.

2015/02/10

هل نترك اللهجات تموت؟

بات من الصعب إن لم يكن من المستحيل في الوقت الراهن الحفاظ على اللهجات الشعبية بمعزل عن التداخل بعضها ببعض عوضا عن تداخلها مع المفردة الأجنبية، نتيجة لتحول العالم لقرية صغيرة واختلاط الشعوب. وأصبح من الصعوبة بمكان فهم الأجيال الشابة لخطاب الأجداد ذو الطابع القديم المرتبط بثقافة وإرث المنطقة التي ولدوا وعاشوا فيها ما أفقدهم بالتالي قنطرة التواصل الأهم مع الأجيال السابقة والإفادة القصوى من مخزونهم الثقافي والأدبي والفني الشفهي.

وبذلك نجد أن عددا غير قليل من مفردات اللهجات الشعبية الخليجية على وجه الخصوص طواها النسيان وأصبح حضور أحد مفرداتها على لسان أحدهم مثيرا للدهشة والتساؤل. بعدما أدت العولمة لتشكل لهجة خليجية عربية جديدة يميل قاموساها اللغوي لمفردات عامية ذات صيغة عامة مشتركة يمكن أن يفهمها الجميع.
ورغم أن هذا جيد من جهة التقريب بين أبناء البلد الواحد وكذلك بين أبناء الشعوب العربية غير أنه في المقابل يأتي على حساب الموروث الثقافي والفن والأدب المحكي الذي هو بحاجة إلى حلقة وصل وقنطرة تعبر به لضفاف الأجيال كي يبقى قادرا لأمد أطول على الصمود في وجه الزمن ومتغيراته وقادرا على العطاء ونقل خبراته الحياتية وتجاربه الإنسانية.
ومن الأشياء التي لفتت نظري أثناء زيارتي للكويت مؤخرا هي محاولة بعض المقاهي والمطاعم في السوق القديم التابع لإحدى المجمعات التجارية المشهورة هناك توظيف العديد من عبارات اللهجة الكويتية أو لنقل الخليجية القديمة الدارجة كعامل جذب سياحي لرواد السوق من الكويتيين وأبناء الخليج. فتستوقفك وأنت تعبر بين ردهات المحلات ذات الطابع الشعبي، لافتات تحمل أسماء مثل :» زوارة»، وتعني الوليمة التي تقام للعروس بعد انتهاء العرس، و»بزة»، وتعني أرفف عرض الأقمشة لبيعها في المحلات التجارية وهذه المفردة أيضا تشي بسلوك تجاري كان سائدا وهو أن الأقمشة كانت تعرض سابقا في المحلات بشكل قطع يتم ترتيبها وعرضها في أرفف للزبائن.
كما تستوقفك جدران بعض المطاعم المزينة هناك بعبارات شعبية لازالت عالقة في ذاكرة البعض. فيما يظهر التوظيف الأكثر لفتا للهجة عبر دفتر معتق يشكل قائمة طعام لإحدى هذه المطاعم، كتبت فيه أسماء الأطباق بطريقة شعبية لطيفة ومحببة أقرب للروح الشعبية البسيطة التي تتوسل ربط المعلومات بقائلها من قبيل» صينية خالتي موزة»، وزينت بعض حواشيه بعبارات وتعليقات دارجة ولطيفة أيضا.
وأجدها محاولة جيدة تصب في صالح الحفاظ على اللهجة الدارجة كموروث يوشك على الاندثار تحت مظلة العولمة وإن كان تمسك الأشقاء الكويتيين بلهجتهم الخليجية القديمة واضح للعيان. وأتمنى أن تحذو بعض محلاتنا التجارية حذوها عوضا عن التركيز في الغالب على أسماء الماركات الأجنبية أو الأسماء الغربية التي تشي ليس فقط بفقدان الهوية الخليجية بل بفقدان الهوية العربية أيضا للأسف.
هذا فيما يخص وضع اللهجة على الصعيد الاجتماعي أما على الصعيد الثقافي فرغم وجود بعض الجهود والمحاولات لتدوين بعض ما يتعلق باللهجات من أمثال وشعر وحكايا ، ومفردات شعبية غير أنها تظل محاولات لجهود فردية محدودة فيما اتساع المملكة وثراؤها الحضاري وتعدد اللهجات فيها بحاجة لجهود مؤسسات مختصة بهذا الجانب يقوم عليها دارسون وخبراء يعكفون على الرصد والتدوين اللغوي من مصادره الحية قبل أن يواريها التراب وتضيع الكثير من الخيوط التي يمكن أن تنجح مثل هذه العملية الحيوية التي ليست بالسهلة، وأن تنهض كذلك كليات الآدب واللغة العربية والنوادي الأدبية بدورها المأمول في عملية الحفاظ على هذه اللهجات من الاندثار عبر تدوينها وتوثيقها وفهرستها ووصف آلية نطقها وجرسها الصوتي بحيث يتمكن اللغويين في المستقبل من دراستها وتعريف الأجيال القادمة بها.
إذ أنه كما تقول منظمة اليونسكو «إن انقراض بعض اللغات يعتبر كارثة حضارية وثقافية . وكانت قد أعلنت عن وجود 3000 لغة من بين لغات العالم مهددة بالانقراض اللغوي حتى العام 2050 و2400. واعتبرت المنظمة أن أي لغة 30في المئة من أطفالها لا يتعلمونها معرضة للانقراض اللغوي الداهم. ويقال إن نحو 50 لهجة أوربية تواجه هذا الخطر من بينها لهجة السامي بلابي بإسكندينافيا وشمال روسيا و14لهجة بفرنسا وفي سيبريا بروسيا الاتحادية تختفي 40في المئة من لغاتها المحلية. لذا فقد أصبحت المنظمة تطالب بالتنوع اللغوي حماية للتراث اللغوي الإنساني. وهو ما جعلها تصدر قواميس وتسجيلات للغات التي علي وشك الاندثار لتكون فيما بعد مخطوطاتها كحجر رشيد لفك طلاسم هذه اللغات الميتة للأجيال القادمة.
وقد نجحت المغرب في إعادة إحياء اللغة الأمازيغية لغة البربر باعتبارها لغة ثانية باتت تدرس في مدارسها مع اللغة العربية. والأمر أيضا أجده ينسحب على اللهجات التي هي أيضا بحاجة منا لجهود في الحفاظ عليها ودراستها علميا وال اهتمام بالتوثيق والتسجيل وإصدار الموسوعات اللغوية والقواميس.
فعلم اللهجات يعد أحد أهم العلوم البشرية التي تقوم على الدراسة العلمية للهجات اللغوية على أساس التوزيع الجغرافي لسكان يعيشون في مناطقهم لعدة أجيال دون أن ينتقلوا من أجل ضمان سلامة اللهجة وعدم تعرضها للتداخل مع لهجات أخرى وبالتالي حفظ موروثها الإنساني من الاندثار.. فهل آن لنا أن نتحرك حتى لانترك لهجاتنا وإرثنا الإنساني والثقافي يضيع؟.

شمس علي - الدمام

ليست هناك تعليقات: