.

2015/02/12

اللهجات "والفرانكو آراب"

هل يؤثران على مستقبل اللغة العربية؟

اللغة العربية أو لغة الضاد، تتميَّز بأساليبها الجمالية المختلفة، وينطق بها أكثر من 430 مليون شخصٍ، وتعتبر من أكثر اللغات انتشارًا في جميع أنحاء العالَم ومن أهمها، ويتمركز متحدِّثو اللغة العربية في منطقة الوطن العربي وبعض المناطق الأخرى المجاورة لها، وتعتبر من أعرق اللغات وأقدمها، لكن هناك بعض الظواهر التي من الممكن أن تمحوَ تاريخ هذه اللغة، وهذه الظواهر منها القديمة ومنها الحديثة، والحديثة تعتبر أشدَّ فتكًا باللغة؛ لأنها ترتبط بفئةٍ عمرية معينة، وهي فئة الشباب، وتسمى هذه اللغة "بالفرانكو آراب".


وفي التقرير التالي نستعرض أهم المؤثرات التي قد تؤثر على لغتنا العريقة:
اللغة العربية بين الانتعاش والركود:
مرَّت اللغة العربية عبر تاريخها ومنذ نشأتِها بعدة مراحل، تقسمت بين الركود والانتعاش، فكانت اللغة العربية لها مكانةٌ عالية في العصور الأولى من نشأتها، وكان يتحدَّث بها عدد كبير من البشر، إلا أنها شهِدت بعض الركود في بدايات القرن الخامس عشر، وظلَّت طيلة الأربعة القرون التالية تعاني من الركود الشديد، حتى بدأت تستعيدُ مكانتها وتشهد بعض الانتعاش في أواخر القرن التاسع عشر، وزاد انتعاشها خاصة في منطقة بلاد الشام ومصر، وكان السبب في ذلك يرجع لزيادة أعداد المثقفين والمتعلمين في هذين البلدين، وكان العامل الثاني لازدهارِها هو افتتاحَ عدد كبير جدًّا من المطابع التي كانت تعمل بشكل أساسي على تجميع الحروف العربية، وطباعة الكتب الأدبية لكبار المثقفين والأدباء والشعراء، الذين كان لهم دور بارز في إحياء اللغة العربية الصحيحة من خلال أعمالهم الأدبية، ومن ضمن هذه الأسماء أمير الشعراء أحمد شوقي، والشيخ نصيف اليازجي، وجبران خليل جبران، وغيرهم من الأدباء والمعلمين الذين أسسوا المعاجم الحديثة، وأحيوا المعاني والكلمات التي كادت تندثر من لغتنا العريقة، فضلاً عن قيامهم بعمل معاجم حديثة يسَّروا من خلالها معاني وقواعد اللغة العربية، وأدخلوا عليها معاني جديدة، وأسسوا المعاجم الحديثة التي يتم العمل بها الآن في العصر الحديث.
                                    
وكان من أهم إنجازات هؤلاء الأدباء والكُتاب: تأسيسُ الصحافة العربية في أوائل القرن العشرين، الأمر الذي أحيا الفكر العربي وجعل اللغة العربية متداولةً بين العرب يعرِفون من خلالِها أخبارَ كلِّ بلاد العالَم.

كما أسَّس عدد من الأدباء أيضًا مدرسة أدباء المهجر، والتي أسَّسها بعض منهم ممن سافروا إلى أمريكا وأوروبا، وسَعَوا إلى إخراج كتب وصحف باللغة العربية في تلك الدول، حتى يستطيع المهاجرون العرب الاطّلاع على ثقافة وأخبار بلادهم، فضلاً عن انتشار ترجمة الكتب وروائع الفكر الغربي، وكانت هذه الطفرة التي أحدثها هؤلاء الأدباء في كل مناحي الحقل الأدبي الذي يتعلق بالشعر والصحف والأدب وما إلى ذلك، ولم يكن للغة العربية أيُّ دور في الجانب العلمي مثلما كانت في السابق.

وبدأت اللغة العربية بعد هذه الطفرة في الانحدار والركود مرة أخرى، وخاصة بعد الحرب الباردة بين الشيوعية والرأسمالية، والتي أدت إلى شيوع اللغة الإنجليزية، وأصبحت هي اللغة العالمية الأولى، ودخلت إلى معظم الدول العربية، وأصبحت هي اللغة الأهم في العالم، وحتى في الدول العربية أصبحت هي اللغة المتداولة في العلم والتجارة وعالَم الأعمال.

انتشار "الفرانكو آراب" بين الشباب:
بعد أن بدأت الطفرةُ الحديثة في مجال الحاسب الآلي في العالم والوطن العربي، ظهرت معها ظاهرة جديدة خاصة بالدردشة على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت، وخاصة في وطننا العربي، وهي قيامُ الشباب بكتابة الكلمات العربية بنفس المعاني العربية، ولكن بحروف إنجليزية، وهو ما يطلق عليه "الفرانكو آراب"، وعلى الرغم من أن لوحات المفاتيح الخاصة بالحواسيب أصبحت تدعم الأحرف العربية، إلا أن كثيرًا من الشباب يعتبرون أن هذه الطريقة هي الأفضل بالنسبة لهم، وأنها هي التي تتماشى مع الموضة الحديثة، التي لم تقتصر على قصات الشعر أو الملابس وحسب، بل تسلَّلت إلى كثير من مناحي الحياة، ويرجع انتشار هذه الظاهرة إلى سهولة كتابة اللغة الإنجليزية بالنسبة لبعض الشباب نتيجةً لنظام التعليم أو غيره من الأسباب، والبعض الآخر من الشباب يعتبر نفسه إذا لم يتحدث بهذه اللغة فإن أصدقاءه سيعتبرونه متخلفًا ولا يسير في ركاب الموضة؛ فعلى سبيل المثال عندما يريد أحد الشباب قول كلمة "كيف حالك"، فإنها تكتب "kaifahalok".

كما ظهر نمطٌ آخر من الكتابة ينتمي إلى نفس الفئة - الفرانكو - وهو استبدال بعض الحروف العربية بالأرقام! مثل قول: "kaif 7alok"، ونلاحظ هنا استبدل حرف الحاء برقم 7، وهناك عددٌ كبير من الحروف لها أرقام تدل عليها.

والنمط الأخير وهو اختصار الكلمات الكبيرة إلى 3 حروف أو 4، مثلاً عندما يريد أحد الشباب قول "إن شاء الله"، فإنه يقول "isa"، والحمد لله "el7"، وغالبًا ما يتم استخدام هذه الاختصارات في الكلمات الكبيرة والمتداولة.

كان لظهورِ هذه اللغة أسبابٌ كثيرة؛ أهمها:
• في خدمات الرسائل المحمولة "sms" عدد حروف اللغة الإنجليزية أكثر من المتوفرة للعربية، فيقوم الشباب باستخدام هذه اللغة لكتابة عدد أكبر من الكلمات في الرسالة الواحدة.

• وهناك سبب آخر، وهو أن الحاسوب في بداية الأمر كانت لوحة المفاتيح الموجودة فيه تدعم اللغة الإنجليزية فقط، فكان يضطر المتحدث العربي إلى الكتابة بها، ولكن بنفس نطق الكلمات العربية، ويرجع البعضُ سببَ ظهور هذه اللغة إلى ظهور الهواتف المحمولة التي تدعم الإنترنت، والتي يتحدَّث من خلالها الشباب بصفة مستمرة، فأصبحوا يحتاجون إلى اختصارات تسهل عليهم الكتابة، وعلى الرغم من انتشار هذه اللغة بين الشباب في الوطن العربي، إلا أن آخر التقارير أثبتت أن اللغة العربية كانت ضمن أكثر عشر لغات استخدامًا في الإنترنت، وكانت العربية في المرتبة السابعة متفوِّقة على عدد من اللغات المتداولة في جميع أنحاء العالم.

اللغة العربية وتعدد اللهجات:
لعل من أبرز سمات اللغة العربية تعدُّدَ لهجاتها ولكناتها، وتعدُّد اللهجات في الدول العربية لم يكن موجودًا فقط في العصر الحديث، ولكنه كان موجودًا أيضًا أيام الجاهلية، فكانت كل قبيلة لها لهجة خاصة بها حتى تُعرف بين القبائل.

ومن أهم أسباب ظهور هذه اللهجات:
الوضع القَبلي الذي كان يعيشه العرب، خاصة قبل الإسلام؛ حيث كانت القبائل لا ترتبط ببعضها البعض سوى في التجارة فقط، فلم يكن هناك دِين يجتمعون حوله، ولا دولة يعيشون فيها، فتعددت اللهجات واللكنات، الأمر الذي كاد يُقسِّم اللغة العربية إلى لغات متباعدة ليس لها عَلاقة بعضها ببعض.

وفي العصر الحديث استمرت هذه اللهجات، ولكنها أصبحت متعلقة بالدول أو بالتوزيعات الجغرافية، فكل دولة لها لهجة خاصة بها، يتحدث بها أهل هذه الدولة؛ مثل اللهجة المصرية، ولهجات أخرى ترتبط بالمناطق؛ مثل لهجة أهل الشام، أو المغرب العربي، وما إلى ذلك.

وحسب آخر الإحصائيات، فقد جاء توزيع اللهجات العربية على الوطن العربي كالآتي:
• "اللهجة المصرية" يتحدث بها 85 مليون شخص، وهناك بعض اللهجات الأخرى الخاصة بمصر مثل: "اللهجة النوبية"، أو "اللهجة الصعيدية"، وما إلى ذلك، وتعتبر اللهجات المصرية أكثر اللهجات فهمًا؛ نظرًا لانتشار الثقافة المصرية في جميع أنحاء الوطن العربي.

• "اللهجة العراقية" يتحدث بها حوالي 30 مليون شخص، معظمهم في العراق وإقليم الأحواز، وبعض المناطق من سوريا وتركيا، وتنبثق عنها بعض اللهجات الأخرى مثل "اللهجة المصلاوية"، وغيرها من اللهجات الأخرى الخاصة بالعراق.

• "لهجة بلاد الشام"، وهي اللهجات الخاصة بأهل الشام: سوريا، وفلسطين، والأردن، ولبنان، ويتحدث بها ما يقارب 40 مليون شخص، ويعتبرها الكثيرون أنها الأقرب إلى اللغة العربية الفصحى، ومن أكثر اللهجات تداولاً في الوطن العربي.

• "لهجة بلاد المغرب"، وهي اللهجات الخاصة ببلاد المغرب العربي: الجزائر، وتونس، وليبيا، والمغرب، ويتحدث بها حوالي 100 مليون شخص، وهذه اللهجة يعتبر البعض أنها أبعد اللهجات عن اللغة العربية الفصحى بسبب تأثرها باللغة الفرنسية والأمازيغية.






ليست هناك تعليقات: