.

2015/02/13

الحسائية: اللهجة العربية الــبائدة في البحرين


المنامة - حسين محمد حسين 
اوضحنا في الفصلين السابقين أن هناك قبائل عربية من جملة ما عرفوا باسم العدنانية استقرت في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة العربية، وقد استخدم قسم من تلك المجموعة الحروف الآرامية وتحدثوا بالآرامية مع مزيج من الكلمات العربية وعرفت هذه اللغة بالنبطية لأن تلك المجموعة تسمي نفسها بالنبط وإن شكك البعض في عروبتهم فإن البحوث الحديثة تثبت أنهم من عرب الشمال (Woodard 2008, p. 2). بينما تبنت مجموعة أخرى من تلك القبائل العربية حروف اللغة العربية الجنوبية، وقد عرفت اللهجات العربية التي تحدثت
بها هذه الجماعات باسم اللهجات العربية الشمالية ومنها اللهجة الحسائية التي عثر على نقوش لها في شرق الجزيرة العربية. بقي أن نوضح ما هي تلك اللهجات العربية الشمالية؟ فهو مصطلح عام يشمل اللغة العربية الفصحى واللهجات العربية الباقية ليومنا هذا ويشمل أيضاً لهجات عربية عرفت باللهجات العربية البائدة. واللهجة أو اللغة الحسائية شبيهة بتلك اللغات العربية البائدة ويمكننا تصنيفها من ضمنهم بسبب القواسم المشتركة المميزة لتلك اللغات أو اللهجات العربية. ولكن هل هذا يعني أن قسم من العرب البائدة سكنوا البحرين القديمة؟ سنتناول في هذا الفصل والفصل المقبل تفاصيل القواسم المشتركة بين الحسائية واللهجات العربية البائدة مع توضيح مفهوم العربية البائدة كمصطلح متعارف عليه ومفهومه في ضوء البحوث الحديثة, وإلقاء الضوء على تلك القبائل العربية التي عرفت بالبائدة والتي سكنت شرق الجزيرة العربية.

اللهجات العربية الشمالية

ذكرنا في فصل سابق أن العرب تقسم لعرب عاربة تتحدث العربية الجنوبية وعرب مستعربة تتحدث العربية الشمالية وعرب بائدة تتحدث لغة عربية بائدة أو ما تعرف بلغة النقوش أي أن هذه اللغة لم تعرف إلا من خلال النقوش التي عثر عليها في الجزيرة العربية وبلاد الشام وقد تم ربط هذه النقوش أو اللغات بشعوب عربية كانت تعرف بالبائدة. مجموعة من تلك اللغات أو اللهجات البائدة تتشابه مع العربية الشمالية وعليه صنفت من ضمنها وبذلك أصبحت اللغة العربية تقسم لقسمين، القسم الأول يضم اللهجات العربية الجنوبية والثاني يضم اللهجات العربية الشمالية. واللهجات العربية الجنوبية وهي اللهجات المعينية والسبئية والحضرمية والقتبانية والحبشية وأما اللهجات العربية الشمالية فمنها لهجات بائدة كاللحيانية والثمودية والصفدية وأضيف لها مؤخراً الحسائية، ومنها الباقية التي تضم اللغة العربية الفصحى واللهجات العربية الباقية.

اللهجات العربية الشمالية البائدة

منذ أواخر القرن التاسع عشر تم العثور على آلاف النقوش مبعثرة في شمال الجزيرة العربية في المنطقة الواسعة الممتدة من وسط الجزيرة إلى الصفاة في الشرق والجنوب من حوران، وأخذ العلماء في معالجتها وحل رموزها وفهمها حتى توصلوا إلى ذلك في الربع الثاني من القرن العشرين ولكن للأسف لم تعالج هذه النقوش إلا موضوعات قليلة غير منوعة، فهي لذلك لا تحمل إلينا مادة لغوية كاملة وبالتالي فإننا لا نفيد منها إلا بمقدار، وكان هذا هو السبب في أنها لا تعتبر لغات متكاملة بل لغات نقوش ينقصها الكثير من الصيغ والتراكيب (ليتمان 1937). من تلك اللغات البائدة الثمودية والصفوية واللحيانية وقد أضيفت لها الحسائية مؤخراً Macdonald 2008
1 - الثمودية
عرفت بالثمودية وذلك لشهرة بني ثمود قبل الإسلام في نجد وشمال جزيرة العرب (ليتمان 1937) وقد ورد اسم الثموديين في نقوش الملك سرجون الأشوري (721 ق. م. – 705 ق. م.) سنة 715 ق. م. وجاء ذكرهم بين الشعوب التي أخضعها هذا الملك في شمال شبه الجزيرة العربية، وعرفوا في العصر الروماني بأنهم فرسان مهرة وكانت منهم كتيبة في مصر. ويرجع تاريخ النقوش الثمودية التي عثر عليها من القرن الخامس قبل الميلاد وتنتهي بالرابع بعد الميلاد. وقد عثر على كتاباتها في حايل وعلى مقربة من الوجه وفي الطائف وتيماء ومدائن صالح (الحجر) والعلا (ديدان القديمة) وخيبر والجوف ونجد ومدين القديمة وفي شرقي الأردن وفي شبه جزيرة سيناء وفي الصحراء الشرقية بمصر أي على الأكثر في المنطقة الشمالية الغربية من شبه الجزيرة (كامل 1962).
2 – الصفوية
أخذ اسمها من جبل الصفاة الموجود في بادية الشام وهو جبل وعر، ليس به دَيَّار، ولا نافخ نار، ولم يعثر به نقش واحد صَفَوِي، وقد عثر على النقوش بالحرة الواقعة بين حَوارن وجبل الصفاة، وقد اقترح مقترح أن تسمى بالنقوش الحرّية، ولكن كثرة الحرّات في الجزيرة العربية يجعل من هذه التسمية موضعاً للبس، ولذلك اتفق العلماء على تسميتها بالنقوش الصفوية، نسبة إلى جبل الصفاة، الذي هو علم تلك الناحية (ليتمان 1937). ووجدت نقوش أيضاً في حوران وفي الرحبة وفي حرة الراجل وفي شمال سورية وفي الصالحية على الفرات (كامل 1962). وقد كان الصفويون وهم رعاة فقراء يسكنون أرضاً جدباء، وكان الحكم عندهم شورى، هذا ويرجح أن أقدم الكتابات الصفوية من القرن الثاني قبل الميلاد وتنتهي بالثالث بعد الميلاد (كامل 1962).
3 - اللحيانية
سميت النقوش اللّحيانية بهذا الاسم؛ لأنه ذكر فيها بنو لحيان (ليتمان 1937) وقد عثر على النقوش اللحيانية في شمالي الحجاز وفي مدائن صالح ( الحجر) وفي الخريبة والعلا (ديدان) وتلعة الحمّادي وجبل أثلب وخشم جبلة وتيماء وقبور الجندي ووادي المعتدل، وتبدأ الكتابات من القرن الرابع قبل الميلاد وتنتهي بالقرن الرابع بعد الميلاد، وقد ظهرت مملكة ديدان في القرن الثالث قبل الميلاد وتلتها مملكة لحيان، ويظهر أن قبائل لحيان كانت تسكن الشاطئ أصلاً وعلى صلة بالحضارة المصرية وقد اتسعت رقعة مملكتهم (كامل 1962).
وفي مطلع القرن الرابع الميلادي نجد أن اليهود سكنوا ديدان، ويظهر أن اللحيانيين تركوا المدينة وأصبحوا بدواً وهاجر تجَّارهم إلى الحيرة التي تم إنشاؤها في مطلع القرن الثالث الميلادي غربي الفرات، ونعرف أن في القرن الرابع الميلادي كان بالحيرة حيٌّ يسمى حي اللحيانيين، كما التحقت بطون من لحيان بهذيل (كامل 1962).

المميزات المشتركة للهجات الشمالية البائدة

من خلال وصف أنو ليتمان ومراد كامل للهجات العربية الشمالية التي عرفت بالبائدة وبالتحديد الثمودية والصفوية واللحيانية يمكننا هنا إجمال الصفات المشتركة بين تلك اللهجات ومن ثم نقارنها بالحسائية وللوقوف على دراسة حديثة تفصيلية تقارن بين هذه اللهجات وتناقش خصائصها بشيء من التفصيل فيمكن الرجوع لبحث مكدونالد عن اللهجات العربية الشمالية والتي يصنف من ضمنها الحسائية أيضاً (Macdonald 2008) وذلك في كتاب Woodard المعنونThe Ancient Languages of Syria-Palestine and Arabia. ومن تلك الصفات المميزة ما يأتي:
1 – الخط المستخدم
تمتاز اللهجات الثلاث بخطوطها حيث نقشت بالخط العربي الجنوبي المسند بخلاف اللغة النبطية المنقوشة بخط آرامي.
2 – عدد الحروف
الحروف كلها كما هي في العربي الشمالي عدداً وهي 28 حرفاً.
3 - الألفاظ المستخدمة
معظم الألفاظ التي وردت في تلك النقوش معروفة بمعناها ووزنها في اللغة العربية ووردت كلمات قليلة لم نجدها في العربية، كذلك يمكن ملاحظة بعض تأثيرات آرامية في المفردات وأسماء الأعلام والآلهة وذلك لصلتهم بالآراميين على حين أن النَّبَطِية هي لهجة آرامية اختلط بها صيغ وكلمات عربية.
4 – أداة التعريف
يعتبر الفرق الخاص الذي يفرق بين هذه اللهجات واللهجات الشمالية الباقية هو أداة التعريف، التي هي حرف (الهاء) وفي النقوش تكون حرف (الهاء) أو (هن) إذا دخلت على حرف حلقي، بينما هي في العربية الباقية والنبطية (الألف واللام)، فنستطيع أن نفرق إذن بين لهجات الهاء ولهجات الألف واللام، مثال ذلك (هـ م ل ك) عند أهل ناحية الصفاة بمعنى الملك، ولكن كان النبط يستعملون الألف واللام مع الكلمات والأسماء العربية المعرّفة. وبذلك تختلف تلك النقوش في أداة التعريف عن ما هو في اللغة العربية التي نعرفها لكنها تتشابه في ذلك مع العربية الجنوبية والتي ظهرت فيها الهاء كأداة تعريف ولكن بأشكال مختلفة منها «الهاء» و «هل» و «هن» (محمد 2002، «صوت الهاء في العربية») ولكن على عكس اللغات العربية الجنوبية التي تضع أداة التعريف بعد الاسم المعرف، فإن لغة تلك النقوش تضع الأداة قبل الاسم أي كما هي الحال في اللغة العربية.
5 – غياب الحركات
ليس للحركات أي علامات، لا للفتح ولا للكسر أو للضم أو للإشباع أو لاتحاد الفتحة والواو والياء.
6 – ظواهر صوتية
من تلك الظواهر الصوتية أنه من المحتمل أن الضاد كانت تلفظ مثل لفظ الظاء عند الأعراب، وليس مثل لفظ التجويد، وأن الظاء كانت تلفظ مثل الثاء المفخمة. والألف كانت تقلب واواً في بعض الكلمات مثلاً (و ن س) بمعنى أنس، و (و د م) بمعنى أدم، و (م و ر ب) بمعنى مؤارب، كما يقال (واكل) بمعنى آكل في اللهجات العربية الحاضرة. ولا يدغم الحرف الثاني مع الثالث في الأسماء المشتقة من الفعل المضاعف، خلافاً لأكثر اللغات السامية. ولوحظ في اللحيانية قلب ي إلى ج أي أن الياء قلبت إلى جيم حنكية ثم إلى ج معطشة على الأغلب، وهذا شائع إلى اليوم في بعض لهجات الكويت وهي الجعجعة، كذلك ورد التبادل بين الفاء والثاء كما هو الحال في اللهجة البحرانية.
7 – الاسم الموصول
الاسم الموصول في اللهجات الثلاث هو حرف (ذ) كما هو الحال عند عرب طيء في قديم الزمان.

اللهجة الحسائية

تتشابه اللهجة الحسائية مع باقي اللهجات العربية الشمالية من حيث الخط المستخدم وهو المسند وعدد الحروف والألفاظ وحتى في عدد كبير من الأسماء، وكذلك تتشابه في أداة التعريف وهي في حال الحسائية (هن) وكذلك الاسم الموصول فهو في الحسائية (ذ) للمذكر و(ذت) للمؤنث. بالطبع هناك خصوصيات لكل لهجة من تلك اللهجات ولمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة بحث (Macdonald 2008). نخلص هنا أن هناك لهجة عربية من صنف اللهجات العربية البائدة كانت مستخدمة في فترة ما في شرق الجزيرة العربية وهذا يستلزم وجود قبائل عربية استوطنت هذه المنطقة وتلك القبائل أيضاً من صنف العرب البائدة وهذا ما سنوضحه في الفصل المقبل.

اللهجات البائدة انقرضت أم تطورت

لقد وجدت تلك اللهجات البائدة قبل أن تطور الكتابة العربية بأبجديتها المعروفة فكتبت بأبجدية تنقصها الحركات مع تداخل لألفاظ آرامية وألفاظ أخرى عربية لكنها ما عادت تستخدم في يومنا هذا، أضف إلى ذلك أن تلك اللهجات هي لهجات مكتوبة فقط ولا نعلم بالتحديد كيف كانت تنطق الكلمات، كل هذه الأسباب ربما تجعل البعض يعتقد أن تلك اللهجات بعيدة عن اللغة العربية الفصحى ومن هنا قد يشكك البعض الآخر في فصاحة العرب قبل الإسلام بما في ذلك التشكيك في الشعر الجاهلي. وقد أفرد محمد الأنطاكي في كتابه «دراسات في فقه اللغة» فصلاً يناقش فيه أن لهجات النقوش تلك عربية وأنها تطورت مع الزمن لتعطي اللغة العربية الفصحى التي عرفت قبل الإسلام (الأنطاكي، الطبعة الرابعة، بدون تاريخ، ص 93 – 118).
وهذا الرأي منطقي فلو نظرنا مثلاً للغة النقوش اللحيانية والتي تعتبر أكثر تنوعاً في موضوعاتها من الثمودية والصفوية؛ ولهذا فإن المادة اللغوية فيها أكثر من المادة اللغوية في النقوش الأخرى، ولاسيما أن هذه اللهجة امتدت نحو سبعة قرون من الزمان؛ ما أتاح الفرصة لدراسة التطور الذي حدث لها؛ إذ حدثت فيها تطورات داخلية وأصبحت قريبة كل القرب من اللغة العربية الفصحى وذلك في الأصوات والصيغ والاشتقاق والضمائر وأداة التعريف والحروف والمفردات، وبذلك قسمت اللحيانية إلى قسمين مبكرة ومتأخرة ويلاحظ أن أداة التعريف في اللحيانية المبكرة هي حرف (الهاء) أو(هن) إذا دخلت على حرف حلقي ولكنها وردت في النقوش المتأخرة (ال) أي كما في العربية الباقية (كامل 1962).
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 2946 - الخميس 30 سبتمبر 2010م الموافق 21 شوال 1431هـ

ليست هناك تعليقات: