.

2015/02/17

المساق 230 مفردات جنوبية «1»

 د. عبد الله الفَيْفي:
.. وإلى أن يتسنى استكمال قراءتنا في نَصّ (الحزام) لأبي دهمان، لا بأس أن يذهب القارئ معنا في جولة لهجية تستأنف بحثنا اللغوي حول بعض المفردات المستعملة في لهجات جبال فَيْفاء، وتشترك في بعضها لهجات جنوبية مختلفة. وكثيرًا ما تستوقف تلك المفردات السامع، فقد يظنها غير عربية لأول وهلة لالتباس اللكنة عليه، وهي من العربية في الصميم. 
وسنسوقها مرتبة حسب موادها اللغوية: 
(ب ق ع) البُقْعَة: ويكسرون الباء، تُطلق على المنطقة الواسعة، وغالباً على المحلّة المنبسطة وسط مرتفعات. ولا بدّ أن تُضاف إلى مكان ليحدّدها، إلاّ (بقعة العَذَر)، فلشهرتها وتوسطها في أعلى جبل فَيْفاء، صار بالإمكان أن تُسمع الإشارة إليها دون إضافة. 
(ب ق ل) بَقَلَ: السكينُ ونحوه، يَبْقِل، بَقَلانٍ: انغرس، وثَبَتَ، كما تَبْقُل البقلةُ في أرضها. 
ولعلّ البَقْلَ نفسه ما سُمي بهذا الاسم إلا لبُقُوْلِهِ في الأرض، أي ثبوته. إلا أنه قد اختفى من الفُصحى استعمال (بَقَلَ) بالمعنى اللهجيّ الآنف. وإنما يرد بَقَلَ الشيءُ يَبْقُل بَقْلاً: ظَهَرَ، والأرضُ: أنبتتْ، والرِّمْثُ: اخضرَّ، والبَقْل: ما نبت في بزرهِ لا في أرومةٍ ثابتة (1). 
(ب ل س) البَلَس: التين، كلمة عربية فصيحة. وبَلَس التُّرْك: التين الشوكي، المسمّى عند غير أهل فَيْفاء ب(البرشومي). على حين (البُرشوم) بلهجة فَيْفاء تعني: الوَجْه. (وقد سبق الكلام عليه في مساق سالف). ولا أدري لم نسبوه إلى التُّرْك، إذ يُستبعد أن يكون التُّرْكُ أوّل من جلبه إلى الجبل، ولكن ربما كانوا أوّل من عُنوا به فنُسب إليهم؛ لأن أهل فَيْفاء لا يزرعونه ولا يعدّونه فاكهة تسوَّق، كما هو الحال في مناطق أخرى من جنوب الجزيرة. 
(ب ن ج) البنج: من نبت الأودية، يرتفع قرابة متر، وربما كان عرفه النفّاذ منوّماً أو مفتّرا. 
(ب هـ م) بَهَّمَه: ربط إبهامه، وذلك للمتلبّس بشيطان أو جنيّ، اعتقادًا منهم أن في ذلك تضييقًا على الجنّي ليخرج من الممسوس بفعل القراءة عليه، وأن ذلك الجنّي يخرج من إبهامه. 
لذلك كانوا يزعمون أنه يظهر لخروجه بعض دمٍ يخرج من تحت ظفر الإبهام. وبِهَيِّمَة: اسمٌ آخر لتلك الحشرة التي تُُسمى فَرَس النبي. 
(ب ي ن) البيني: من أنواع الحبوب، وهو نوع من الذرة، لونه فيه بعض الصُّفْرة. 
(ت غ غ) تَغَّ، تَغْتَغَ: أي ضحك بصوت مسموع. ويقولون: تَغْتَغَ، أي ضَحِك كذلك، في تكرار للضحك. فالكلمة حكاية صوت الضحك. والكلمة فصيحة (2). 
وبذا فاللهجة تشهد بصواب (الأزهري) في تخطئته (الليث)، حينما قال: (قول الليث في التغتغة إنه حكاية صوت الحلي تصحيف، إنما هو حكاية صوت الضحك.) (3) وإن كان هذا لا ينفي أنْ ربما كان الليث قد علم للكلمة معنى عربيًّا آخر لم يعلمه الأزهري. 
(ت ل ب) التَّالِب: شجر. واحدته: تالَبْيَة. وهو بالاسم نفسه في منطقة عسير. وبالفصحى: تألب. قال (ابن مُقْبِل) (4): 
وموتٍ كظِلِّ الليلِ يَشْهَدُ وِرْدَهُ 
نشاشيْبُ يَحْدُوهُنَّ نَبْعٌ وتَأْلَبُ 
(ت ل ق) التَّالِق: شجر. واحدته: تالْقَة، أو تالِقْيَة. وهو شجر يكبر جدّاً، ويعمّر، فربما عاشت الشجرة منه مئات السنين. ليس له ثمرٌ يؤكل، وإنما يستفاد من ظلاله الوارفة، وأوراقه للماشية، وحطبه للطبخ، وأخشابه لصناعة الأبواب والمعدّات المختلفة. ويُعرف بالاسم نفسه في منطقة عسير أيضاً، وتشتهر به هناك (قرية آل يزيد)، وتلفت أشجاره نظر السياح والمصطافين. (5) ولم أقف على أصل تسميته. وربما كان لتسميته علاقة بضخامة أشجاره وتألّقها؛ أي أنه من مادة (ألق) ومن معاني هذه المادة: اللمعان والإضاءة، كما أن الألق: الجنون، وامرأة أَلَقَى: سريعة الوثب. (6) وقد زعم (فيلبي) (7) في رحلته إلى فَيْفاء أن (التالق) هو شجر (البانيان banyan)، على حين أن البانيان هو شجر (الأثأب) (8)، والأثأب شجر آخر معروف في فَيْفاء باسمه نفسه، وينطقونه (أثَب)، واحدته: (أَثَبَة). 
(ث ب ي) ثِبة: كومة من اللحم. واشتقّوا منها: ثَبَّى يثبِّي ثبَّايٍ، أي فرّق اللحم مجموعةً مجموعةً. ولا يكادون يستعملون الكلمة في غير هذا المعنى. والكلمة فصيحة؛ فالثبة القطعة من كل شيء. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا} (71) سورة النساء. وقال (أبوتمام) (9): 
الواردينَ حِياضَ المَوْتِ مُتْأَقةً 
ثُبًى ثُبًى وكراديسًا كراديسَا 
قال شارحُهُ: (ثُبًى): جمع ثُبَةٍ، وهي الجماعة من الناس ليست بالكثير. ويُقال في جمعها: ثُبات، وثُبُون. وقالوا (ثُبًى)، فدلّ ذلك على أن أصلها: ثُبْيَة، أو ثُبْوَة، وهو من ثَبَّيْتُ إذا جمّعت...). ويلحظ هنا أنهم تارة يكتبون الألف في (ثُبَى) مقصورة وأخرى ممدودة، والأوّل أَوْلَى. 
إحالات: (1) يُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، (د. ت)، لسان العرب المحيط، إعداد وتصنيف: يوسف خياط؛ تقديم: عبد الله العلايلي (بيروت: دار اللسان)، (بقل)، وغيره. 
(2) ينظر: ابن فارس، أحمد بن زكريا (ت. 395هـ)، (1993)، الصاحبي في فقه اللغة العربيّة ومسائلها وسنن العرب في كلامها، تح. عمر فاروق الطبّاع (بيروت: مكتبة المعارف)، (تغَّ)). 
(3) ابن منظور، (تغغ). 
(4) تميم بن أُبَيّ العجلاني، (1962)، ديوان ابن مُقْبِل، تح. عِزَّة حسن (دمشق: مديرية إحياء التراث القديم)، 16: 22. 
(5) عن: جريدة (المدينة)، ع14693، الأربعاء 16 جمادى الأولى 1424هـ، ص21. 
(6) ينظر: ابن منظور، (ألق). 
(7) ينظر: Philby, H. ST. J. B. , (1952), Arabian Highlands, (New York: Cornell University Press), 492. 
(8) ينظر: البعلبكي، منير، (1993)، المورد، (بيروت: دار العلم للملايين)، 
banyan. (9) 
(8) أبو تمّام، (1976)، ديوان أبي تمّام بشرح الخطيب التبريزي، تح. محمّد عبده عَزّام (القاهرة: دار المعارف)، 2: 260-21.

ليست هناك تعليقات: