلى الله عز وجل (قلنا) وفى حال وصف النعمة بالرغد، ولمَّا أُسْند الخطاب لمجهول، ولم تُوصَف النعمة بالرغد؛ لَمْ يقتض ذلك غفران الذنوب الكثيرة.
- (سنبلات) و(سنابل): سنابل جمع كثرة وقد وردت في سورة البقرة "مثَلُ الَّذينَ يُنفقُونَ أَمْوَالَهُمْ في سَبيل اللّه كَمَثَل حَبَّة أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابلَ "والحديث في السورة عن مضاعفة ثواب المنفق في سبيل الله لذا ناسب السياق أن يُؤتى بجمع الكثرة (سنابل). أما كلمة سنبلات فقد وردت في سورة يوسف:"وَقَالَ الْمَلكُ إنّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَات سمَان يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَت خُضْر وَأُخَرَ يَابسَات"، فهي تدلّ على جمع قَلّة، والحدث كان في المنام وما رآه الملك فناسبه جمع القلة (سنبلات).
- (معدودة) و(معدودات) في قوله تعالى: "وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً"، وقوله:"ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات". معدودة جمع كثرة، ومعدودات جمع قلة، والذين قالوا ذلك فرقتان من اليهود، إحداهما قالت: إنما نعذب بالنار سبعة أيام، وهي عدد أيام الدنيا، وقالت فرقة: إنما نعذب أربعين يوماً، وهي أيام عبادتهم العجل.

ليست هناك تعليقات: