.

2015/02/20

أبرز أخطار العولمة على العربية عدم مواكبتها للتطور التقني



د. العقلا: أبرز أخطار العولمة على العربية عدم مواكبتها للتطور التقني

اعتبر أن المؤتمر يأتي ليضع لبنة لتدارس أهمية لغتنا في البنية الثقافية

حوار - ساري الزهراني

الثلاثاء 10/04/2012

أكد معالي الدكتور محمد العقلا مدير الجامعة الإسلامية أنّ مؤتمر اللغة العربية الذي انطلق يوم أمس، لم يُعقد إلاّ ليضع لبنة من لبنات عديدة لتدارس أهمية اللغة العربية في البنية الثقافية، كما أن لغتنا العربية وعاء فكرنا نعبّر بها عن ذواتنا وديننا وحضارتنا العريقة التي يشهد لها حتى الأعداء، فمن الظلم عدم تقدير الجهود المبذولة، مشيرًا إلى أن هذا «لا يمنع من النقد البناء الذي يضيف ويقوّم ولا يهدم»، واصفًا أخطار العولمة على العربية في عدم مواكبتها للتطور التقني في عصر العولمة، وأن قلب المعادلة لا يكون لمجرد تأثيرات العولمة كردة فعل لا أكثر وإنما بالأخذ بما يفيد لغتنا، مطالبًا بمواجهة كل الهجمات التي تطال العربية بمزيد من العناية باللغة وتعلمها وتعليمها وتطويرها لمواكبة العصر..

واشار الدكتور العقلا في حواره مع «المدينة» إلى أن اللهجات العامية واللغات الأجنبية قد تفيد اللغة وتعزز مفرداتها بالجديد دون المساس بأصالتها..

* معالي الدكتور محمد العقلا، لا شك أنكم في الجامعة الإسلامية قد استشعرتم الخطر المحدق باللغة العربية في العصر الحديث، ومن ثم تمّ عقد هذه المؤتمر العالمي، برأيكم ما هي أبرز المخاطر والتّحديات التي تواجهه اللغة العربية؟.

- تواجه لغتنا العربية الكثير من التحديات اليوم، فليس الأمر محصورًا بغياب الفصحى عن الحياة العامة فقط، وإنما هناك تحديات أكثر تتمثل بالحضور والتأثير القوي للغات الأخرى التي أصبحت لغة العلوم والتقنية الحديثة، وخاصة لدى الأجيال الناشئة في فضاء إلكتروني واسع، والذي إن كانت له إيجابيات فإن فيه من السلبيات الشيء الكثير، فيما له علاقة في الحفاظ على الهوية اللغوية العربية التي نعتز بكونها لغة القرآن الكريم.

* تثار بين الحين والآخر بعض الدعوات المنادية بإقصاء اللغة العربية في كل مناحي الحياة، برأيكم ما السبيل لصدّ تلكم الدّعوات؟

- إن تأصيل اللغة العربية والحرص على تعلمها وتعليمها، وعمل البحث والدراسات فيها يمنح فرصة كبيرة لسبر أغوار لغتنا العربية، وما انعقاد مؤتمر اللغة العربية في رحاب الجامعة الإسلامية إلاّ أحد الأساليب التي يمكن من خلالها البحث عن وسائل لصون العربية رغم بعض الدعوات الإقصائية للغتنا، ويأتي هذا المؤتمر ليضع لبنة من لبنات عديدة لتدارس أهمية اللغة العربية في البنية الثقافية وتعزيز أصالتها وتجددها في نفس الوقت.

* يتهم البعض المناهج الدراسية في الوطن العربي بعدم تحديث مناهجها في ضوء منابع العربية الأصيلة، برأيكم ما مدى صدق هذه القول؟.

- ربما تعاني المناهج الدراسية العربية قصورًا في بعض الجوانب، إلا أن فيها الكثير من الطرق التي يمكن أن تؤصل لربط المتعلم بلغته الأم، وكلنا درسنا هذه المناهج واستقينا جزءًا من لغتنا العربية منها ممّا يجعل هذه المقولة خاضعة لإعادة النظر لتصحيح القناعات، وإن ما تحظى به المناهج العربية من تطوير يواكب الحاجة يعتبر خطوة إيجابية لا يمكن إغفالها، وبالتالي من الظلم عدم تقدير الجهود المبذولة، لكن هذا لا يمنع من النقد البناء الذي يضيف ويقوّم ولا يهدم أو ينتقد لمجرد النقد.

* لا شكّ أن العولمة أثّرت في اللغة العربيّة تأثيرًا سلبيًّا بسبب جمود بعض الأبحاث العربية في مواكبة المستجدات، برأيكم لماذا لا نعكس المعادلة خدمة لهذه اللغة؟ وما أبرز الأخطار المحيطة باللغة العربية في عصر العولمة؟ وما سبل تلافيها؟

- قلب المعادلة لا يكون لمجرد تأثيرات العولمة كردة فعل لا أكثر، وإنما بالأخذ بما يفيد لغتنا العربية من منجزات العولمة الإيجابية لا السلبية، وخاصة أن فضاء العولمة واسع جدًّا، وبإمكاننا أخذ ما يمكن منه لتطوير آليات التعبير والإثراء اللغوي من أجل نشرها لتكون لغة عالمية للعلوم كما هي عالمية ديننا الإسلامي الحنيف، والتلازم بين اللغة والتقدم العلمي والتكنولوجي هو بتأثير هذه اللغة من خلال جمالياتها، ومن أبرز أخطار العولمة على العربية هو عدم مواكبتها للتطور التقني في عصر العولمة، حيث تستأثر لغات أخرى بهذا التقدم، وعلينا ألا نستسلم للأمر الواقع لأن لغتنا قادرة على استيعاب العلم والإبداع والتقنية، فكان لزاماً علينا العناية باللغة لتكون متماهية مع العصر الحديث لئلا تكون غريبة عنه وهذا أحد أهداف المؤتمر.

* من أبرز محاور المؤتمر الذي استوقفني محور «اللغة العربية رهينة المحبسين (الكتاب وقاعة الدرس): الظاهرة وضرورات فك القيد»، هل لكم أن تسلطوا الضوء للقراء على هذه المحور؟

- إن إحدى مشكلاتنا أن استخدام لغتنا العربية الفصحى مقصور في الغالب على قاعات الدرس والكتب، دون أن يكون لها استخدام موازٍ في الحياة اليومية، وانظر مثلاً إلى بعض القنوات الفضائية العربية التي تعتمد على اللهجات المحكية في كيف يتم التساهل في إتقان اللغة العربية؛ الإتقان الذي كان لابد أن يكون من أهم الأمور التي يحرص عليها من يظهر خلف الشاشة التلفزيونية، لأنها الجسر المؤدي إلى المشاهدين؛ فضلاً عن أن اللغة تغيب عن كثير من مناحي حياتنا ممّا جعلها رهينة محبسين هما الكتاب وقاعة الدرس، ولذلك جاء المحور لفك هذا الارتباط ونشر اللغة خارج هذين المحبسين.

* لوحظ في السنوات الأخيرة إقبال العرب على تعليم أولادهم في مدارس أجنبية، فهل في اعتقادكم بأن هذا سيساعد في ازدهار حركة التّرجمة بشكل يساعد في تغيير نظرة الغرب لثقافتنا؟

- لا شك أن تعلم لغة أخرى فيه فائدة يتطلبها العصر، وهذا له أصله في ديننا الحنيف، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت بتعلّم لغة اليهود، ولكن تعلم لغة أخرى يجب ألا يكون على حساب لغتنا العربية، فيكون نصيبها الإهمال والنسيان، ولا سيما أن الترجمة بين اللغات تحتاج إلى إتقان للتراكيب والمعاني في كلا اللغتين، وسواء أردنا أن نترجم عن لغات أخرى أم لا، فيجب العناية بلغة القرآن الكريم من قبل الآباء، وبالتالي يكون للدراسة في المدارس الأجنبية هدف الإضافة اللغوية والمعرفية، لا الهدم اللغوي والمعرفي، وهذا ما يفترض النظر فيه والتركيز عليه.

* ما أهم السلبيات التي يعاني منها النظام التعليمي في الوطن العربي، آخذين بعين الاعتبار التفاوت في مستوى الجودة بين النظم التعليميّة من قطر عربي إلى قطر آخر؟ وما آفاق التطوير المنشودة للارتقاء بنظمنا التعليمية لتصبح أكثر مواكبة لروح العصر؟

- لعل أهم السلبيات عدم الاهتمام الكافي في تعلم اللغة العربية وتعليمها، يظهر هذا من المخرجات التعليمية، حيث التركيز على العلوم التطبيقية لا يوازيه اهتمام بالتكوين اللغوي عند الطالب لتجد ان الطالب لديه حصيلة كبيرة من المعلومات إلاّ في لغته الأصلية التي تنقل هذه المعلومات فتأتي الأمور مشوشة حتى على الطالب نفسه كونه لا يعرف كيف يعبر بطريقة سليمة عن ما يمتلك، وهذا قد يحصل منه عدم الثقة بالذات ممّا يغيب لدينا الكثير من المواهب، والتفاوت التعليمي من قطر إلى قطر آخر مشهود وملاحظ إلاّ انه لا يشكل فارقًا كبيرًا بين الأقطار العربية، وآفاق التطوير إن لم تأخذ بعين الاعتبار المشكلات التي توجد في مكان دون مكان آخر فإنه تضع الأمور في سلة واحدة في حين انه ليست كذلك، كما أن الاستفادة من التطور التقني هو من أهم الأمور في قضايا التطوير لأن الوسيلة التعليمية قد تختصر الكثير من أساليب وطرق التعليم المختلفة فضلا عن المناهج العلمية الحديثة وتبادل الخبرات يمكن له أن يعزز من آليات التطوير.

* كيف ترون واقع المعاجم العربية؟ وهل ترون أنها تفي بحاجات المترجمين وتواكب التطورات المختلفة في مختلف المضامين؟

- المعاجم العربية كثيرة ومتطورة وبعضها تحاول مواكبة العصر في آليات عرضها، ولكنها في المجمل لا تفي الحاجة إلى الترجمة؛ كونها خاضعة إلى نوعية المادة المترجمة والثقافة العامة التي جاءت منها المادة المترجمة واختلافها في صيغ التعبير، ومدى سعة اطلاع المترجم ومدى عمقه اللغوي في اللغتين معًا، وحسّه الإبداعي في ترجمة المادة التي يترجمها فمهما انتشرت المعاجم العربية واتسعت مادتها فإن المترجم له دور أكبر منها جميعًا في الصياغة والفهم وإعادة التراكيب من لغة إلى لغة ممّا يجعلنا أمام إشكالية كبيرة فتحت لها تخصصات بحالة هي مشكلة الترجمة؛ لأنها ليست بالبساطة التي يتوقعها البعض.

* هل تعتقدون أن اللهجات العاميّة واللغات الأجنبية في (الإعلام) و(الإعلان) تشكّل خطرًا على اللغة العربية؟

- اللهجات العامية واللغات الأجنبية قد تفيد اللغة وتعزز مفرداتها بالجديد، غير أن الأهم هو عدم المساس بأصالتها فمتى ما أفدنا لغتنا بذلك نكون أضفنا لها، ولكن يصبح الأمر خطرًا إذا تم تهميش الفصحى، بحيث تصبح ثانوية وبالتالي غريبة عن أهلها، ولذلك علينا أن نستفيد من اللهجات العربية واللغات الأجنبية لصالح لغتنا. والإعلام فإنه وسيلة مهمة وأساسية في هذا العصر ووسائله تختلف باختلاف أهدافها، أمّا الإعلان فإنه أغلبه هو محاولة لعكس الواقع من منظور تجاري، وقد لا يكون هدفه تأصيل اللغة وتطويرها، على الرغم من أن جمالية اللغة تظهر من خلال استخدام الفصحى فيهما، والهدف يحدد مجال الاستخدام ومدى خطورته أو فائدته.

* كيف هي مكانة اللغة العربية في الإسلام؟! وهل الحديث عن اللغة العربية يُعدُّ نوعًا من أنواع التّعصب لها، أم أن لها مكانة عظيمة أعلى من غيرها من اللغات الأخرى؟.

- اللغة العربية ذات مقام عال في الإسلام، كيف لا وهي لغة الوحي الذي نزل من سبع سماوات. واهتمامنا بها هو اهتمام بهذا الوحي تدارسًا وفهمًا وحفظًا، ولا يقول عاقل بأن الحديث عن اللغة نوع من التعصب إذ هي أصل للسان، ورمز للهوية، وكل الأمم تهتم بلغاتها وتصونها، وتسعى لنشرها، ولغتنا العربية هي وعاء فكرنا نعبّر بها عن ذواتنا وديننا وحضارتنا العريقة التي يشهد لها حتى الأعداء، أمّا مكانتها بين اللغات الأخرى فلها بلا شك مكانة عظيمة دون انتقاص من مكانة اللغات الأخرى، ولها أهمية لدينا دون تعصب.

* اللغة العربية من أهم أدوات التّواصل الفكري والثّقافي بين عناصر المجتمع المختلفة، كما أنها إحدى أهم وسائل الأمن العربي.. كيف تلعب اللغة العربية دورًا في توحيد الأمة؟.

- اللغة من أهم أدوات التواصل، وحينما تكون هذه الأداة فاعلة فإنه من الطبيعي أن تقود إلى التقارب والتوحد خاصة أنها تجمع أكثر من خمسة مليارات مسلم في دينهم، من خلال القرآن الكريم، والسنة النبوية، وإذا لم يوحدنا الوحي المنزل فإنه صعب علينا توحيد الأمة في غيره، فلغتنا العربية هي الأداء التي خاطب الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم وانتشر الإسلام بها إلى مشارق الأرض ومغاربها، وتكلفل الله سبحانه وتعالى بحفظها من خلال حفظ الذكر الحكيم، ولذا فإن اللغة كانت وما تزال أحد أهم السبل التي توحدنا عربًا ومسلمين.

* تتعرّض اللغة العربية في الآونة الأخير لموجات من القهر الثّقافي -إذا صحّ هذا الوصف- من قِبل مجموعات من الإثنيات الثّقافية، كيف تنظرون إلى هذه الهجمات التي تريد النيل من اللغة العربية؟.

- الموجات هذه ليست وليدة اليوم، وإنما هي منذ أزمنة طويلة، ورغم كل محاولة القهر الثقافي واللغوي، فإن حفظ كتابنا الكريم الذي تكفل به ربنا جل وعلا، هو حفظ لغتنا وثقافتنا التي نعتز بكونها حاملة لآيات الله المحكمات، وعلينا أن نواجه مثل هذه الهجمات بمزيد من العناية باللغة وتعلمها وتعليمها وتطويرها لمواكبة العصر الذي نعيش فيه، حتى لا تؤتى اللغة من قبيل دعاوى عدم مواءمتها للعصر وتطوراته، وإننا لن نستطيع الحفاظ على هويتنا الثقافية إلاّ من خلال حفاظنا على اللغة التي هي محفوظة -بإذن الله- بسبب حفظ الله لكتابه.

ليست هناك تعليقات: