.

2015/02/17

مفردات جنوبية «3»

د. عبد الله الفَيْفي : 
(ث و ب) ثابَ، يَثُوب، ثِِبْ: أي استراح. وهي لهجة حِمْيَرِيَّة قديمة، فقد جاء في (ابن السكّيت)(1): (قال الأصمعي: دخل رجلٌ من العرب على ملك من ملوك حِمْيَر، فقال له: ثِبْ - وثِبْ بالحِمْيَرِيَّة: اقْعد- فوَثَبَ الرجل فتكسّر، فقال الحِمْيَري: ليس عندنا عربيت، من دخل ظفار حمّر، قال الأصمعي: حمّر، تكلّم بكلام حِمْيَر). ونَسَبَ (ابن فارس)(2) القصة إلى زيد بن عبدالله بن دارم، وأضاف أن الملك كان على جبل مشرف، فلمّا قال: (ثِبْ)، قال زيدٌ: (لتجدني أيها الملك مِطواعًا)، ووَثَبَ من الجبل. ولعلّ الحكاية- أو المبالغة في تفاصيلها، في الأقل- محض اختلاق، للتأكيد على الفروق اللهجية بين لغة اليمن ولغة عرب الشمال، التي قد تصل إلى أن لغة حِمْيَر ليست بعربية: (ليس عندنا عربيت)! انطلاقًا من مقولة (أبي عمرو بن العلاء): (ما لسان حِمْيَر وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيّتُهم بعربيّتنا)، التي ساقها (الجُمَحي). (3) إلا أن ذلك الشاهد الذي ساقوه من خلال حكاية (ثب) لا شاهد فيه. والحقّ أن ابن السكّيت وابن فارس، كمعظم لغويينا القدامى، نَقَلَة، تعوزهم المعرفة الدقيقة باللهجات، وهم يوردون مثل تلك الحكاية بلا تحليل ولا تمحيص، وإلا فإنه- إذا كانت لهجة الحِمْيَرِيّ تلك لهجة يمانية كلهجة فَيْفاء اليوم، وهو الراجح- ف(ثِبْ) في الحكاية من (ثَوَبَ)، لا من (وَثَبَ)، كما فهم اللغويون، وساقوا تلك الحكاية ليستنتجوا منها افتراق لغة حِمْيَر عن لغة عدنان. ولهذا يقال بلهجة فَيْفاء: (ثابَ، يثوب، ثِبْ)، أي قَعَد أو استراح. و(ثِب) هنا بمعنى (ثُبْ)، إلا أنهم يُميلون الضمّ إلى الكسر في مثل هذا الموضع. و(ثاب، يثوبُ، ثُبْ): عربيّة لا غُبار عليها، بمعنى رجَع وعاد إلى موضعه ومجلسه. ومنه مَثَاب البئر: مكان الساقي على فم البئر. والمَثَابَة: المُجتَمَع والمنزل(4). يقول (ابن مقبل)(5): 
أَلَمْ تَرَ أنَّ القَلْبَ ثَابَ وأَبْصَرَا 
وجَلَّى عَمَايَاتِ الشَّبَابِ وأَقْصَرَا 
وعليه، فاستعمال (ثُبْ أو ثِبْ (حسب نطقها في اللهجة)) بمعنى: (اقعد، أو استرح، أو اهدأ) ليس بغريب الدلالة عن معاني مادة (ثَوَبَ)، حتى يُستنتج منها حكم تعميميّ بأن الحِمْيَرِيَّة ليست كعربيّتنا. والمثابة: بيت في جبل آل الداثر بفَيْفاء. وربما سُمي المثابة العليا، تمييزاً له عن بيت أسفل منه قليلاً، أُلحق باسمه، فأُطلق عليه اسم المثابة السفلى. 
(والمَثَابَة: الموضع الذي يُثاب إليه، أي يُرجع إليه مرةً بعد أُخْرَى. ومنه قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}(125) سورة البقرة. وإنما قيل للمنزل (مَثَابَة) لأن أهله ينصرفون في أمورهم ثم يثوبون إليه.) (6) تُرى هل كانت (المثابة) قد اكتسبت اسمها من حيث كانت محطًّا لجلوس الناس واستراحتهم من سيرهم، وربما كان ذلك قبل أن يُنشأ المنزل ويسمى باسمه؟ أم هل سُمي ذلك المنزل (مثابة) تيمناً لما ورد في الآية عن البيت؟ أم أن (المثابة) كانت مكاناً يثوب الناس عمومًا إليه لبعض شؤونهم، بما فيها الشؤون الدينية، كمزار أو نحوه؟ قد يكون الاحتمال الأخير أرجح. 
(ج د م): الجِدْمي: الصغير من الجراد. جمعه: جَدامْيَة. وفي (ابن منظور)(6): (الجَدَمةُ، بالتحريك: القصيرُ من الرجال والنساء والغنَم، والجمع جَدَمٌ؛ قال: فما لَيلَى من الهَيْقاتِ طُولاً، ولا لَيْلى من الجَدَمِ القِصارِ والاسم الجَدَم، على لفظ الجمع؛ هذه وحدها عن ابن الأَعرابي خاصة؛ وقال الراجز في الجَدَمَةِ القصيرة من النساء: لَمَّا تَمَشَّيْتُ بُعَيْدَ العَتَمَةْ، سَمِعْتُ من فَوْقِ البُيوتِ كَدَمَةْ). فكأنّ تسمية (جِدْمِي) في اللهجة مأخوذ من معنى القِصَر والصغَر في فراخ الجراد. ولذلك يورد (ابن عبّاد)(8) هذا المعنى في العصافير، حين يذكر أن (الجَدَمُ: فِرَاخٌ في صِغَارِ العَصَافِير في أنْفِها حُمْرَةٌ، الواحِدَةُ جَدَمَةٌ). 
(ج ذ م): الجِذْميّ: أصل الزرع الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد. جمعه: جَذامْيَة. والجِذْم، والجُذَامة، كذلك في الفصحى، وجمعها: جُذُوم وأجذام. 
(ج ر ن): الجُرْن والمجْران: البَيْدَر. والكلمة فصيحة. ف(الجَرين: موضع البُرّ، وقد يكون للتمر والعنب، والجمع أَجرِنة وجُرُن بضمتين، وقد أَجرَن العنبَ. والجَرينُ: بَيْدَر الحَرْث، يُجْدَر أَو يُحْظَر عليه. والجُرْنَ والجَرين: موضع التمر الذي يُجَفَّف فيه. وفي حديث الحدود: (لا قَطْعَ في ثمر حتى يُؤْوِيَهُ الجَرينُ)، هو موضع تجفيف الثمر، وهو له كالبَيدر للحنطة، وفي حديث أُبَيّ مع الغول: أَنه كان له جُرُنٌ من تمر. وفي حديث ابن سيرين في المُحاقَلة: كانوا يشترطُون قُمامةَ الجُرُنِ، وقيل: الجَرينُ موضع البَيْدر بلغة اليمن. قال: وعامَّتُهم يَكسِر الجيمَ، وجمعه جُرُنٌ.) (9) 
(ج ع ر): الجَعَرَة: موضعُ العُقْدَةُ في الخَشَبَةِ. وقد جاء في (الفيروزآبادي)(10): (العُجْرَةُ بالضم موضعُ العَجَرِ والعُقْدَةُ في الخَشَبَةِ ونحوِها). 
(ج ل ج ل): الجِلْجِلان: السمسم. وفي الفصحى: كذلك. جاء في (الجوهري)(11): (الجُلْجُلانُ: ثمرة الكزبرة. قال أبو الغَوث: هو السمسم في قشره قبل أن يُحْصَد. ) وفي (الزبيدي)(12): (الجُلْجُلانُ، بالضم: ثَمَرُ الكُزْبَرَةِ. في لُغةِ اليَمن: حَبُّ السِّمسِمِ). 
*** 
إحالات: 
(1) (ت. 244هـ)، (1970)، إصلاح المنطق، تح. أحمد محمّد شاكر وعبدالسلام محمّد هارون (القاهرة: دار المعارف بمصر)، 162. 
(2) (ت. 395هـ)، (1993)، الصاحبي في فقه اللغة العربيّة ومسائلها وسنن العرب في كلامها، تح. عمر فاروق الطبّاع (بيروت: مكتبة المعارف)، 54. 
(3) (ت. 231هـ)، (1982)، طبقات الشعراء، تح. جوزف هل (بيروت: دار الكُتُب العلمية)، 29. 
(4) يُنظر: ابن منظور، لسان العرب المحيط، (ثوب). 
(5) تميم بن أُبَيّ العجلاني، (1962)، ديوان ابن مُقْبِل، تح. عِزَّة حسن (دمشق: مديرية إحياء التراث القديم)، ص142: ب1. 
(6) ابن منظور، لسان العرب، (ثوب). 
(7) (جدم). 
(8) الصاحب، المحيط في اللغة، (جدم). 
(9) ابن منظور، لسان العرب، (جرن). 
(10) القاموس المحيط، (عجر). 
(11) الصحاح في اللغة، (جلجل). 
(12) تاج العروس، (جلجل).

ليست هناك تعليقات: