.

2015/02/17

(مفاهيم عتيقة وخرافات حديثة)

مساقات
صورة الآخر المختلف:
(مفاهيم عتيقة وخرافات حديثة)

د. عبد الله الفَيْفي

لقد جاء كلام ابن سلام، المستشهد به عادة على افتراق لغة قحطان عن لغة عدنان، في سياق الحديث عن إسماعيل عليه السلام، إذ قال: (أوّل من تكلّم بالعربيّة ونسي لسان أبيه إسماعيل بن إبراهيم. وأخبرني يونس عن أبي عمرو، قال: العرب كلها وَلَدُ إسماعيل، إلا حِمْيَر، وبقايا جُرْهُم، وكذلك يُروْىَ أن إسماعيل جاورهم، وأَصْهَرَ إليهم، ولكن العربية التي عنَى محمّد بن عليّ هو اللسان الذي نزل به القُرآن. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما لسان حِمْيَر واقاصي اليمن بلساننا ولا عربيّتُهم بعربيّتنا). 
ذلك حرفيّاً ما أورده ابن سلاّم، فإذا هذه الجملة، التي جاءت للحديث عن أوّلية العربيّة، تقتصّ من سياقها، ثم تُسقط على قرون وقرون، وصولاً إلى عصرنا الحاضر، كما بيّنّا في المساق الماضي. 
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن العبارة في أصلها قلقة الدلالة، بل متناقضتها؛ إذ كيف يكون لسان إسماعيل هو اللسان الذي نزل به القرآن، مع أن اللغة العربية إنما تطوّرتْ عبر الحِقَب، حتى وصلتْ إلى طورها الذي نزل به القرآن، سُنّة الله التي فطرت اللغات عليها؟ إلا إنْ قلنا بالنظرية التوقيفية، وآمنّا بهرطقات الرازي وابن فارس، التي أضحت اليوم من (الفلكلور الشعبي) المحفوظ في متحف التصوّرات حول نشأة اللغة. 
بل إن ذلك الطَّور الأخير الذي نزل به القرآن لم يكن مستوى لغويّاً واحداً، ولذلك (أُنزل القرآن على سبعة أحرف)، كما جاء في الحديث الصحيح، لما اقتضاه التيسير على العرب في قراءته من التجوّز معهم في القراءة على ضروب شتى من القراءة، هي في أساسها اختلافات لهجية. 
ثم كيف يقال إن إسماعيل تعلم العربية من أخواله جُرْهُمْ، ثم يقال بعد ذلك في السياق نفسه: (ما لسان حِميَر وأقاصي اليمن بلساننا)؟ 
إذْ مَن جُرْهُمْ هؤلاء، الذين قيل إن إسماعيل إنما تعلم العربية عنهم؟! 
أليسوا إخوة حِمْيَر وسبأ، القحطانيين اليمنيين، كما تذكر كُتُب الأنساب؟ وكأن القائل (ما لسان حِمْيَر بلساننا ولا عربيّتُهم بعربيّتنا)، يقول: (ما لسان حِميَر بلساننا ولا عربيّتُهم بعربيّتنا؛ لأن لساننا وعربيّتنا تعلمها إسماعيل من جُرْهُمْ، ولكن ما لسان جُرْهُمْ ولا عربيتهم التي تعلمها منهم إسماعيل بلسان أخوتهم حِميَر ولا عربيّتُهم بعربيّتهمّ!). 
ولسنا هنا بصدد التحقيق في كل هذه الأنساب والحكايات والتهويمات الخيالية، ولكن بصدد مناقشة تلك المفاهيم العتيقة من عُقْر مسلّماتها المتضاربة. 
فإذن يمكن القول إن اللهجات المحلية في الجنوب اليوم إنما تتكئ على موروث لغوي عربيّ قديم، هو اللغة العربيّة الأُم التي تعلّمها إسماعيل، ثم نزل بها القرآن الكريم، ونطق به التراث الأدبي العربي المعروف، وإنْ كان هذا لا ينفي أصولاً حِمْيَرِيَّة عربيّة قديمة، انقرضت من لساننا، فالعربيّة كلها وليدة تلك الأصول، طورّت فيها كما أخذتْ عن غيرها، شأن اللغات كلها. 
أمّا ما سُمّي بالطمطانية في لهجات الجنوب وهو استعمال (أم) بدل (ال) للتعريف فظاهرة لا تختلف عن الظواهر اللهجية الأخرى المعروفة في الجزيرة عموماً، كالعَنْعَنَة في تميم وقيس عيلان، والفحفحة في هذيل، والكسكسة والكشكشة، في ربيعة، وغيرها ممّا وصفه اللغويون. 
ولئن كان رسول الله قد شرّف لهجات الجنوب باستعمالها، فما ذلك لأن وفد اليمن لم يكن ليَفْهَم ما يقول الرسول، كما يَفْهَم ذلك بعضٌ وهل كانت أداة التعريف على كل حال ستغيّر شيئاً في فهم المعنى؟ وإنما لعلّه فعل ذلك على سبيل التلطّف للوفد، والتحبّب إليهم، كما هي سنته صلى الله عليه وسلّم في التعامل مع الناس كافة، فكيف بالوفود. ولا ننسى أن أنصاره أنفسهم، من الأوس والخزرج، كانوا مِنَ اليَمَن، ولربما كانوا مازلوا يستخدمون تلك الطريقة، من تعريف الأسماء ب(ام)، على الأقل مع أهل اليمن. 
كما كان شيخنا الفاضل عبدالله بن إدريس حفظه الله قد أشار في العدد 1186، من صحيفة (الجزيرة)، الثلاثاء 12 صفر 1426هـ، في معرض حديثه عن لجهات الجنوب، في سياق ذكرياته عن زيارته لجازان في سنة 1377هـ، إلى ما وصفه ببعض الطرائف اللهجيّة الجنوبيّة، التي رآها عويصة، فقال: 
(ولقد سمعت حكايات مضحكة.. ومواقف مُحْرِجَة بسبب الفروق الواسعة بين معاني الكلمات في نجد والحجاز.. ومعانيها في منطقة الجنوب الغربي والأوسط بل وجد فيها ما يمكن أن يُعد من فاحش القول بالنسبة لمن لا يعرف معانيها! كالذي جاء إلى قاضٍ نجديّ في مهمّة فتأخّر خروجُ القاضي إليه فخاطبه قائلاً: (يا مجاضي من أمْطلْ وأنا (...) (...) حتى تقنبرت على... في امعرسه). ولو لا وجود رجل آخر يفسر هذه الكلمات العويصة لكانت مشكلة!). 
وأقول: صدق الشيخ، فما يسمعه المرء في لهجة أخرى قد يبدو مضحكاً ومحرجاً، من وجهة لهجته هو، وتنبني على ذلك مفارقات طريفة. وقُلْ مثل هذا، أو أكثر منه، بين لغة ولغة. ولذلك فإن ضرباً من فنّ الكوميديا يقوم على تلك الاختلافات بين اللغات والمفارقات في الأفهام. 
ولقد قُدّر لي بدوري، وبحكم الدراسة أن عشت في مناطق مختلفة من المملكة، من أقصى الجنوب: (فَيفْاء)، حيث ولدت ودرست المرحلة الابتدائية، إلى الحجاز: (الطائف)، المرحلة المتوسطة، إلى أقصى الشمال: (عرعر)، المرحلة الثانوية، إلى نجد: (الرياض)، المرحلة الجامعيّة. فسمعتُ لهجات مختلفة، قد تضحكني أحياناً للفروق الدلالية بين لهجتي وتلك اللهجات، من ذلك ما حدث ذات مرة وأنا طالب في المعهد العلمي بعرعر حين سمعتُ أحدهم ينتهر أحد الطلاب بشدة، قائلاً له: (ليه تَدْخُل مُبْعَر المدير؟!) وأخذ يردّد السؤال.. والطالب يردّ: (للهْ ما دخلته..)، وأنا في ذهول ممّا يقولّ وكيف يمكن أن يحدث ذلك الذي يسأل عنه أصلاّ؟ّ فذلك حسب لهجتي من فاحش القول، بل من اللا معقول! 
بل لقد تلوّنت لهجتي نفسها بتلك اللهجات التي نشأتُ في كنفها، صبيَّا وشابَّا، حتى أذكر أنني كنت ذات مرة أركب سيارة أجرة من مطار جدة قبل عصر الليموزين طبعاً فلاحظ السائقُ مني ذلك المزيج اللهجي، فاستغرب، قائلاً: 
(يا ولدي، مْنِ اينْ انتْ؟.. أنتْ من الغربية، وإلا من الجنوب، وإلا من الشمال؟ وِشْ دِيْرَتْكْ؟.. اللهجة متغيّرة معي.. وِشْ قومك؟.. مراتٍ أقولْ إنك من أهل جدة ومراتْ لا..!). 
وهي حساسيّة لهجيّة أشكّ أنها ما تزال موجودة اليوم، وبخاصة في المدن، فحسناً إن بَقِيَتْ بقايا العربية نفسها مسموعة بين ذلك الخليط العجيب من اللهجات واللغات المكسّرة.. لغة أصدقائنا من الهند، وباكستان، والفلبين، وأشباههم. 
لكن هناك ما هو أخطر بين العَرَب من الاختلاف اللهجي ومفارقاتها، وهو تلك الصور النمطيّة، التي تشيع، حتى ليظنّها بعض الناس حقيقة. وأمامي هنا مثال دال على ذلك، فيما نُقل عن معالي وزير التربية والتعليم السابق د.محمّد الرشيد في جريدة الوطن (العدد 1683، الاثنين 1 ربيع الآخر 1426هـ الموافق 9 مايو 2005م)، في (ندوة تدريس اللغة الإنجليزية) بالرياض، حيث جاء أنه (تطرق إلى الصعوبات التي واجهها التعليم في السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز وتحدّيه لكل الظروف الاجتماعية والجغرافية لنشر التعليم في مختلف المناطق، واستشهد الرشيد بقصة لأحد المعلمين الأردنيين في جازان حيث كانت إحدى النساء المعروفات بقوتهن تحمله إلى أعلى جبل فيفاء للتدريس)!! هكذا!! 
وما ذُكر والعهدة على ناقل تغطية الندوة محض خزعبلة غريبة، أو مبالغة فجّة، لا يصدّقها عقل، ولا يثبتها تاريخ، ولا يسندها واقع. وعجيب أن تُقال خرافة كتلك في ندوة علمية، أو تُنشر في صحيفة سيارة، لا لما فيها من لا معقوليّة مكشوفة، ولكن لما فيها كذلك من إساءة للمرأة، وإساءة للمجتمع معاً. وإن كانت تنوي المبالغة في الإيماء إلى مدى ذلك الحرص على التعليم، بل ريادة المرأة في أخذ مسؤولية التعليم على عاتقها!! فما هكذا تورد المبالغة! وما كانت لتقع زلّة كتلك لو لا عدم التثبت ممن يُفترض فيهم التثبت، ولو لا الجهل بالمجتمعات ممّن يفترض فيهم العِلم، ولو لا صورٌ نمطية، تتجاوز اللهجات واللغات، ما انفكّت تعشعش في الأذهان، حتى مع تغيّر الأحوال، وتكسّر حواجز العزلة الجغرافية، وتلاشي بعض القبليّات والإقليميات بتوحيد البلاد، وبشبكات الاتصال والتعارف بين الشعوب والقبائل. ولهذا فإن بعضنا ليفترض في مجتمع لا يعرفه من الخوارق والغرائب ما لا يقع في الأحلام، ولا في الأفلام، كالحكاية (النكتة) عن الSuper Woman التي كانت تحمل مدرّساً إلى أعلى جبل للتدريس، فيما رواه الرشيد عن مصدر مجهول!! 
وهذا ما يؤكّد على أن المفاهيم اللغويّة العتيقة إنما تنبثق اصلاً، وفي كثير من الحالات، عن خلفيات أسطوريّة حول الشعوب الأخرى، المختلفة والمجهولة، تلك الخلفيّات التي ما انفكّتْ رواسبها اليوم تغزو العقول. 
ولنا عَوْدٌ، بمشيئة الله. 

aalfaify@hotmail.com 

ليست هناك تعليقات: