.

2015/02/17

الأدب الشعبي «4»

د. لمياء باعشن

وكغيرنا من الشعوب فقد وضعنا حداً فاصلاً بين ثقافاتنا العادية والرفيعة، ولكن وليس كغيرنا من الشعوب واجهتنا إشكالية خاصة بنا ألا وهي إشكالية اللهجات العامية التي اعتقد الكثير من المفكرين العرب على أنها تشكل خطورة البعد عن أصول اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم.

لقد ظلت مجموعة اللغات أو اللهجات التي تتكلم بها القبائل العربية في الظل لفترة تاريخية طويلة نسبياً لأنها لم تكن بعد قد عثرت على معادلها الكتابي، وكانت المحاولات الأولى للكتابة العربية تستخدم حروف الهجاء الجنوبية العربية وقد كشفت النقوش التي عثر عليها على طول طريق التجارة الكبيرة من اليمن إلى فلسطين وضواحي دمشق عن كتابات بتنويعات هائلة لهذه الحروف الهجائية ذات النظام الصارم من الأصوات الساكنة.
ويمتد تاريخ تلك الكتابات من القرن الخامس قبل الميلاد وحتى القرن الرابع بعد الميلاد، وجاء بعض هذه الكتابات بلهجات القبائل المحلية التي تسمى بالعربية البائدة.
وبعد ذلك بدأ عرب الأنباط وتدمر في استخدام حروف الهجاء الآرامية التي اشتقت منها الكتابة العربية.
لكن علماء اللغة اتخذوا من كلمة عامي دلالة على فساد اللغة.
وقد أدى تعدد البيئات الإسلامية وتنوعها الثقافي إلى نشوء أدب العاميات التي كانت موجودة في مختلف عصور الثقافة العربية منذ الجاهلية وبعد الفتح الإسلامي واحتكاك العرب بغيرهم من المجتمعات وحتى يومنا هذا.
وقد ذكر ابن خلدون هذا النوع الأدبي الشعبي وعقد له فصلاً في مقدمته وذهب إلى أن شعر العامية مستقل كل الاستقلال عن حدود اللغة وقيودها، وأنه ما دام هنالك أداة صالحة للتعبير عن الأفكار والأحاسيس مفهومة للمجتمع فلا داعي لالتزام الفصيح في ذلك.
شعبي أي منتم إلى مختلف طبقات الشعب المهم الملكة في اللغة وهي التي ستمكن من البلاغة التي يرى أنها لا تخرج عن كونها (مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الموجود).
وجاء في مقدمة ابن خلدون أن أول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية هو الشاعر أبو بكر بن قزمان في الأوساط الشعبية في الأندلس. وكان القرن الثامن هو قرن الزجالين الذين لم ينكرهم التاريخ ولم يغفلهم ولم يصادر إبداعاتهم، كما وأن تلك الموشحات والأزجال نبعت من محيط غاص بالعلماء والأدباء الذين ملأوا الدنيا آثاراً وأخباراً ورغم ذلك يصدر الحكم على عصرهم بفقر اللغة وفساد القول.
وللشعر الشعبي مثلاً مسميات مختلفة حسب تواجده في كل البلاد العربية باختلاف اللهجات في القطر الواحد والقاسم المشترك هو اللغة الدارجة وهي فرع من فروع اللغة الأم، فمن الحلمنتيشي إلى الخليجي والنبطي، ومن الملحون (المغاربي) إلى الزجل (المصري واللبناني).
وقد تميز من شعرائه الشعبيين عبد الرحمن الأبنودي- محمد بن لعبون- عمر الفرا- صلاح جاهين- بدر بن عبد المحسن- خالد الفيصل وغيرهم الكثيرين.
وكتاباتهم العامية ليست أقل قيمة من غيرها من الكتابات الأدبية الرسمية بسبب عاميتها.
يقول الشاعر:
الشعر مش بس شعر
لو كان مقفى وفصيح
الشعر لو هز قلبك وقلبي
يبقى شعر بصحيح
ونقرأ هنا قصيدة شعبية للشاعر محسن الهزاني كدليل على الشاعرية الشعبية التي تكشف عن فن واع له سماته الفريدة وخصائصه الإبداعية من ألفاظ جزلة وأسلوب قوي وتعابير سلسة وتراكيب مستقاة من اللغة الأم:
أشتكي لك من هوى نجل العيون
يوسفيات المها حم الشفاه عنبريات الروايح بالكمال
في جمال قايمات قاعدات ساعدني يوم عجات الشباب
بالمواصل والدلول الباهرات وانكروني يوم لاح بي المشيب
لا جزى الله بالجميل الغاويات عذبني باعتدال وانعواج
وانغماز كالبروق الموضيات وانحراف وانصراف وانغراف
وارتشاف معسلات صافيات واغتماز وافتراز والتزاز
واهتزاز قدودهن المايسات واجتماع والتماع وامتناع
واستماع للحكايا المطربات واقتراب وابتعاد وارتحاب
واشتمام عطورهن الفايحات الثنايا والعواتق والخدود
صافيات ناعمات كاملات والجدايل والنواهد والحجول
سابحات قاعدات حايرات والردايف والخواصر والبطون
زاميات ضامرات هافيات والنواظر والمفاليج العذاب
مغزلات مغضيات ضاحكات بالمواعد والمواصل والكذوب
باطلات باخلات ميسرات
هذه القصيدة هي أقوى تصديق لرأي الدكتور طه حسين في الأدب الشعبي: (وهذا الأدب -وإن فسدت لغته- حي قوي، له قيمته الممتازة، من حيث أنه مرآة صافية لحياة الأعراب في باديتهم، وهو في موضوعاته ومعانيه وأساليبه مشبه كل الشبه للأدب العربي القديم الذي كان ينشأ في العصر الجاهلي وفي القرون الأولى للتاريخ الإسلامي).
ورغم أن القصيدة الشعبية قد تبدو بسيطة من الخارج، إلا أن فيها قيما شعرية عالية تستقي أوزانها وقوافيها وأغراضها ومناحيها من معين الفصحى- وهي في بنائها الشكلي تقوم على أسس أدبية تحكم العمل وقواعده وتمنحه مميزات وخصائص تقاس بمقاييس الشعر الفصيح. وكذلك فإن بنائها الدرامي ثري بالحركة والتموجات العاطفية الناطقة بألم التجربة الإنسانية التي تصل إلى ذروة المتعة الفنية.
ولنستمع سوياً إلى هذا النص الشعبي من أغنية حسن ونعيمة ولنتعجب من أسلوب الصياغة الشعرية والتركيبة الفنية الغنية بالصور البلاغية بمعانيها وبيانها وبديعها التي تخاطب الذوق والحس القومي العربي: بعد انتهاء الفرح قام الغريب روّح والخلق قامت ونوم العاشقين روّح ونعيمة واقفة قباله وعقلها روّح قالت له: رايح فين ياحسن وخدت القلب وياك انت مسافر ياحسن وعقلي ذاهب وياك احسن طريقة خدني في الديار وياك روح ياحسن.. ونعيمة وسط الليالي جفنها ما اتلم جرح المحبة اتسع.. جبار.. ما عاد يتلم حسك تلوم المبالي يا عديم الدم طول ما انت خالي مالكش في الكلام مع ناس.
ويحمل الكثيرون لواء الدعوة إلى تحوير وإعادة صياغة القصائد الشعبية وتقريب اللهجات إلى الفصحى من أجل الارتقاء بالكلمة الشعبية التي تهدد تداول الفصحى قراءة وكتابة.
يقول الأستاذ على محمد العمير: (من المؤسف حقاً أن تكون هناك كتابات شعرية أو نثرية تمعن في استخدام اللهجات الإقليمية التي يصعب فهمها.. فإن الكتابة باللهجات العامية عبارة عن سلب لمكتسباتنا في مجال رفع مستوى التخاطب وعودة إلى تكريس اللهجات الإقليمية وذلك ما لا يقبل به العقلاء قط).
ومن هؤلاء العقلاء من يرى أن مكانة الشعر الفصيح تظل مرموقة ومتميزة حتى لو قلت جماهيريته وخف تأثيره.
يقول الدكتور فهد العرابي الحارثي: (إن الشعر الشعبي هو لغة جماهيرية ولكن ذلك لا يعني المفاضلة بينه وبين الشعر الفصيح.
وليس من الإنصاف أن يؤخذ رواج العامي وانتشاره دليلاً على تفوقه أو نبوغه، كما أنه من الإجحاف أن نستغل ندرة الفصيح أو قلته لتدرج ضمن قائمة الإدانات الموجهة ضده).
حقاً إن انتشار الشعر الشعبي لا يتضمن إي إنقاص أو تهوين للغتنا العربية الفصحى، وعلى الجانب الآخر فإن الاستعلاء على الشعر الشعبي هو دون شك خطأ منهجي فادح.
لقد ملك الأدب الشعبي سائر النفوس وأخذ بمجامع قلوب العامة والخاصة على السواء ودخل وجدانهم من حيث هو جزء من هذا الشعب يتأثر به الكل بطريقة تلقائية.
وفي الوقت الحالي فإن الشعر الشعبي هو بطل الساحة الذي احتل مساحة واسعة في أذهان وقلوب الناس في سيل جارف عارم لأنه يقترب من مدارك الطبقة العامة وله نفوذ طبيعي على كافة الطبقات وأثر فعال في حياة الشعوب وتوجيهها.
وهذا الرواج الشعبي لم ينبت من أرض جدباء، بل هو يمثل استمرارية تربطه بجانب له مساس بحياة الناس العامة. وفصل القول أن التعايش بين النوعين الأدبيين يضمن التعددية والاختلاف من أجل الإثراء.
دعونا نتأمل هذه القصيدة الرائعة لسمو الأمير بدر بن عبد المحسن التي يقول فيها:
شعاع.. يدخل الغرفة بعد العصر يزحف فوق سجادة ويطلع فوق هالكرسي ويمكن يلمس وسادة ولحظة ما لمحته خاف تقهقر.. طاح من الكرسي وركض قبل النهار يمسي ورجع للشمس.. كالعادة.
يذكرني شعاع العصر عيونك..
تدخل ضلوعي في غفلة من عيون الناس وتمد كفوفها احساس وتاخذ قلبي من قلبي تضيق بصدري الأنفاس ولما ينتبه واحد..
من الجلاس بسرعة تركض النظرة على السجاد..
والكرسي احس إن النهار يمسي وتغيب الشمس كالعادة.
هذه القصيدة البارعة تحاكي سلاستها المظاهر العفوية للحياة الإنسانية وتضفي على القارئ راحة ذهنية وعاطفية.
لكن الاستسهال في الأدب الشعبي ليس هزالا يستهان به، فلهذا الأدب معطيات فنية مترسبة في التراكم الثقافي الذي يحمله ويتضمنه عبر مراحل التاريخ المختلفة مما يجعله خير سجل اجتماعي ووطني وأخلاقي لتاريخ الشعوب ولتطور فكرها تمتزج فيه جوانب الحكمة والتجارب الحياتية والأخلاق الفاضلة والمعتقدات الراسخة.
يقول حيرم الغمراوي: ياطالب الحكمة صافية من منابعها دي الحكمة من عندنا واحنا اللي بنبيعها يا ما كنوز فلسفة اجدادنا صاغوها حكم بساطة الكلام والعمق طابعها لذا فالواجب علينا إعادة إنتاج ثقافتنا ال شعبية حتى ننتفع بما هو مشرق فيها وبأن نجعل وجوده وجوداً حياً متصلاً وذلك بالتدريب على مناهج البحث وأساليبه وبإعداد الكوادر الأكاديمية المؤهلة للتعامل معه بشكل علمي جاد والتشجيع على إحيائه واستمراريته. وعلينا أن نعي تماماً أن الكنوز التي فتحت للوجدان الغربي أبوابها فأغترف منها ونهل ما زالت تنتظرنا لنمد إليها أيدينا تغترف وننهل ونثري وجداننا ونعترف بها كرافد أساسي من روافد فكرنا وثقافتنا.
ثم نبدأ بتداول النصوص الشعبية باعتبارها فناً أفرزه فناني الشعب أثروا به وجدان أمتنا على طول تاريخها.
كما أن التمسك بالتراث يصبح جوهرياً في حالة التصادمات الثقافية سواء كان ذلك على شكل غزو ثقافي أو تلاحم فكري، فإيجاد قواسم مشتركة بين سكان العالم مهم من أجل التعايش والتواؤم مع الآخر الذي يجب ألا يقود إلى الانسلاخ عن تراثنا.
ثم إن التواصل الذي يتيح الاحتكاك وتناقل المعرفة سيولد الشرارات المبدعة الناجمة عن ذلك الاحتكاك.
وبدون الحرص على إثراء ثقافتنا المعاصرة بتراثنا الأدبي الشعبي الذي يميزنا عن غيرنا من الشعوب، فإن هذا العصر سوف ينصرف إلى جعلنا متشابهين مستنسخين ذوي ملامح واحدة وحاجات واحدة، والأخطر من ذلك ذوي آراء واحدة.
وحتى لا نكون كمن قال عنه الشاعر: (فلما اشتد ساعده رماني) فعلينا أن نختصر الولادات الثمانية للأدب الشعبي في ولادة واحدة متأخرة ولكنها متكاملة، فنقوم بجمعه وتوثيقه وبتوظيفه ودراسته وبتحليله وإحيائه.
ولقد كان هذا دافعي في جمع وإعداد كتابي (التبات والنبات) الذي حرصت فيه على تقديم موروثنا الشعبي الحكائي ليأخذ مكانه الطبيعي في الثقافة الإنسانية ولكي تبرز للعالم مدلولاته التي تتوحد مع التراث الإنساني عامة.
وأما هدفي الرئيسي فهو التناول النقدي لهذه الحكايات التي تشكل مادة غنية للتحليل الأدبي فهي في مجملها نصوص بيانية توظف الصورة والإشارة والتلميح والرمز في جو أسطوري رائع به شخوص وحبكة ووحدات بنائية وخصائص أدبية أخرى عديدة.
***
لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتبة«7712» ثم أرسلها إلى الكود 82244
- جدة

ليست هناك تعليقات: