.

2015/02/17

بين دراسة اللهجات والترويج للعاميات


مساقات
بين دراسة اللهجات والترويج للعاميات

د. عبد الله الفَيْفي

أشرنا في المساق السابق إلى أنه يقع الخلط كثيرا في الجدل الثقافي بين مشروعية دراسة اللهجات العربية علميا وبين الترويج للعاميات ثقافيا وإعلاميا. فدراسة اللهجات ضرورة علمية، وهي تصب في مصلحة العربية الفصحى نفسها. أما الترويج للعامية، فله مآرب أخرى، بعضها بريء، وبعضها مريب. وهو مريب، لا بما يفتحه من فُرقة لغوية، وانقطاع ثقافي فحسب، ولكن بما وراء ذلك من إحياء قيم فكرية، وترسيخ أنساق اجتماعية، ليس أول مؤرقاتها ما يمسّ الدين، ولا آخرها ما يهدّد الوحدة الحضارية، بنزع ورقة التوت الأخيرة عنها: اللغة. 
أما لماذا أرى دراسة اللهجات أكاديميا ضرورة علمية؟ فلأن اللغة العربية قد أهمل منها أكثر مما سجل، وفسرت ظواهرها تفسيرات تضحك الثكلى أحيانا. فإذا كان (أبو عمرو بن العلاء) قد قال: (ما جاءكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير)، فإن اللغويين قد أهملوا كثيرا من ذلك القليل الذي جاءهم، استنادا إلى مقولة أخرى لأبي عمرو بن العلاء نفسه، كما سنبين لاحقا. بل لعلهم قد أهملوا منه أكثر مما سجلوا؛ لأنهم جزاهم الله خيرا! قد أخذوا بمعيار علمي، لم يكن متاحا في زمنهم خير منه. فاقتصروا على وسط الجزيرة، أو بالأحرى وسط نجد، إن في جمعهم اللغة والأدب أو في تقعيدهم، وأهملوا أنحاء الجزيرة الأخرى، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، بما في ذلك الحجاز، مهبط القرآن؛ بحجة أن لغة هؤلاء قد مسها الضر في الإسلام بدخول غير العربية من اللغات عليها في بعض ديارها. بل إن تلك الأنحاء من الجزيرة، المتهمة لغتها من قبل اللغويين في العصر الإسلامي، كانت على كل حال منفتحة على الأمم الأخرى ولغاتها منذ ما قبل الإسلام. فضرب صفحا عن تلك الجهات، إلا فيما ندر، وترك بها تراث كثير، كأنه ليس بعربي، ومن ثم ضاع قطاع واسع من العربية وأدبها. كأن أولئك اللغويين ظنوا أن معاقل الجبال أهون مسلكا وغزوا على غير العرب من فيافي القفار في الجزيرة، مع أن العكس هو الصحيح؛ فلقد تغلغلت الفارسية مثلا في وسط الجزيرة، كما فعلت في شرقها وجنوبها الأقصى، حاملة لغتها وثقافتها، منذ وقت مبكر من تاريخ العرب المعروف. على حين بقي لعزلة الجبال امتناعها اللغوي أحيانا، حتى لقد ذكر عمارة بن علي بن زيدان الحكمي، المشهور بعمارة اليمني، في القرن السادس الهجري (569 هـ = 1174م) الذي ولد في بقعة الزرائب في جبل مصيدة من جبال بني الغازي، المجاورة لفيفاء، (ينظر: العقيلي، التاريخ الأدبي لمنطقة جازان، 1 : 87) ما يلي: (العكوتان: جبلان منيعان لا يطمح أحد في حصارهما، وفيهما يقول راجز الحاج: 
إذا رأيت جبلَي عكاد 
والعكوتين في مكان باد 
فأبشري يا عين بالرقاد 
جبلا عكاد فوق مدينة الزرائب، وأهلها باقون على اللغة العربية من الجاهلية، لم تتغير لغتهم، بحكم أنهم لم يظعنوا أو يختلطوا بأحد قط من أهل الحضر، في مناكحتهم ولا مصاهرتهم ولا مساكنتهم، وهم أهل قرار لا يظعنون ولا يخرجون). قال: (ولقد أذكر أني دخلت زبيد في سنة 530هـ، أطلب الفقه دون العشرين، فكان الفقهاء يتعجبون في كوني لا ألحن في شيء من الكلام). (م. ن.، 90، نقلا عن: تاريخ عمارة، 54). وعلى الرغم مما قد يتسم به أسلوب عمارة من مبالغات شاعر، ولا سيما في مقام الفخر حتى أنه ليقول مثلا: (كان زيدان بن أحمد، وهو جدي لأبي، يقول: (أنا أعدّ من أسلافي أحد عشر جدا، ما منهم إلا عالم مصنف)، (م. ن.، 93، عن: عمارة، النكتة العصرية في أخبار الوزارة المصرية، 21) على الرغم من هذا، فليس كلامه ببعيد عن التصديق. فنحن حين نذكر اليوم أن ظواهر لغوية، مما يتكرر في الدراسات الحديثة أنه قد امّحى من اللهجات العربية اليوم، لا يصدقنا أحد. ومن ذلك استعمال المثنى مع الأفعال والضمائر في لهجات بني تليد، أو بني مالك، المجاورة جبالهم لجبال فيفاء. أو حين تحكى قصة ذلك الطالب البائس من أبناء تلك الجهات في إحدى جامعات المملكة، الذي اكتشف بعض أساتذته على حين صدفة أنه يفقه من معاني المفردات في الشعر الجاهلي ويعي الصور الفنية أكثر من بعضهم، بل مما ورد في شروح القدماء أنفسهم، حين تحكى قصة كهذه يتهم الحاكي بالمغالاة أو الهلوسة. مع أن تفسير ذلك يسير، وهو أن هؤلاء العوام ما زالت جذور العربية تعيش في صدورهم، وتفرّع بعض أغصانها على ألسنتهم، وإن لحقتها اللكنة، ومستها طرائق الناطق ببعض التغيير، مما يجعلها تبدو غريبة لأول وهلة. 
وهذا ما دفعني منذ واجهت تلك الإشكالية، طالبا، وقارئا في التراث العربي، ومدرسا للأدب العربي في الجامعة إلى محاولة جمع مادة لهجية أعرفها جيدا، في دراسة مقارنة مع الفصحى، لا لتكريس اللهجة، ولا للمفاخرة الإقليمية، ولكن إسهاما في المعرفة باللغة العربية نفسها، التي ما تزال تجمعنا جميعا، ونرجو أن تظل. ثم تأكدت لي أهمية ذلك المشروع أكثر من ذي قبل حينما كنت أحاول في تدريسي الشعر الجاهلي أو الشعر الأموي لطلبة جامعة الملك سعود أن أربط ما يقوله الشعراء بما أعرفه مما بقي على ألسنة الناس اليوم، فوجدت من الطلبة استجابة أدهشتني، وحبا للشعر القديم غير معهود، وتفاعلا معه غير مسبوق؛ ذلك حين اكتشفوا أنه منهم وهم منه، واستيقظوا على أنهم ما زالوا ينتمون إلى تلك اللغة الأم، وربما ما انفكوا يعيشون بيئتها منذ مئات السنين، وإنما حيل بينهم وبينها، تارة بإقصاء ما يسمى الفصيح عن العامي الدارج، وتارة أخرى بإقصاء ما يسمى العامي الدارج عن الفصيح. 
ولست أنسى هنا طالبا كان يدرس معي في أحد الفصول الدراسية، وكان الرجل بدويا خالصا، كأنه قدم للتو من (البر) إلى الجامعة.. ولحسن حظه وحظي كان الموضع المقرر إذ ذاك معلقة طرفة بن العبد.. وأشهد أن ذلك الطالب (التعيس علميا) كان يفقه ظلال اللغة وإيحاءاتها في معلقة طرفة ولا سيما ما يتعلق منها بوصف الناقة أكثر وأدق من بعض ما فقهه الزوزني، أو الأعلم الشنتمري، أو غيرهما من شراح الشعر من عرب وفرس، ممن كانوا بعيدين عن ذلك التراث زمانا ومكانا. كما أعترف أنني قد تعلمت من طالبي ذاك أكثر مما تعلم مني؛ لأنه كان ابن البادية والصحراء والإبل، وكنت ابن الريف والجبال والطيور. 
لهذا كله وجدت أنني أمام تراث مهمل، مع أنه ما يزال في حياتنا يعيش. ووجدت أننا نقرأ التراث القديم في الكتب مشوها، أو ضبابيا؛ لأن القائمين عليه لم يكونوا في معظمهم عربا أصلا، لا جنسا ولا بيئة، أو هم نقلة، لا يعرفون البيئة الأم، ولا الثقافة التي أنتجت النصوص. 
وللحديث اتصال. 
مرفأ: 
في كل ثانية جرح. وآخرها: 
قتل الزمان؛ فلا طب، ولا وقت! 


ليست هناك تعليقات: