.

2015/02/25

اللهجات المحلية في الخليج

اللهجة في القطيف مثالاً

السيد شبر علوي القصاب * - 1 / 3 / 2011م - 7:52 ص - العدد (22)

تتجه الكليات الجامعية في كثير من الأمم الناهضة إلى تسجيل لهجاتها الحديثة، لأنها تمثل تطوراً تاريخياً تحرص الأمة على تسجيله قبل أن يصيبه تطور آخر ويندثر، ولا نندهش أن يعكف كثير من اللغويين في تلك الأمم على دراسة اللهجاتالحديثة دراسة وصفية، فتراهم يصفون أصواتها وصفاً علمياً دقيقاً، ويصفون صيغها ويضبطونها، ويستعينون في هذه الدراسة بأجهزة التسجيل، ومعامل الأجهزة الصوتية، كما يرسمون خرائط موضحة لكل ظاهرة من ظواهر اللهجة العامة، بل لكل كلمة من كلماتها[1] .
وقد بدأت دراسة اللهجات في العصر الحديث على أيدي المستشرقين، ولم يكن اهتمام علماء اللغات في الغرب مقصوراً على اللهجات في الأقطار الأوروبية فحسب، بل كان للهجات العربية ـ قديمها وحديثها ـ جانب كبير من اهتماماتهم[2] .
وقد كانت دراسات اللهجات المحلية والإطلاع على خصائصها وأسرارها فيما مضى ينظر إليها على أنها معول لهدم وتقويض قواعد الفصحى ودعائمها المتينة، ولكن وبعد أن وعى الباحثون وعرفوا قيمة هذه الدراسات آمنوا بأهميتها إلى فهم ما استغلق من أسرار وخفايا عديدة في الفصحى.
إن دراسة اللهجة، وما تكشف عنه من خصائص يمكن ردها إلى أصولها البعيدة، وإلى القبائل العربية التي تتكلم بها؛ تعد وثيقة مساعدة لعلماء الأنساب كي يحققوا ما بين القبائل من صلات نسب أو علاقة جوار أو ولاء[3] .
وإذا كانت اللهجة في هذه الواحة تشترك مع أخواتها لهجات الخليج في كثير من الظواهر والخصائص والأسرار، إلا أنها تنفرد عنها ببعض الخصائص واسمات، على الرغم من صلات القربى والجوار، لكن ذلك ليس يستنكر إذا رأينا أن لهجات القرى فيها قد تختلف بعض الشيء عن بعضها البعض على ما بينها من قرب وتجانس.
وقد حظيت اللهجات المحلية في الوطن العربي بالإهتمام والعناية من قبل اللغويين والباحثين المهتمين بالداراسات اللغوية من عرب ومستشرقين، ومن ضمنها اللهجات المحلية في منطقة الخليج.
وإذا كانت اللهجات المحلية في بلدان الخليج المجاورة قد نالت حظها من العناية والدراسة، ومن يتتبع الكتب والدراسات التي خرجت إلى حيز الوجود بفضل جهود أساتذة الجامعات الكرام يعرف صدق ما أقول. فإن اللهجة في هذه الواحة لم تجد من يرعاها لا من أهاليها ولا من غيرهم، وإن وجدت من الاهتمام فما هي إلا إشارات عابرة في تضاعيف الكتب التي تصدت لدراسة لهجات الخليج، أو محاولات تحمل بين طياتها أشتاتاً مبعثرة في بطون البحوث المخطوطة المعلقة على رفوف المكاتب أو في أدراجها.
وقد أخذت كثير من ظواهر اللهجة المحلية في التلاشي والانحسار، ولم يبق لها إلا بقايا بين بعض المسنين نظراً للانفتاح والأخذ بأسباب العلم واختلاط أهل هذه النواحي بغيرهم، وهذا ما حدا بي إلى جمع هذه الأشتات خشية عليها من الاندثار.
والسبب الرئيسي في تلاشي كثير من الظواهر اللهجية هو تعرض الآخذ بها إلى الإنتقاد من قبل أنصاف المتعلمين ممن يدعون التمدن، والحقيقة أن ما يفعله هؤلاء ناتج عن جهلهم ولو نقبوا ودققوا لانكشف لهم الحجاب، ولبان لهم الواقع، فعرفوا أن مثل هذه الظواهر ليست وليدة يومها، وإنما لها جذور موغلة في القدم وذات أصالة لغوية كما هي الحالة في غيرها من الظواهر الموروثة عن لهجات القبائل التي استوطنت المنطقة أو استقرت قريباً منها وحملت معها لهجتها مع لهجات القبائل التي كانت قاطنة معها في جهة من الجهات ثم هاجرت معها إلى هذه الربوع.
وإني وإن لم اكن باحثاً لغويا أو دارساً أكاديمياً في دراستي، وإن كان دوري في هذه الدراسة هو دور الجامع المساعد لا دور الجامع المتخصص فإني أعي الكثير من خصائص لهجة بلدي وظواهرها وأسرارها لأني لمستها وعايشتها منذ نعومة أظفاري وكرست اهتمامي لها.
وقد دأبت مجلتنا الموقر (الواحة) على تبني أقلام واحتضان الباحثين المهتمين بدراسة تاريخ وتراث منطقة الخليج، أجدها فرصة طيبة لنشر ما كتبته عن هذه اللهجة على صفحات هذه المجلة.
إن رصد مثل هذه الجوانب ما هي إلا محاولة لتعريف وإشعار أبناء هذا الجيل والأجيال القادمة، والآخرين بأن لهجة هذه الواحة وأخواتها من لهجات الخليج ليست لهجات عامية بالمعنى المطلق للكلمة، وإنما هي ذات أصالة وعراقة، ضاربة في القدم، ولها من السمات والخصائص ما يوصلها بأمها الفصحى بأوثق وشيجة، وأدنى نسب، مع ربطها بتراثها وثقافتها اللذين أوشكا أن ينمحيا من الأذهان لقلة اهتمام كثير من الآباء وحرصهم على وصل ما أنقطع، ونظرهم إلى ذلك بأنه طراز عتيق و(دقة قديمة)، وثقافة بالية عفا عليها الدهر، وفي ظل هذا الفراغ الفكري والثقافي أخذ الأولاد يبحثون عما يشغل هذا الفراغ بتراث وثقافة لا يمتان إلى بيئتنا الأصيلة بصلة.
وعرضنا لمثل هذه الخصائص والظواهر والأسرار سوف يثبت لنا صحة هذا القول حينما نستعرض كل مرة طرفاً منها على صفحات هذه المجلة الموقرة، وإن وجدت بعض الجوانب من اللهجة لم نستطع ردها لأصلها الفصيح أو التدليل على عراقتها وأصالتها فليس معنى هذا أنها غير ذلك، فلعلها مما خفيت عنا أخبارها، وعميت علينا أثارها، ولعلها تظهر بعد حين من الدهر، فكم وكم من جانب من جوانب اللهجة كنا نحسبه عامياً، ثم تبين لنا على حين غفلة أصالته عندما سبرنا بطن كتاب متخصص، وكم وكم ضاع منها كالتي لم تسجلها المعاجم والمصادر اللغوية فغدت ضالة تبحث عن أصلها وفرعها الذي تلوذ به، وتنتظر أن تلبس ثوب عراقتها الذي جردها كر الدهر منه في غفلة من أهلها. وهاأنذا أشرع في ذلك ملتمساً هذا السبيل مبتدئاً بأولها:
أ/1 تسهيل الهمز (ترك النبر) وتحقيقه
تميل اللهجة الدارجة في المنطقة في شتى نواحيها إلى تسهيل الهمزة من أغلب الكلمات المهموزة إما بطرحها كليةً أو بقلبها إلى أحد الحروف الآتية: (الألف والياء أو الواو)، وهي ظاهرة مالت إليها أغلب اللهجات في البلاد العربية، وقد انفردت بعض القبائل البدوية بتحقيقها أحياناً، والإغراق فيه بقلبها عيناً يسلكون في ذلك مسلك بني تميم الذين يقلبونها عيناً أحيانًا مبالغة في تحقيقها، وقد أثِر عنهم هذه القراءة: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد عنَّك لرسول الله)، ولازلنا نسمع كثيرًا من أهل البادية يقولون: (بسعلك سْعال)، أي (أريد أن أسألك سؤالاً)، ولا زالت اللهجة تحتفظ بعدد من الكلمات التي حققت فيها الهمزة إلى حد الإغراق فقلبت عيناً وتعرف هذه الظاهرة بـ (العنعنة)، فنجد مثل: (مهيَّع، يجرع، انجعف، منجعف، عجل أو عيل (عند من يقلب الجيم ياءً)، عنكر، عجان، عضافير، وعضفور، وعرناص، وعصلة، وعنلا)، والأصل على التوالي:
(مهيأ، يجرؤ، انجـأف، منجئف، أجل، أنكر، إذن، أظافير، وأظفور، أناناس، أصلة، لئلا). كما تجد بين بعض أهل القرى من يقول: (عسكريم) أي: (آيس كريم، و(مستشفع) يريد مستشفى، و (برَّع)، أي: (برا)؛ يعني خارجاً، مع أنها ليست همزة، وإنما هي ألف ممدودة في الأولى، وألف مقصورة في الأخريين.
وهناك من يزيد في تسهيل الهمزة من الكلمات التي يجري تحقيقها في لهجة الحاضرة وما شاكلها كما هو الحال على سبيل المثال مع الصفات والعاهات التي جاءت على وزن أفعل فيقولون: (عمي، وعري، أو عرج، وعصل، وخدي أو خدج، وعور، وعوج أو عوي، وعطر، وغبر)، و(غتم)، وهي على التوالي: (أعمى، وأعرج، وأعصل، وأخدج، وأعور، وأعـوج، وأعطر، وأغبر)، وأغتم.
وأما الألوان فلم يؤثر تسهيل الهمزة منها سوى في (أخضر، وأحمر)، فيقولون: (خضر، وحمر)، ولا يقولون في بقية الألوان: (زرگ، وصفر، وسود، وبرگ)، بل يقـولون: (أزرگ، وأصفر، وأسود، وأبرگ)، وفيما يبدو أن هذا التسهيل مرتبط عندهم بما جاء فيه حرف همزة بعدها مباشرة حرف من الحروف الحلقية كالحاء، أو الخاء، أو العين، والهاء، ولعل هذا الحذف أو التسهيل هو كراهة منهم لاجتماع حرفين حلقيين متجاورين لثقلهما عندهم في المخرج، وفي تسهيل أحدهما وهو الأول تسهيل على اللسان في النطق.
ومع أن التسهيل (ترك النبر) هو إحـدى السمات المميزة للهجة، لكن هـذا لا يمنع تحقيقها في بعض المواضع عند الإضطرار، أو مخافة اللبس، ومن أمثلة تحقيقها: (اسألني، مسئول، يسأل، وفي القول السائر: (يسألك الله عن رفـگـة ساعة).
ومن أسباب الاضطرار إلى تحقيق الهمزة كونها في أول الكلمة، ويصعب في معظم الأحيان تسهيلها، فلا بد من تحقيقها، كما في: (أم، أخو، أحمد، أخضر، أسود، أگرب، أبعد).
تروي لنا كتب اللغة أن أحد الرواة سأل رجلاً من قريش: (أتهمز الفارة ؟)، فلم يفطن المسئول لما أراد السائل فأجاب ساخراً: (إنما يهمزها القط، وقد أراد اللغوي أن يعرف ما إذا كان القرشيون يلتزمون بتحقيق الهمزة في كلامهم، وتكاد تجمع الروايات على أن التزام الهمز وتحقيقه من خصائص لهجة تميم، في حين أن القرشيين يتخلصون منها إما بحذفها، أو تسهيلها، أو قلبها إلى حرف مد، أو لين، على أنه روي أن بعضاً من تميم يقلبون الهمزة الساكنة إلى صوت لين من جنس حركة ما قبلها فيقولون في:(رأس، بئر، لؤم: راس، بير، لوم).
تجمع الروايات القديمة على أن البيئة الحجازية، قريش وما جاورها، تسهل الهمز، والبيئة البدوية، تميم وما جاورها، تحقق الهمز، وقد أخذت العربية اللغة المشتركة من تميم.
قال أبو زيد أهل الحجاز وهذيل وأهل مكة والمدينة لا ينبرون، وقف عليها عيسى بن عمرو، وقال: (ما آخذ من قول تميم إلا بالنبر، وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا، وقال أبو عمرو الهذلي: (قد توضيت) فلم يهمز وحولها ياءً.
ولما حجَّ المهدي قدم الكسائي يصلي بالمدينة فهمز فأنكر أهل المدينة عليه وقالوا: تنبر في مسجد رسول الله بالقرآن ؟! وهذا معناه أن لهجة الحجازيين تسهيل الهمز، أما قول عيسى بن عمرو فيما تقدم إذا اصطنعوا اللهجة المشتركة حققوا الهمزة، كما يمكن أن يكون عيسى بن عمرو قد قصد الهمزة التي توجد في أول الكلمة.
ومن أمثلة تحقيق الهمزة في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ورئاء الناس الأنفال الآية 47.
ومن أمثلة تسهيل الهمزة في الشعر قول أبي نواس:
إني عشقت وما بالعشق من باس
ما مر مثل الهوى شيء على راسي
ومما يدخل في هذا الباب حذف الهمزة من أل التعريف، والهمزة التالية لها في الاسم المبدوء بها.
فيقال (لولين) وقد حذفت الهمزة من أل التعريف التي تليها وانتقلت الحركة إلى اللام، وهذا الاستعمال يقاس عليه، فيقال فيما يناظر (الأحد، الأرض، الأيام، الإنسان، هكذا:
يوم لحد، لرض، ليام، لنسان، والحالة هذه من نوع التخلص من الهمزة الذي سبق ذكره في لهجة معظم الحجازيين، وهي أيضا لهجة قبائل بدو مصر المتاخمين لبرقة من بني هلال وسليم المهاجرين من الحجاز ونجد في أول القرن الثاني الهجري[4] .
وهذا الحذف يلجأ إليه للتخفيف والفرار من نطق الهمزة، فقد لوحظ في اللهجات العربية الحديثة الميل إلى التخلص من الهمزة، وكانت لهجة قريش تميل إلى حذفها، أو تسهيلها أو قلبها إلى حرف مد، وقرئت الأخرى: لخرى، ومن إله (من له)، ويجمع علماء اللغة على أن تحقيق الهمز والتزامها من خصائص تميم فقط.[5] 
ومن شواهد هذه الظاهرة أيضا قراءة من قرأ: (وإنه أهلك عاداً لولى)، ولا زلنا نسمع الناس عندنا يقولون: (بارحة لولى) أي بارحة الأولى بمعنى الليلة التي قبل البارحة، ومن الشواهد من القرآن الكريم في هذا الباب نجد قوله تعالى:
(1) ﴿كذب أصحاب لئيكة المرسلين الشعراء الآيتان 7 و 176
(2) ﴿وأصحاب لئيكة الشعراء الآية 13.
ومما يدخل في هذا الباب تسهيل همزة حرف الجر إلى وهمزة أن المجرورة بها فيقال: لي ولين أي إلى وإلى أن، بمعنى إذا، أو حتى، ومن ذلك قول الشاعر زيد الحرب من أهل الكويت: (ليـگـعد حظك يرنع لك الطار)، والقول السائر (لين ضاگ بالي گمت أصفي دلالي)، وقولهم: (اگـعد لين أجيك) أي: حتى آتيك.
 ومما يدخل في هذا الباب أيضاً تسهيل همزة الأولى ولام الجر إذا اتصل أحدهما بضمير من الضمائر التالية: ياء المتكلم، كاف المخاطب المذكر، شين أو هاء المخاطبة المؤنثة، ضمير جمع المخاطب المذكر (كم)، ضمير الغائب أو الغائبة وكذا ضمير الغائبين. فيقال: لي ولك، ولش أو لـچ، وليكم، وله، أوليه، (على طريقة بعض القرى)، وليها وليهم، والطريقتان متعاقبتان ومتداولتان حين استعمال حرفي الجر هذين في اللهجة العامية على حد سواء أي بتسهيل الهمزة وتحقيقها.
أ/2 حركة الحرف السابق لحرف المد أو العلة بين التحقيق والإمالة
الحروف من حيث الاعتلال ثلاثة هي:(الألف والواو والياء)، مجموعة في قولك (أوي)، وتسمى أيضاً الحروف اللينة، قال الشيخ كمال أبو مصلح (فإذا سبقت حرف العلة الساكن حركة من جنسه فهو حرف مد نحو:(دولابي)، وإذا سبقت كلا من الواو والياء حركة من غير جنسه فهو لين نحو (بيت، ولون)، وإذا تحركت الواو والياء لم يعتد لا المد ولا اللين نحو (صفو، جلي، وعد، مودة، تموين)[6] . وقد اصطلح الباحثون اللغويون في العصر الحديث على تسميتها بالحروف الطويلة تمييزاً لها عن الحركات الثلاث الفتحة والضمة والكسرة التي اصطلحوا على تسميتها بالحركات القصيرة.
(والفتحة والألف من جنس واحد فإذا أشبع صوت الفتحة بمقدار ما يستغرقه من الزمن طي إصبعين من اليد على التوالي صارت ألفاً، وإذا خطف صوت الألف حتى ساوى ما يستغرقه طي إصبع واحد صار فتحة، وكذلك يقال في الواو والضمة المتجانسين وفي الياء والكسرة)[7] .
ونعني بتحقيق الحركة نطقها بصورة واضحة جلية غير مشابة بحركة الحرف اللاحق كما نجده في نطق كلمة (ثَوْب) في الفصحى فإن حركة الثاء تظهر فتحة صافية، وهذه لهجة عد من نواحي المنطقة مثل:صفوى، الآجام، والعوامية، القديح، والتوبي، والخويلدية، والجارودية، ومع أن هذه اللهجة هي لهجة أصيلة لا غبار عليها وهي مطابقة لما هي عليه في اللغة الفصحى المشتركة، إلا أن كثيراً من الناس في هذه النواحي أخذوا ينزعون إلى الإمالة وترك التحقيق في الوقت الحاضر مسايرة لطريقة الحاضرة وما شاكلها في لهجتها خشية الانتقاد والسخرية.
أما الإمالة فلها عدة مسميات في اللغة مثل الإشابة أو إشراب حركة الحرف السابق باللاحق أوبين بين وفيها لا تظهر حركة الحرف واضحة جلية وإنما مشابة أو مشربة بحركة الحرف الذي بعده على نحو من حركة حرف الـ(N) في كلمة (Name) الإنجليزية التي تتأثر بحركة ما بعدها، وهي طريقة البقية الباقية من الواحة بما في ذلك الحاضرة، وهذه الظاهرة أو الطريقة مالت إليها أكثر اللهجات في البلاد العربية، واللهجات التي تميل إلى التحقيق قليلة إذا ما قيست بالظاهرة المذكورة، وهي موجودة في كثير من قرى البحرين وأهل لبنان الغالب على لهجتهم التحقيق وكذا أهل اليمن.
ومن الجدير بالذكر أن الذين يحققون الحركة في كلامهم فإنهم يميلون حركة الحرف السابق لواو الجماعة إذا كانوا ممن يثبتون النون للأفعال الخمسة فيقولون:(ينـسـَُون) (حركة السين بين الفتحة الحركة الأصلية لهذا الحرف والضمة وهي حركة الحرف الذي بعده)، بينما الذين لا يحققون في عامة كلامهم ويحذفون النون من الأفعال الخمسة فإنهم يقولون (ينسَوْا) بالتحقيق.
ومن المجموعة الثانية فئة ينعدم هذا التحقيق قي كلامهم مطلقاً لأنهم يفترقون عنهم بعدم التحقيق في الحرف السابق لواو الجماعة ويتفقون في هذه الناحية مع من تقدم الحديث عنهم من المجموعة الأول ممن يثبت النون لواو الجماعة، أي أنهم لا يحققون حركة لمثل هذه الحروف في شيء من كلامهم، وهذه النواحي هي: (سيهات، عنك، الجش، الملاحة، أم الحمام، سنابس، الزور، أم الساهك، أبو معن، النابية).
وقد عد الدكتور مناف الموسوي هذه الإمالة ضرباً من التخفيف حيث قال: (وقد يكون:(أي التخفيف) بإتباع حركة أول الكلمة للحرف اللين الذي في وسطها فتحدث الإمالة، كإمالة الفتحة نحو الكسرة كقولهم:(زيت) بدلاً من:(زيت)، (دين) بدلاً من: (دين)، (سيف) بدلاً من:(سيف) في اللهجة العراقية، وقولهم (بيت) بدلاً من:(بيت) في اللهجة العراقية والمصرية[8] .
والإمالة هي ضرب من الانسجام والتقريب والهدف منها كما يقول ابن يعيش: (تقريب الأصوات بعضها من بعض لضرب من التشاكل، فسبب الإمالة هنا هو لتناسب الأصوات وتقاربها، وذلك لأن النطق بالياء والكسرة مستفل والنطق بالفتحة والألف مستعل متصعد، ففي الإمالة صارت الألف من نمط الياء في الانحدار والتسفل)[9] .
أ/3 الألف السابقة لضمير الغائبة وهاء الاسم المنتهي بها وتاء التأنيث المربوطة التي تنطق هاء بين الإمالة والتحقيق
فأما الإمالة فيقولون بأنها لغة تميم وقيس وأسد، ولها معنيان لغوي واصطلاحي، فأما معناها اللغوي فهي التعويج تقول أملت الرمح إذا عوجته وجعلته غير مستقيم أو بمعنى الانحناء تقول أمال فلان ظهره أي أحناه.أما الاصطلاح فقد عرفه ابن الجززي بقوله أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة والألف نحو الياء كثيراً. [10] 
وقد افترقت نواحي الواحة في هذه الألف
أولاً الألف قبل ضمير الغائب المذكر وهاء الكلمة المتطرفة وفيها لهجتان:
الأولى إمالة الألف السابقة لهما غالباً، وفي الأسماء على وجه الخصوص، فيقال في عشاه، وداه (أداه)، الصلاه، الزكاه، الإله: عشيه، وديه، الصليه، الزكيه، الإليه، وهي لهجة القديح والتوبي، والجارودية.
الثانية التحقيق مطلقاً ونعني به تحقيق الفتح وهي لهجة البقية من نواحي الواحة. وقد أشار الفراء إلى أنه عبارة عن فتح القارئ فاه بلفظ الحرف أس الألف إذ لا تقبل الحركة، ولئلا يتبادر إلى الذهن أن المراد فتح الحرف أشار ابن القاصح إلى المقصود بالفتح هو فتح الصوت بالحرف، والفتح عندهم ضد الإمالة. لذا نجد بعضهم عرفه بأنه عبارة عن النطق بالألف مركية على فتحة غير ممالة، والفتح، كما يقولون هو الغالب في لهجة أهل الحجاز.[11] 
ثانياً الألف التي قبل ضمير الغائبة المفردة وفيها لهجتان:
الأولى: الإطلاق والتحقيق لدرجة الإغراق في المد وهذه لهجة أهل جزيرة تاروت (سنابس، الربيعية، تاروت الديرة).
الثانية: وهي التحقيق في مواضع، والإمالة في مواضع أخرى، وهذه الظاهرة التي عليها اللغة المشتركة وشواهدها في القرآن كثيرة، فمن مواضع الإمالة في الآيات القرآنية:
1) ﴿فحسبناها حساباً شديداً وعذبناها عذاباً نكراً الطلاق الآية 9.
2) ﴿والقمر إذا تليها الشمس الآية2.
3) ﴿والنهار إذا جليها الشمس الآية3.
4) ﴿والليل إذا يغشيها الشمس الآية4.
5) ﴿والسماء ومابنيها الشمس الآية5.
6) ﴿قد أقلح من زكيها الشمس الآية9.
7) ﴿وقد خاب من دسيها الشمس الآية10.
8) ﴿فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها الشمس الآية13.
9) ﴿ولا يخاف عقبيها الشمس الآية15.
10) ﴿أم السماء بنيها النازعات الآية27.
11) ﴿والأرض بعد ذلك دحيها النازعات الآية30
12) ﴿والجبال أرسيها النازعات الآية32
13) ﴿أيان مرسيها النازعات الآية42
14) ﴿إلى ربك منتهيها النازعات الآية44
15) ﴿إنما أنت منذر من يخشيها النازعات الآية45
ومـن مواضــع التحقـيق فيهـا:
1) ﴿لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها النازعات الآية 29
2) ﴿أخرج منها ماءها ومرعاها النازعات الآية 31
3) ﴿فيما أنت من ذكراها النازعات الآية 42
4) ﴿والشمس وضحاها الشمس الآية 1.
5) ﴿والأرص وما طحاها الشمس الآية 6.
6) ﴿ونفس وما سواها الشمس الآية7.
7) ﴿فألهما فجورها وتقواها الشمس الآية8.
8) ﴿كذبت ثمود بطغواها الشمس الآية11
9) ﴿إذا انبعث أشقاها الشمس الآية12
وقد تجد من يغلب الإمالة على التحقيق حتى في المواضع التي تحقق فيها الغالبية العظمى، فلربما قرأ و(الشمس وضحيها) بالإمالة لأن الإمالة غالبة على لهجتهم كما في صفوى والآجام والخويلدية والجارودية، ومثل هذه القراءة موجودة بين القراءات السبع فهي ظاهرة صحيحة لا غبار عليها.
أما ألف ضمير الغائبة (ها) فتبع الألف الذي قبل الضمير فنجدها عند من يغرقون في المد والتحقيق محققة لدرجة الإشباع وكأنها هموزة، وقد سمعت أحدهم وقد قرأ كل المواضع التي في سورة الشمس بالمد والتحقيق لتأثير اللهجة عليه لأنها سمة غالبة على لهجتهم فهم يقولون في (ردائها)(رْدَاهَاْ)، بينما البقية يقولون (رْدِيها) بالإمالة.
قلب الثاء فاءً
الثاء أحد الحروف الأسنانية الثلاثة التي خلت منها اللهجة، وهي الثاء والذال والظاء، باستثناء بعض ذوي الانتماءات القبلية كبني خالد، وبني هاجر وغيرهم الذين حافظوا عليها كما تنطق في اللغة الفصحى المشتركة، جاء في دراسة للدكتور رمضان عبد التواب بعد أن بين الفوائد الكثيرة التي تعود على الدارس اللغوي من معرفة اللغات السامية، وحضارتها، ودياناتها، وعاداتها، وتقاليدها، وفائدة مقارنة هذه اللغات باللغة العربية التي تؤدي إلى استنتاج أحكام لغوية لم نكن نصل إليها لو اقتصرت هذه الدراسة على العربية وحدها، مفسراً بهذا الأمر سر تقدم المستشرقين في دراستهم للغة العربية ووصولهم إلى أحكام لم يسبقوا إليها وذلك لأنهم لا يدرسون العربية داخل العربية وحدها بل يدرسونها في إطار اللغات السامية جميعها، ويدلل على ذلك بالأمثلة التالية التي تبين لنا قيمة هذه الدراسات بالنسبة للعربية:
1 – قال تعالى: ﴿فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، وقرأ ابن مسعود ﴿وثومها وعدسها، وروي عن ابن عباس ذلك، ثم يمضي في كلامه متسائلاً (فهل أصل الكلمة في العربية بالثاء أم بالفاء؟)، ويعقب قائلاً:
إن معرفتنا باللغات السامية تسهل لنا الإجابة على ذلك فإن الشين العبرية التي تقابل تاءً في الآرامية تقابل ثاءً في العربية، وتلك قاعدة مطردة في مقارنة أصوات اللغات السامية فمثلاً كلمة (شورا) في العبرية تقابل (تورا) Tawra في الآرامية تقابل (ثور) في العربية، كذلك كلمة شوم في العبرية تقابلها (توما) Tawma في الآرامية و(ثوم) في العربية.
ومعنى ذلك أن أصل الكلمة بالثاء وأما الفاء فهي تطور عنها، وقد جاءت كلمات كثيرة تعاقبت فيها الثاء والفاء مثل اللثام، واللفام، وجدث وجدف، وحثالة وحفالة للرديء من كل شيء، وفي لهجة القطيف المعاصرة في شرقي الجزيرة العربية يبدل الناس في كلامهم الثاء فاء فيقولون: (يوم الفلافة) في يوم الثلاثاء، و (عنب الفعلب) في عنب الثعلب، و(الفار) في الثأر وغير ذلك)[12] .
وتحت عنوان: (أصالة لغوية في اللهجات الأردنية يقول الأستاذ توفيق عبد الرب عند كلامه عن ظاهرة قلب الثاء فاءً: (وهذا الإبدال لغة تميمية مشهورة مازالت متبقية)، قال الدكتور صبحي الصالح: (الثاء عند تميم تقابل الفاء عند الحجازيين، ومن ذلك قوله تعالى: (يخرج لكم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها)، ومثلها قولهم الأثافي في الأثاثي، فإنها تقابل في لهجة تميم الأثاثي)[13] .
ومن الشواهد القرآنية التي قلب فيها الثاء فاء:
(1) قوله تعالى: ﴿فادعُ لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثّائها وفومها. البقرة الآية 61.
(2) قوله تعالى: ﴿حتىّ إذا جاء أمرنا وفار التنور هود الآية 41.
(3) قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور المؤمنون الآية 27.
(4) قوله تعالى: ﴿كلما أُلقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور الملك الآية 27 0
وقلب الثاء فاءً تبرره القوانين الصوتية إذ إن مخرج الثاء مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا فهو صوت أسناني وهو أيضاً رخو مهموس أما الفاء فمخرجه من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا فهو شفهي أسناني، وهو كذلك رخو مهموس، فالصوتان إذن متجاوران مخرجاً متحدان صفةً، ولذا وردت في العربية على اختلاف عصورها كلمات كثيرة اشتركت كل كلمتين في هذين الصوتين مع اتحاد مضمونها.
ومن الكلمات التي حدث فيها إبدال بين الثاء والفاء وأبدلت الثانية من الأولى: الثروة والفروة بمعنى كثرة العدد من الناس والمال، وثم وفم، وهو حرف عطف يفيد التراخي، والحفالة والحثالة أي الرديء من كل شيء، وقد حوت كتب الإبدال طائفة من هذا الصنف [14] .
ويقول: كانتنيو: إن قلب الثاء فاءً قد ثبتت صحته ثبوتاً، وإنه كثير في العربية سواءً كان في الماضي أو في عصرنا الحاضر[15] .
ولم يقتصر هذا التبادل على عصور الإحتجاج العربية بل استمر حتى عصرنا الحاضر ففي القرن الخامس الهجري لاحظ إبن مكي الصقلي (ت 501 هـ) أن أهل صقلية كانوا يقولون فم بدل ثم، وأفرم بدل أثرم (وهو الذي انكسرت ثنيته)[16] .
وفي منطقتي المكلا والشحر وما حولها شرقاً على ساحل حضرموت في جنوب اليمن ينطقون الثاء فاء فيقولون: (فلافه وفلافين، وفوم، وتحدف) بدلاً من (ثلاثة وثلاثين، وثوم، وتحدث)[17] .
ومن جهة أخرى يذكر العالم الفرنسي كانتنيو أن عدداً من سكان التل البدو في مستغانم في المغرب العربي يبدلون الثاء فاءً نحو قولهم في ثاني: فاني[18] .
وبعض العوازم بمن فيهم سكان ثاج الحاليين يستعملون كلمة فاج، ويلاحظ أن بعض سكان تلك الجهات يبدلون الثاء فاءً ولهذا بعضهم يقول: (فاج)[19] .
والناس في الوقت الحاضر قد مالوا إلى هذا القلب أو الإبدال بحيث لو قال شخص (فلافة) مثلاً لعابوه وعدوه همجياً، حتى المتقدمين في السن والعجائز فقد ساير معظمهم التيار، ولم يبق منهم إلا فئة قليلة لا تكاد تذكر، وفي كلمات لم يتنبه الناس إلى أصلها الثائي، أو تلك التي لا يجد ناطقها غضاضة أو حرجاً من نطقها بالفاء.
وقد أحدث هذا التهكم والانتقاد ردة فعل عند عوام الناس وأنصاف المتعلمين، والمتشدقين منهم بالتمدن والحداثة على وجه الخصوص، حتى بالغ كثير منهم إلى حد نطق ذات الفاء بالثاء، توهماً منه أن نطقها بالثاء هو الصحيح ويخشى في قرارة نفسه أن يكون محل سخرية أو يعد متخلفاً، أو (ألوچ)كما يسمى في بعض القرى، بل ربما أصر على أنها بالثاء فعلاً وأن نطق الناس لها بالفاء غلط، ولهجة ركيكة، فتراه يقول: (ثوق، ثانيلة، يوثر، كثاثة سكانية، ثمان الله، محدوث)؛ وهو يريد: فوق، فانيلة، يوفر، كثافة سكانية، في أمان الله، محذوف. بل ربما عاب على من ينطقها بالفاء وسخر منه وألزمه بنطقها بالثاء وما هي كذلك، فكان كمن ضيع المشيتين مثل الغراب.ومن الشباب من استمرأ نطق ذات الثاء بالتاء استلطافاً منه لنطقها بالتاء على طريقة بعض الإخوة العرب من السوريين والمصريين، فضحى بالأصالتين أصالتها العامية النابعة من الفصحى، وأصالتها الفصيحة نفسها، طمعاً في السلامة من الإنتقاد وما أظنه بسالم، بل لا أظنه يجهل ذلك[20] .
قلب الذال دالاً، أو ضاداً
الذال في اللهجة كانت معدومة تماماً، ولم نكن نجد من يحققها إلا ذوي الانتماءات القبلية المتقدم ذكرهم، وعليه فإن كل ذال فيها تقلب دالا، ويكاد هذا القلب أو الإبدال يصل إلى حد الإطلاق.
وقد وردت في المعاجم وكتب الإبدال، وورد في لحن العامة قبل القرن السادس الهجري كلمات بالدال هي ذال في الأصل، فمما ورد في اللسان (عدف) قال أبو حسان: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: ما ذقت عدوفًا ولا عدوفة، أي شيئًا من الطعام. قال: وكنت عند يزيد بن مزيد الشيباني، فأنشدته بيت قيس بن زهير:
ومجنبات ما يذقن عدوفةً
يقذفن بالمهرات والأمهار
بالدال. فقال لي: صحفت أبا عمر، إنما هي غذوفة، بالذال، فقلت له لم أصحف أنا ولا أنت، تقول ربيعة هذا لحرف عذوفة بالذال، وسائر العرب بالدال[21] .
وكان عامة صقلية في القرن لخامس الهجري يوقولن لضرس الحلم (ناجد)، ويقولون: حتى بدت نواجده، وذلك بدلاً من ناجذ، ونواجذ، وكانوا بقولون لأصل الشجرة جدر، والصواب
صواب جذر، وكانوا يقولون جبد الحبل وغيره، والصواب جبذ، وجذب، وكانوا يقولون: بقيتمدبدبًا أي حائرًا لا أدري ما أعزم عليه، والصواب مذبذبٌ[22] .
أما قلب الذال ضادًا فلم نجده إلا في كلمات ثلاث وتفريعاتها وهي ذخر، وذوق وذكر فإن الذال فيها تبدل ضادا فنجد في ذخر: (ضخر، ضاخرنَّه، مضُّخرنه، اضَّخرته، مضيخر (لقب علم في الملاحة من القطيف). وفي الدعاء الذي يقوله الشخص في مقام الشكر لمن عرض عليه مساعدته بقوله: (حاجة غرض)، أو(ما نستغني الله يجعلك - يخليك - ضخر). والأصل على التوالي: مذخور، ذاخره، مذّخره، اذّخرته، مْذيخر، وفي ذوق نجد: (ضوق)، وفي القول السائر: (شي إسمه الضوق القشر من داخل واللجم من فوق)، وضاق، وضوقه، وفي المثل السائر: (ما ضاقتها حرْه وتعود)، و(طبّاخته ما ضاقته)، وضايق، وفي التعبير السائر: (فلان ضايق المر)، والأصل ذوق، وذاق، وذاقتها، ذاقته، ذائق.
وفي ذكر نجد: ضُكر، وضكر (عكس المؤنث)، وضْكاره (جمَعُهُ)، وضُكَّار أو ضِـچـار (في لهجة بعض القرى، وهو مصطلح فلاَّحي يطلق على حالة من حالات ثمر النخلة)، وضكر، وضكرني، وضاكر، ضاكرنه، مضكور، وفي القول السائر: (كل واحد مضكور بفعله)، اضكر، يضكر، وفي التعبير السائر: (فلان مايضكر المعروف)، والأصل ذكر، ذكاره أي: ذكور، ذُكّار، ذكر، ذاكر، ذاكره، مذكور، إذكر، بذكر.
ولعل هذا القلب يراد به التفخيم، ونتيجة لاستقراء الكلمات التي قلبت فيها الذال ضاداً وجدت أن صيرورة هذا القلب مرتبط بمجيء الحرف الحلقية الثلاثة بعد هذه الذال مباشرة وهما حرفا الخاء والكاف كما في: ذكر، وذخر، أو بفاصل كما في ذوق فالحرف المؤثر في اللهجة هو القاف أو الكاف المبدلة منها أما الواو فغير معتدٍ بأثرها، كما وجدْتُ هذا التفخيم أو بالأحرى القلب بالفضل قولهم: (الله يجعلك ضرا عن العرا)، أي: يجعلك ذرا عن العراء، وفي كلمة ضراع والأصل: ذراع، وقد سمعتها من بعض أهالي الأحساء، فالراء هنا لها أثرٌ عندهم.
والناس في الوقت الحاضر، ولاسيما الشباب من أبناء هذا الجيل، مالوا إلى ترك هذا القلب أو الإبدال، فكادت الذال تعود في كلامهم دالا مطلقا، فلم تعد تسمع شيئا مما سبق ذكره من الكلمات إلا ما شذَّ ونذر، أو على سبيل الرواية والمحاكاة لمن سلف، فلا تكاد تسمع غير: دخر، إدخار، دكر، دوق، أما الذين كانوا يقلبونها ظاءً فليس معنى ذلك بالأصالة، بل لأن الضاد تنعدم في لهجتهم فكل ضاد عندهم تقلب ظاء، فالضاد والظاء عندهم بمنزلة واحدة، كما في مدينة سيهات بخلاف بقية نواحي القطيف.
قلب الشين سيناً
بعد الإستقراء والتتبع وجدت أن الكلمات التي تقلب شينها سيناً محصورة بالكلمات التي يأتي فيها بعد الحرف المقلوب مباشرة جيماً فصحى أو جيماً فارسية مثلثة النقط أي (الـچـاء) كما في كلمة (سـچين) التي أصلها سكين، أو بفاصل حرف أو أكثر، وفيما يلي طائفة من الكلمات التي قد تنطق شينها سيناً:
سجره، وسجر أي: شجرة، وشجر.
سجاع، وسجاعه أي: شجاع وشجاعة.
لسويـچـه أو السويـچـه أي الشويكة.
سـواچ وسواچـات أي: شواك وشواكات وهو شريط شوك النخل.
سلـچ وسلوچ أي سلك وسلوك بنفس المعنى السابق.
مسباچ، أي مشبك وهو عصا طويلة تنتهي بسيخ معطوف تستخدم لقطف الثمار.
سباچ أي الشباك الذي يوضع على أضرحة الأولياء، وفي القول السائر: (أعمى ولزم سباچ الكاظم.
سبـچ بمعنى شبك وهي الوسيلة المستخدمة لصيد الطيور عدتها سفرة من الخوص وخيوط أو شعر ونحوهما، ونطقت سبت محركة التاء وهو نادر.
سبـچ عليه بمعنى شبك عليه بأصابعه أو بيده مثلاً.
مسابَـچ من ألعاب القوت اليدوية وأصلها مشابك وتسمى أيضاً معاصر
وسج ووسيج أي وشج بمعنى تغلغل ورسخ ومعنى الكلمة الثانية عروق الشجرة الممتدة المتغلغلة في التربة.
أما كلمة سجرة وسجاعة فقد أصبح قلب شينهما سيناً الآن عند الناس يعد لهجة ركيكة همجية، بحيث لو قال شخص سجرة مثلاً لتهكموا عليه وعابوه بقولهم: (ويش هو سجره ؟! قول شجرة) مع أن بقية الكلمات التي سبق ذكرها مثلها، ويبدو أنهم قد تنبهوا إلى أن أصل الكلمتين بالشين وليس بالسين، ولم يتنبهوا للبقية الباقية. وهذا القلب فيما يبدو هو نوع من ترقيق الحروف بقلبها إلى حروف مهموسة أقل منها قوةً، وليس معنى ذلك أن كل كلمة اشتملت على شيناً وجيماً أو جيماً فارسية مثلثة النقط تقلب فيها الشين سيناً بل هو مقتصر على كلمات مسموعة ومحفوظة.
قلب الصاد سيناً
يقلب الصاد سيناً في كلمات ناذرة و مسموعة كما في كلمة صدر التي تنطق سدر و هي تستخدم غالباً لغير الإنسان و منه القول السائر (و صدر الحوض الزراعي كما في القول السائرر إنقلبت لسافل سدور).
الطاء و الدال تتعاقبان في بعض الكلمات كما في كلمة (صدح) التي أصلها سطح، وكلمة (طعس) التي أصلها دعص و هو الكثيب الرملي.
حرف القاف و إبدالاته المتعددة
لم يتعرض حرف من الحروف الهجائية في اللهجة الدارجة للإبدال مثلما تعرض له هذا الحرف، ففي الوقت الذي يقتصر فيه إبدال حرف مكان حرف نجد أن لهذا الحرف إبدالات كثيرة و لا يأتي بعده إلا حرف الكاف، و في ما يلي ذلك:
أبدال القاف جيماً
و هي ليست ظاهرة عامة، و إنما تعرف طريقها إلى لهجة بعض من بيدلون الجيم ياءً مثل سيهات و دارين و الزور، و في مواضع محدد ة منها كما سيرد لاحقاً، و لا تعرفها لهجة البقية.
قاعدة إبدال القاف جيماً:
تكاد الكلمات التي تبدل قافها جيماً تكون معدودة و محفوظة حفظاً سماعياً، لكن لا يمنع أن تكون هناك أسبابً و قرائن تختفي وراء هذه الظاهرة، و من خلال التتبع و الإستقراء لمجمل الكلمات التي أبدلت قافها جيماً وجدت أن الأسباب تكمن في ما يلي:
أن يسبقها ياء كما في: (صديـق) و (طريـق).
أن يسبقها حرف مكسور كما في: (صادق) التي صبحت بعد الإبدال (صادج)، ثم أدغمت الدال في الجيم فصارت (صاج) (تشديد الإذغام يظهر عند الإضافة).
أن يسبقها حرف ساكن و مخرج السكون مائلاً نحو الكسرة كما في حلق و غلق و قرقور.
أن يسبقها حرف ساكن قبله حرف مكسور كما في: (صدق) و (عدق)حيث تصبحان بعد الإبدال: (صدج) أو (صج) لإدغام الدال في الجيم كما في سابقه.
 أن تكون القاف نفسها مكسورة كما في (قد تكون القاف نفسها ليست مكسورة في الأصل لكنها تنطق في لهجة هؤلاء القوم مكسورة أو مائلة نحو الكسرة، فلما صارت كذلك دخلت في هذا الباب أو لحقها ما يلحق غيرها من باب المماثلة كما في (گلينه) التي تنطق في لهجتهم (گلينه).فما كسرت أبدلت جيماً.
إبدال القاف صوتا مزدوجاً على نحو من نطق الجيم المشربة بصوت الزاي، أو صوت الدال المتداخل مع صوت الزاي، و هو صوت ليس له مقابل في حروف الهجاء العربية، و قد رمز له الدكتور أحمد محمد الضبيب بالرمز جـ ً، و وصفه بقوله صوت مزجي متحول عن ق قريب في النطق من الصوت (dz).
و هذه الظاهرة موجودة في لهجة أهل الكسكسة الآتي ذكرهم، و في نفس المواضع التي يبدل فيها أهل الجيم ياءً تقريباً فيقولون مثلاً (دزليب) أي جليب في لهجة أهل الجيم ياء و قليب في اللغة الفصحى.
إبدال قاف الكلمة كافاً
و صف سيبويه مخرجي القاف و الكاف بقوله: (و من أقصى اللسان و ما فوقه من الحنك الأعلى مخرج القاف، و من أسفل من موضع القاف قليلاً و مما يليه من الحنك الأعلى مخرج الكاف).[23] 
وقال ابن يعيش و القاف و الكاف من حيز واجد فالكاف أرفع من القاف و أدنى إلى مقدم الفم و هما لهويان لأن مبدأهما من اللهاة.[24] 
ويقال قهرته و كهرته أكهره كهراً، و نقل ابن السكيت عن الفراء أن بني غنم بن دودان من بني أسد تقول فلا تكهر، ونقل أبو الطيب عن ابن السكيت أن بعض الأعراب قرأ (فأما التيم فلا تكهر)، و في اللسان الكهر الأنتهار و كهره و قهره بمعنى واحد، وفي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (فأما اليتيم فلا تكهر) و في حديث معاوية بن الحكم السلمي أنه قال: (مارأيت معلماً أحسن تعليماً من النبي  فبأبي هو و أمي ما كهرني و لا شتمني و لا ضربني).[25] 
و مما تبادلت فيه القاف و الكاف قولهم قشطت الكتابة عن القرطاس قشطاً و كشطها كشطاً. قال الفراء و قريش تقول كشطت و قيس و تميم و أسد قشطت و في مصحف عبد الله بن مسعود (قشطت).[26] 
و قال أبو عمرو يقال عربي كح و إعرابية كحة، قال أبو زيد يقال إعرابي قح و أعراب أقحاح أي محض خالص.
و مما يروى أن المأمون خرج متفرداً فلقي إعرابياً فقال له: ما أقدمك؟، قال: الرجاء لهذا الخليفة، و قد قلت أبياتاً أستمطر فضله، فقال أنشدنيها، فقال: ياركيك أو يحسن أن أنشدك ما أنشد بين يدي الملوك ؟، و بينما هو كذلك إذ أحدقت الخيل بهما و سلموا على المأمون بالخلافة، فعلم الإعرابي أنه وقع، فقال: يا أمير المؤمنين أتحفظ من لغات اليمن شيئاً ؟، فقال: نعم فقال فمن يبدل القاف كافاً قال بنو الحارث بن كعب، فقال: قبحها الله من لهجة، لا أعود لها بعد اليوم، فضحك المأمون.[27] 
وهذه اللهجة تنسب إلى بني الحارث بن كعب،
وقد ذكر الدكتور عبد العزيز مطر أما الكاف التي تنطق بدل القاف في لهجة سترة فهناك أمثلة كثيرة على النطق بها مقابل القاف.
وكانت هذه الظاهرة سائدة في عدد من نواحي الواحة مثل القديح و التوبي و الخويلدية، و قد أخذت هذه الظاهرة في الإنحسار، و لم يبق لها إلا بقايا بين بعض المسنين نظراً للأنفتاح والأخذ بأسباب العلم و اختلاط أهل هذه النواحي بغيرهم، و السبب الرئيسي في تلاشي كثير من الظواهر اللهجية و منها هذه الظاهرة، هو تعرض الآخذ بها إلى الإنتقاد من قبل أنصاف المتعلمين من يدعون التمدن.
والشويكة (لسويجة) بلهجة العامة التي تقع إلى الجنوب من القلعة حاضرة القطيف و تبعد عنها بمسافة كيلو متر واحد يوم أن كانت قرية منعزلة و مسورة و تحيط بها النخيل من جميع الجهات كانت لها لهجتها التي تتميز بها و كانت هذه الظاهرة من أبرز الظواهر فيها بالإضافة إلى تحقيق حركة الحرف السابق لحرف المد أو العلة.
و هذا الكلام عن زمن ليس ببعيد، و ربما جدي لأبي قد أدركها في مقتبل عمره، و مما يؤثر عنه هذا الحديث لأحد أبناء هذه القرية: هي كعدتي نص ليل لو ربع ليل لو فلف ليل، ما كعت إلا و راسي طاك على الغليون، و ين باروح و ين باروح ؟ رحت بيت فتيته، و الا هْنا جميره مالة عريك رمان، و حريركه في الراس مكليه و آخد ديك لجميرة و احطها على ديك لحريريكه و أجدب جدبه و الفانية و أبزك في وزاري.
و المعنى قعدت من نومي (ذات ليلة) و لكني لا أدري هل كان (وقت) قعودي منه (في تلك الليلة) هو نصف الليل أم ربعه أم ثلثه، و ما استيقظت إلا و رأسي (كان) يحن إلى النارجيلة، إلى أين ساذهب إلى أين ساذهب (فقر رأيي) أن أذهب بيت فتيتة (أسرة فيها)، و إذا هنا جميرة (تصغير جمرة) عريق (تصغير عرق: جذر) رمان و حريريقة (تصغيرحراقة: تتن محروق) في رأس النارجيلة، فقمت بوضع تلك الجميرة على تلك الحريريقة و بعد أن أخذت نفساً و أتبعته بالثاني بزقت (أحدثت) في إزاري أبوها (للتعجب و الأندهاش و الأصل إلعن أبوها أو يا أبوها).
و مما يؤثر عن أحدهم في وصفه لأحد رجالات القرية و يدعى محمد بن قاسم (محمد ابن كاسم ظْفر لكن بلاه الكصر) أي محمد بن قاسم رجل ظَفِر مجرب في الأمر صاحب حنكة و لا عيب فيه إلا قصر قامته.
و يذكرون تأهب رجال القرية لصد هجوم مرتقب و قد غدا المتأهبين للحرب يتفقدون شجعانها و سراتها، و يسأل سائلهم عنهم واحداً واحداً بقوله: وين بن عباس ؟ كال كلط، وين بزبوز ؟ كال كلط، و ين بن عركان ؟ كال كلط و ين خْليتيت ؟ كال كلط، و معنى كلط هنا (گلط بلهجة الحاضرة) أي تقدم إستعداداً للهجوم، و ابن عركان هو ابن عرقان بالقاف الفصحى و عركان بالـگاف التميمية.
و كانت هذه لهجتها فلما اتصلت بما اتصلت من القرى المجاورة التي تشكل مع الحاضرة الكتلة السكانية المركزية في الوقت الحاضر زالت عنها لهجتها فاتخذت لهجة هذه الكتلة السكانية لهجة لها و سقطت من لهجتها هذه الظاهرة فمالت إلى ظاهرة أخرى و هي النطق بالـگاف التميمية.
و نكاد تستشف أثراً لهذا الظاهرة في بعض قرى تاروت فيما مضى من خلال القصة التالية التي يرويها المعلم الشاعر الملا يعقوب الهاجري التي يذكر فيها بدايته مع المعلم في أو ل عهده به عند ما كان صغيراً يقول: كنت أتعلم عند المعلم الملا علي المسيري ما أدري ويش اللي حصل، طلعوني من عنده و حطوني عند حجي سلمان العقيلي
شاهدنا في هذه القصة قول أم الحاج سلمان: (سلمان في العزيه يكرا يابتي)، و قولها: (و خلينا ملبكين في ملافينا كيض الكياض)، لاحظ الكلمات: يكرا، و ملبكين، و كيض الكياض، تجد أن أصلها في باقي نواحي الواحة: (يـگرا، و ملبـگين، و گيض الـگياض)، في لهجة بقية نواحي الواحة، و (يقرأ، و ملبقين) أي (مستقرين)، و (القيظ القياظ) أي الصيف شديد الحرارة في اللغة.
لكن لا نستطيع أن نجزم بوجودها جزماً قاطعاً إلا بعد أن تحقق من شيوعها في لهجة بقية سكان هذه القرية فلربما تكون هذه المرأة من غير سكانها أصلاً و إنما هي من قرية من القرى التي عرفت عنها هذه الظاهرة، أو نعرف أن هذه المرأة من سكان هذه القرية أصلاً حتى يمكننا أن نتخذ كلامها شاهداً على وجود هذه الظاهرة في القرية المذكورة.
أما القرى التي تقدم ذكرها قبلها فهي أقرب منها في الفترة الزمنية إلى الزوال، و قد أدركنا أهلها و نحن صغار يتكلمون لهجاتهم الخاصة بهم و ينطقون القاف كافاً، أما الآن فقد اتحدت لهجتهم بلهجة الكتلة المركزية و لم يبق لها بقايا إلا في صدور المسنين أو في الكلمات التي لم يتنبهوا لأصلها فإذا علموا أن أصلها بالقاف لم ينطقوها إلا بالـگاف التميمية، و صعب على غير المتمرس أن يميز أهلها من غيرهم.
و قد تستغرب من وجود بعض الكلمات في لهجتهم بالـگاف التميمية في حين أنها معدومة بالأصل منها، و في حين أنها في لهجة أهل بالـگاف التميمية بالكاف الفصحى أو الجيم الفارسية المثلثة النقط (چـاء) مثل كلمة: لكحل و مكحل و كبوس و سيكل و كبس (چ بس) (بلهجة أهل بالـگاف التميمية)، التي ينطقونها: لـگحل و گبوس و سيـگل أو صيـگل و گبس، و في رأي أنهم لما جعلوا الكاف مكان القاف احتاجوا لأن يجعلوها چاءً تارة و گافأ تميميةتارة أخرى.
و ليس معنى هذا أن الكاف المقامة عندهم مكان القاف معدومة تماماً من لهجتهم فكاف الخطاب للمذكر موجودة فيها ينطقونها كما هي في الفصحى و بقية لهجة نواحي الواحة، و لا تكاد تنعدم إلا في لهجة قرى البحرين التي تسود في لهجتها هذه الظاهرة فالكاف فيها حتى لخطاب المذكر چاء، فهم يقولون (أكول لــچ)، (نلكاچم بخير)، يريدون بذلك (أقول لك)، و (نلقاكم بخير).
و مثل هذه الظاهرة موجودة في لهجة سترة و لعكر و ما شابهها في لهجتها من قرى البحرين و لكنها آخذة بالزوال بسبب العارض الذي عرض للهجة في القطيف.
و لازالت هذه الظاهرة في بعض بلدان الضفة الغربية من فلسطين مثل: نابلس و طولكرم و جنين و قلقيلية (حسب إفادة الزميل يوسف عطية أبو رضوان)، و لازالوا ينطقون بها حتى هذه الساعة و لا يستعرون منها و يأخذون بها حتى عند قراءتهم للنصوص العربية الفصيحة، غير أن الكاف هذه في لهجة هؤلاء القوم مشربة بصوت القاف قليلاً.
مما يذكر أن الأخ جعفر على مرار قد سافر ذات مرة إلى سوريا و اجتاز في طريقه إليها بالأردن فعرض له عارض من مرض فدخل على طبيب في البلدة المجتاز به فتلقاه المسؤول في العيادة بقوله: كُصْها و اكْعُد، أي: (أقطع تذكرتك و استرح حتى يأتي دورك)، فقال في نفسه متعجباً: (في وينه أنا ؟ چني في لـگديح على زمن لَوَّلْ مارحت محل لايلاهَ الا الله بالضبط !!).
و قد قال لي ذات مرة زميل فلسطيني معي في العمل: (عمي سيد كول للزلمه اللي كاعِد في الكُرنه يْكوم من مكانُو).
إبدال القاف كافاً تميمية أو فارسية
الـگاف الفارسية هي عبارة عن كاف يوازي ذيلها خط و تسمى أيضأ التميمية و هي من الأصوات المزدوجة، (و هي حرف بين القاف و الكاف و هذا لم يذكره سيبويه في كتابه بين الحروف المتفرعة، و لكن ذكره ابن فارس في فقه اللغة فقال فأما بنو تميم فإنهم يلحقون القاف باللهاة حتى تغلظ جداً فيقولون القوم فيكون بين الكاف و القاف و هذه لغة فيهم، و قد قال مثل ذلك ابن دريد قال الشاعر:
و لا أكول لكدر الكوم كد نضجت
و لا أكول لباب الكوم مكفول
يريد كل ذلك القاف. [28] 
و يسميها السيرافي (ت 368 هـ) المعقودة و كانت هي الشائعة أيام أبي حيان (745هـ)، و ابن خلدون (ت 808 هـ)[29] ، و يروي ابن القوطي في كتابه (تلخيص الآداب) أن الشاعر علي ابن المقرب المتوفى سنة 617 هـ كان يعقد القاف كافاً[30]  قال أبو حيان في ارتشاف الضرب: و هي الآن غالبة في لسان من يوجد في البوادي من العرب حتى لا يكاد عربي ينطق إلا بالقاف المعقودة لا بالقاف (الخالصة الموصوفة في كتب النحويين و) المنقولة على وضعها الخالص على ألسنة أهل الأداء من أهل القرآن [31] .
و أول ما يتبادر إلى الذهن إذا أردنا أن نعرف مكانة الصورة التميمية تاريخياً أنها هي القدمى لأن ذلك يتفق و طبائع الأمور إذ أنها الصورة الأكثر شدة من الثانية، و التخفيف يتناسب و اللغة المشتركة المنتقاة، و مما يؤيد ماذهب إليه ابن خلدون من أنها لغة مضر الأولين حثي يقول (فإنهم لا ينطقون بها من مخرج القاف عند أهل الأمصار كما هو مذكور في كتب العربية بل يجيئون بها متوسطة بين القاف و الكاف و هي موجودة للجميع أجمع حيث كانوا: من غرب أو شرق حتى صار ذلك علامة عليهم بين الأمم، ثم يقول و هذه اللغة لم يبتدعها هذا الجيل، بل هي متوارثة فيهم متعاقبة، و يظهر أنها لغة مضر الأولين و لعلها لغة النبي  بعينها. [32]  أما موقف القرشيين بصفة عامة و النبي و أصحابه بصفة خاصة من هذا النطق فأمر يحتاج إلى تحقيق.[33] 
و ما زالت هذه الصورة هي السائدة اليوم، نجدها مثلاً في معظم أنحاء الجزيرة العربية و ينطقها التميميون المقيمون في و سطها و شرقها عدا عمان، و نجدها في صعيد مصر.[34] 
و باستثناء المواضع المتقدم ذكرها كنطق القاف غيناً أو جيماً فصحى أو جيماً مجزجزة (مشربة بصوت الزاي dz) أو قافاً فصحى فإن إبدال القاف كافاً تميمية أو فارسية من الظواهر الواسعة الانتشار في لهجة الواحة كما في غيرها فهو الحرف الريئس الذي حل محل القاف الفصحى أو بالأحرى الذي بقي يتوارث إلى الآن و حتى بعد استقرار القاف الفصحى في اللغة المشتركة و اعتبر هذا الحرف غريباً عنها ليس له محل بين حروفها الهجائية و هذا ما نستشفه من كلام اللغويين المتقدم ذكرهم.
و زاد نطاقه اتساعاً تحول القرى المتقدم ذكرها عن إحلال الكاف محل القاف الفصحى الى الكاف التميمية الموجودة في لهجة أغلب نواحي الواحة بعد تخليها عن لهجاتها التي كانت سائدة فيها من قبل[35] ، وارتضائها لهجة الغالبية لهجة لها.
إبدال القاف غيناً
و مثل هذا حاصل في اللغة الفارسية حيث تلفظ الغين غالباً قريباً من قاف، و القاف قريباً من غين.
وهي ظاهرة صوتية منتشرة بين أوساط أهل سيهات و بعض أهالي دارين و الزور و عنك، فيقولون الغرآن الكريم و غال الرسول و النغل الجماعي بمعنى القرآن الكريم، و قال الرسول، والنقل الجماعي، و هذه موجودة عربياً في السودان و الكويت و قطر و غربي الصحراء، و ذلك لأن صوت القاف قريب من مخرج الغين، إلا أن صوت الغين إحتكاكي مجهور و القاف إنفجاري مهموس، و هذه الظاهرة تقترب من الزوال في مناطق القطيف، و هذا النطق محصور على المواضع التي يريدون أن ينطقونها قافاً فصحى كما ينطقها أهل إبدال قاف كافا تميمية. و هي موجودة في كثير من قرى الأحساء، و قرى البحرين مثل المحرق و قلالي. فيما يروى أن أحدهم سأل رجلاً من هذا العلم ممن تشيع في لهجتهم هذه الظاهرة و ربما كان يقصد التأكد من وجودها: (أحقاً أنكم تقلبون القاف غيناً، و الغين قافاً) فأجابه هذا الرجل بلهجة الغاضب: (أستقفر الله من يغول ذلك ؟) يريد: (أستغفر الله من يقول ذلك ؟)، و قد أراد أن ينفي وجودها في لهجته، فسبقته سليقته التي فطر عليها فأثبتته.
نطق القاف قافاً
أما نطق القاف قافاً كما هو الحال في الفصحى فيقتصر على الكلمات التي فيما لو نطقت بغير ذلك لتغير المعنى و المقصد، أو فسد رونق و بهاء الكلمة، لكون الكلمة تنطق كما لو كانت عند قراءتها في الفصحى فنقلت و توورثت بصورتها الأصلية، و تعارف الناس على نطقها كما نقلت من مصدرها، بحيث لو قال شخص مثلاً (الـگرآن)، أو (الـگدر) بالـگـاف الفارسية لعابه الناس و قالوا له: (گول (القرآن) و (القدر)، و لا يفعل ذلك إلا ذوو الأصول الموغلة في البداوة.
أما عوام الذين يبدلون القاف كافاً مطلقاً في لهجتهم، ويتعذر عليهم نطقها قافاً فصحى فيجعلونها كافاً فيقولون (الكرآن)، و قد يتعدى الأمر إلى القراءة و الذكر في الصلاة فلربما قرأ: (إهدنا الصراط المستكيم)، و (كل هو الله أحد) بالكاف، بل حتى عوام الذين يبدلون القاف گـافاً فارسية في لهجتهم خارج القراءة في الفصحى فهم مثل عوام الذين يبدلونها كافاً في هذه الحالة أي أنهم يقرءون القاف في الفصحى كافاً مثلهم بإستثناء الذين يبدلون القاف التي يريدون نطقها قافاً فصحى بالغين و قد تقدم ذكرهم في ظاهرة أبدال القاف غيناً.
أما من لا يميز بين ذات القاف و الكاف من عوامهم فقد يضطره الأمر إلى الخلط بينهما، و ربما نطق ذات الكاف بالقاف فقال: (القعبة)، وهو يريد (الكعبة) ظناً منه أن الثانية عامية و الأولى هي الفصحى.
و من الكلمات التي تنطق قافها قافاً فصحى ما يلي:
* القرآن كتاب الله المجيد وكذا قرائين جمعه، فقه فقيه، لا تتفقه علينا، (القهار، القيوم)، من أسماء الله الحسنى، (القيومي) أي سادن المسجد، قد قامت الصلاة، (حقاً حقاً) أو (حق) التي تقال في مقام الجواب أو التعقيب على من قال: (لا إله إلا الله)، (ليلة القدر) الليلة المشهورة المباركة من ليالي شهر رمضان المبارك، (قدس الله نفسه (سره) دعاء للعالم المتوفى، و كذا كلمة (مقدس)، قدس له في اللهجة لعنه لعناً وبيلاً (على المفارقة) أي عكس اللفظ. (سقر) من أسماء جهنم؛ (فسق، فاسق، فِسْق)، (حقير) بمعنى دنيء أو وضيع، (فقير).
* (القاسم) (اسم الابن الأكبر للنبي محمد  الذي يكنى به) فلا يقال للنبي  أبو الـگـاسم أو أبو الجاسم)، أو (أبو قاسم) بدون أل التعريف، أو (أبو گاسم) و لا (أبو جاسم) و حتى لا تنصرف الكنية منه إلى غيره، (الباقر) لقب الإمام محمد بن علي بن الحسين  و كذا (باقر، و عقيل) إسما علم، فلا يقال (باگر)، أو (عـگيل) بالـگاف التميمية أو الفارسية، (الصادق) لقب الإمام جعفر بن محمد ، فلا يقال: (جعفرالصادگ) حتى لا يظن السامع أنك تعني غيره، (القائم) لقب الإمام المهدي المنتظر .
* (القدس أو بيت المقدس) عاصمة فلسطين، (القاهرة) عاصمة جمهورية مصر العربية.
* قانون، و قوانين (جمعها).
* قسطرة.
ومن الكلمات الموجودة في اللهجة المستعارة بلفظها من اللهجات الأجنبية مثل التركية و غيرها التي يوجد فيها صوت القاف الفصحى:
* (قائم مقام) كلمة تركية من أصل عربي تعني نائب السلطان أي من يقوم مقامه في حكم منطقة معينة، و كذا (المقام) أي المكان أو المكانة و المنزلة؛ (قرصاغ) كلمة تركية كانت تستخدم قديماً بمعنى استعداد أو استطاعة أو مقدرة
* (قندهار)، (قم)، (سمرقند) أسامي بلدان، الأولى في أفغانستان و الثانية في إيران و الثالثة عاصمة جمهورية أوزبكستان.
* (قاورما، قيما، مقرازي) أسماء أكلات محلية، (قند) سكر معقود على شكل مكعبات صغيرة أو مخروط.
* (قرابية) قارورة كبيرة لحفظ ماء المطر و مياه الأوراد و الأعشاب المصعدة.
* (قاو) لقب أسرة تسكن القلعة حاضرة القطيف.
أما الكلمات مثل: (صادق) عكس (كاذب)، و (الصادق) لقب أسرتين الأولى تسكن صفوى، و الثانية تسكن تاروت و الشويكة فتنطق قافها كافاً تميمية، فلا يقال: (جعفر الصادق)، مثلاً بل يقال (جعفرالصادگ)، حتى لا يظن السامع أنك تعني (الإمام جعفر الصادق) بعينه.
و قد تجد بعض الكلمات التي تنطق على صورتين عند من يبدلون القاف كافا تميمية أو فارسية أي بالقاف الفصحى و الكاف التميمية و لكن نطقها بالقاف مفضل على الثانية لأنها أكثر لباقة، و من هذه الكلمات:
* (قواحمد) لقب أسرة تسكن أم الحمام، و سيهات، و عنك من القطيف.
* (شرف الله قدرك)، (عز الله مقامك)، (قليل)، (قصدير)، (صادق) إسم علم.
* القارئ أي الخطيب التي يفضلها الأغلب بالقاف الفصحى حتى لا تلتبس ب (الـگاري) و هي كلمة هندية و كافها أصلية في لغتها و تعني العربة التي يجرها الحمار.
و مما يحسن التتبيه إليه أن الباحث الأستاذ جعفر محمد العيد عندما استشهد ـ لنطق القاف گافاً تميمية في اللهجة ـ بموال الشاعر الشعبي عيسى بن محسن الذي مطلعه: (ياخوي أنا مبتلي و ا لـگ لب شارب قهر)، علق بقوله: (والملاحظ أن الشاعر قلب القاف التي بعد أل التعريف و لم يقلب القاف التي في أول الكلمة و ذلك حسب ما قاله بعض الرواة و كتبوا سماعياً)[36] ، و فات الأستاذ الباحث أن كلمة (قهر) و تقريعاتها من الكلمات التي تنطق في اللهجة كما نقلت بصورتها من الفصحى أنى وجدت، شأنها شأن الكلمات، التي مر ذكرها و لا تتأثر بكون قافها واقعة في أولها أم كانت في غيره، بعكس كلمة قلب التي لا تنطق إلا با لـگاف التميمية أنى وجدت.
الكسكسة
الكسكسة هي عبارة عن إشراب صوت السين بصوت التاء، هو من الأصوات التي ليس لها مقابل في حروف الهجاء العربية، و قد رمز له الدكتور أحمد محمد الضبيب بالرمز كـ ئ، و وصفه بقوله: (صوت مزجي يقابل ك في بعضاللهجات قريب في النطق من الصوت ts)[37] .
ويعزى هذا اللفظ إلى قبيلة بكر كما يعزى إلى هوازن، و عن الفراء أنه في لغة ربيعة و مضر، و في القاموس المحيط أن الكسكسة لغة تميم لا لبكر[38] .
واختلف اللغويون في تحديد المقصود بالكسكسة فذهب إلى أن قوماً من بكر يبدلون من الكاف سيناً، و لكن أكثر القبيلة لا يجرون هذا الإبدال على الكاف و إنما يتبعون كاف المؤنثة في الوقف سيناً؛ يقول المبرد (و أما بكر فتختلف في الكسكسة فقوم يبدلون من الكاف سيناً…و هو أقلهم و قوم يبينون حركة كاف المؤنث في الوقف بالسين فيزيدونها بعدها؛ فيقولون أعطيتكس)[39] .
واقتصر بعض اللغويين على القول بان الكسكسة هي إبدال كاف المخاطبة سيناً، و اقتصر بعضهم على القول بأنها زيادة سين على كاف المخاطبة في الوقف[40] .
والأصل هذا في قول سيبويه: (و اعلم أن أناساً من العرب يلحقون الكاف السين، لبينوا كسرة التأنيث و إنما ألحقوا السين لأنها قد تكون من حروف الزيادة في إستفعل؛ و ذلك أعطيتكس و أكرمتكس فإذا وصلوا لم يجيئوا بها لأن الكسرة تبين)[41] .
و لا نكاد ندري شيئاً مؤكداً عن بيئتها قبل الإسلام بل حين نبحث عنها لا نعثر لها على أثر إلا في لهجة نجد، حيث ينطقون كلمة (عسكري) قائلين (عستسري)[42] .
و الظاهر أن الأمر الأول تفسير من اللغويين لما سمعوه و لم يستطيعوا كتابه إذ أن هذه الكاف لم تلحق بسين أو شين كما ظنوا و إنها تحولت إلى صوت من إصوات المزدزجة، و قد وصل العلماء في مقانتهم بالسنسكريتية باللغتين اليونانية و اللاتينية إلى قانون سموه قانون الأصوات الحنكية في أواخر القرن التاسع عشر، و لاحظوا أن أصوات أقصى الحنك كالكاف و الجيم الخالية من التعطيش تميل بمخرجها إلى نظائرها من أصوات أمامية، حين يليها صوت لين أمامي كالكسرة لأن صوت اللين الأمامي في مثل هذه الحالة يجتذب إلى الأمام قليلاً أصوات أقصى الحنك فتقلب إلى نظائرها من أصوات وسط الحنك[43] .
و هذا معناه أن الكاف المكسورة تتحول في هذه اللهجات إلى صوت مزدزج هو (تس)، و هذه هي الكسكسة، و هذه الصوت يوجد في الألمانية في مثل (ليبتسج Leipzig)[44] .
و ما تزال هذه الكسكسة بتلك الصورة حية في مناطق نجد من الجزيرة العربية فهم يقولون مثلاً (تسيف حالك) في (كيف حالك) [45] ، و للمرأة (تسيف حالتس) في كيف حالكِ.
و يشترك مع أهل نجد في هذه الظاهرة كثير من القبائل التي تسكن شرق الجزيرة العربية و منهم بنو خالد و الهواجر حاضرهم و باديهم، ومنهم الذين يسكنون النابية و عنك و أم الساهك و حزم صفوى من هذه الواحة حيث ينفردون عن بقية السكان الحضر و بعض أهل البادية بهذه الظاهرة.
و هذه الظاهرة تكاد تشرف على الزوال و لا سيما بين جيل الشباب منهم، فهم يحاولون أخذ عنان هذه الكاف إلى أصلها الفصيح، و لاسيما كاف الكلمة فتراهم في كثر من الأحيان يقولون: (كم و كيف) و يدعون: (تسم و تسيف) هذه، و إن كانوا في الغالب لا ينسون العهد مع هذه الظاهرة لغلبة الطبيعة و السليقة التي ورثوها عن سلفهم.
الكشكشة
الكشكشة عند اللغويين عبارة عن إبدال كاف المؤنثة شيناً أو إلحاقها شيناً، و قد ذكر سيبويه هذين المذهبين من مذاهب العرب في الكشكشة فقال: (فإما أُناس كثير من تميم وناس من أسد فإنهم يجعلون مكان الكاف للمؤنث الشين، أنهم أرادوا البيان في الوقف لأنها ساكنة في الوقف فأرادوا أن يفصلوا بين المذكر و المؤنث، و أرادوا التحقيق و التوكيد في الفصل لأنهم إذا فصلوا بين المذكر و المؤنث بحرف كان أقوى من أن يفصلوا بحركة)[46] .
و هذه الظاهرة لها شواهد حفظها اللغويون و المهتمون بالدراسات اللغوية فمنها قول الراجز:
يا دار حييت و من ألمم بش
عهدي من يحلل بواديش يعش[47] 
وقول مجنون ليلى:
فعيناش عيناها و جيدش جيدها
و لونش إلا أنها غير عاطل[48] 
ومن شواهد القلب في الوصل قراءة من قرأ: ﴿قد جعل ربُّشِ تحَتَشِ سرياً لقوله تعالى: ﴿قد جعل ربك تحتك سرياً[49] .
 كما أورد المبرد قولهم للمرأة:(جعل الله البركة في دارشْ)، و قولهم (ويحكِ مالشْ)؛ بل لقد رووا بعض الشواهد التي ترى فيها ظاهرة الكشـكشة تقلب الكاف شـيناً في غير كاف المؤنث مثل قول الراجز: (حتى تنقي كنقيق الديش)، أي: الديك [50] .
والذي عليه الوضع في الوقت الحاضرأن شين الكشكشة قد اختفت تماماً، و حلت محلها الجيم الفارسية مثلثة النقط لكاف الخطاب للمؤنث، و الكاف في غير المؤنث أي:(كاف الكلمة) في لهجة دارين، و الزور، و بعض أهل أم الساهك، حيث يقولون: (چـيف حالـچ) بدلاً عن: (كيف حالكِ) في الفصحى، بينما نجد البقية الغالبة من النواحي قد اصطلحوا على إحلال الجيم الفارسية المثلثة مكان كاف الكلمة، والشين مكان كاف الخطاب للمؤنث فيقولون (چـيف حالش) مكان (كيف حالكِ) الفصيحة، لذا فإنك ترى و إن اختلفت المجموعتان عند كاف الخطاب للمؤنث فإنهما تتفقان على إحلال الجيم الفارسية المثلثة مكان الكاف العادية بحيث لو أراد شخص أن يستعمل الشين في هذا الموضع فقال: (سشين و شلب) بدلاً عن: (سـچـين)، و (چلب) اللتين أصلهما (سكين) و (كلب) لعابه الناس و اتهموه بأنه عي لا يقدر على النطق الصحيح.
و تتفاوت نسبة إحلال الجيم الفارسية المثلثة للكاف العادية بين حد التقييد بكلمات محفوظة و معلومة بالسماع كما في لهجة المدينة و مجموعة من قرى و نواح كثيرة، و بين الإغراق إلى حد الإطلاق عند المجموعة الأخرى الباقية من هذه النواحي خصوصاً عند من يجعلون الكاف مكان القاف في كلامهم، فكأنهم لما أقاموا الكاف مكان القاف احتاجوا إلى حرف مكانه فكانت الجيم الفارسية هذه هو الحرف الذي جيء به ليحل محل الحرف المحلول مكان القاف، هذا من جهة و من جهة أخرى لما جعلوه جيماً فارسية صار هذا الحرف في لغتهم مكسوراً لأن هذه الجيم مائلة بطبيعتها نحو الكسرة جرب أن تقول (چـاء) ستجدها كما ذكرت، و من هذه المجموعة (العوامية، القديح، التوبي، الخويلدية) الذين يقولون: (چر، مسـچر، أچرف، عـچـاز) مقابل: (كر، مسكر، أكرف، عكاز) في لهجة المدينة و بقية الجهات و القرى من الواحة، و أكثر الأحوال التي تبدل فيها كاف الكلمة جيماً فارسية (چـاء) راجع إلى كون هذه الكاف غالباً مكسورة أو منتهية بفتحة مائلة، أو تنطق في لهجة هؤلاء القوم مكسورة، أو أعقبها ياء أو حرف مكسور، و هو ما يعرف عند اللغويين المحدثين بصوت اللين الأمامي، وفي ما يلي طائفة من الكلمات التي تبدل كافها جيماً فارسية مما تيسر لي جمعه:

ﭼلب، ﭼـلاب
ﭼمى
ﭼلبان
ﭼب
ﭼَم
ِﭼِّفيه
ﭼم
ﭼـيفه
ﭼفن
ﭼتف
ﭼدب، ﭼدبه
ﭼوى
ﭼداب
ﭼتف
ﭼبده
ﭼف
ﭼلوه
ﭼفيه
ﭼـعنه
ﭼوع
ﭼســو
ﭼوده
ﭼسوه
ﭼسـﭼوس
ﭼبـس
ﭼـعمز
ﭼنبـح
ﭼـــعم
ﭼــعـو
ﭼندس
ﭼيـس
ﭼـس
ﭼيسـه
آﭼـب
ﭼنـه
أعـﭼب
ﭼنته
أﭼلح
ﭼلمه
انـﭼب
ﭼـلام
انـﭼفــس
ﭼافت
انـﭼـعس
ﭼفت
دﭼـه
ﭼــدير
نـﭼب
عبـﭻ
زﭼـيـه
عـﭼف
هـﭼـدي
عـﭼم
زاﭼـي
عنـﭼوانه
تريـﭻ
عـﭼبره
ديــﭻ
عبـﭼري
معيريـﭻ
عـﭼيسه
سـﭼين
عـﭼس
سويـﭼـه سويـﭼـي
عـﭼان
سبـﭻ
عـﭼـنه
ســـﭻ
مـﭼرِّيه
سمـﭻ
مـﭼتوم
سـباﭺ
مفـﭼـوﭺ
سواﭺ
مـﭼود
سلــﭻ
مـﭼوى
فــاﭺ
مـﭼـع
عنـﭻ
معـﭼم
ملــﭻ
مـﭼدب
حـزﭺ
حـﭼـي، حــﭼوه
زﭺ
لـﭼلـﭻ
دﭺ
بـﭼـى
بنـﭻ
رﭼـيه
لبـــﭻ
زﭼـيـه
حـبـﭻ
هـﭼِّـدي
أم الساهـﭻ
وهذه القائمة لم تشتمل على كل الكلمات التي تبدل كافها (چاءً)، وإنما تحوي عدداَ كبيراً منها، كما أنها لم تشتمل على ما كانت من أصل تركي أو هندي أو فارسي أو إنــگـليزي و نحوه مما استمال على هذا الصوب، لأنه في لغته الأصلية هكذا و ليست (چاؤه) مبدلة عن كاف حتى يدرج معها و هناك بعض الكلمات التي تنطق بالصورتين مثل: (كبير، مكود) اللتان تنطقان أيضاً: (چبير و مـچود)، كما توجد في اللهجة بعض الكلمات التي يختلف مدولولها المتعارف عليه حسب الصورة التي ترسم أو تنطق بها مع أن الصورتين من أصل و احد أو بالأحرى الأولى أصل للثانية و الأخرى تطور عنها مثل: (كيف) التي تعني (مزاج) لا تعرف إلا بالكاف الفصحى بعكس (چيف) الإستفهامية المتعارف عليها بالجيم الفارسية، و لا تقال بالكاف إلا في الأسلوب القريب من الفصيح، و مثلها (فك) بمعنى: (أطلق، أو ترك أو دعى الآخر و شأنه)، و من ذلك قولهم: (فكني و اللي يرحم والديك)، أو (طلَّق)، و من ذلك: (فلان فك مرته) بخلاف (فـ چ) التي تعني (فتح)، و (كلب) و جمعها التي تستعار لمن كان حقوداً ينطوي على سريرة خبيثة من بني الإنسان بخلاف: (چلب) للحيوان المعروف، وجمعها (جلاب) التي تستعار للمجاهر بالشر بيده و لسانه، و (مكوى) الذي يكوى به الثياب لأن اللفظة دخيلة لم تعرفها اللغة من قبل بخلاف (مـچـوى) القديمة التي تعني السيخ أو المسمار التي يكوى به جلد المريض للعلاج، و مثلها: (مفك) الذي يفتح به العلب أو المواسير أو اللوالب، و لا يقال (مفـچ) لانها هي الأخرى جديدة على اللهجة، و (عَكَسْ) بمعنى (قلب) و (عَكْسْ)التي كانت تستخدم قديماً بمعنى: (صورة) بخلاف: (عـچس) غصن الشجرة أي أرخاه و أحناه إلى الأرض ليدفنه فيها لتخرج من شجرة مستقلة مولدة لها صفات الشجرة الأم، و مثل ذلك: (ملك)، و (ملـچ) فالأولى بمعنى: (حاز الشيء)، أما الثانية فتعني (عقد عقد أو عقدة النكاح)، كما أن (شبك)، تختلف عن كلمة سبـچ.
و المتصور الشائع لدى الغالبية منا أن إحلال الجيم الفارسية دخيل على اللهجة دخل عليها عن طريق مجاورة الخليج لبلاد فارس، و الصلات التجارية و الحضارية القديمة بين الطرفين، إلا أننا نجد كثيرأ من اللغويين المحدثين من يقول أن الكشكشة لم تكن جعل كاف الخطاب للمؤنث و في غير المؤنث شيناً، وإنما هي أصلاً من الأصوات المزدوجـة على نحو من التقاء حرفي الـCوالـ H في اللغة الإنجليزيةكما في كلمة Chidren بمعنى أولاد، و لكن اللغويين القدامى لم يتبينوا حقيقة هذا الصوت فكتبوه شيناً وقالوا إن الكشكشة جعل كاف الخطاب للمؤنث شيناً تارة، و إلحاقه شيناً تارة أخرى، وإن هذه الازدواجية التي حدثت للكاف العربية في هذه اللهجات حدثت للجيم السامية في العربية الفصحى[51] .
ومنهم الدكتور رمضان عبد التواب الذي يقول: (يبدو أن ظاهرة الكسكسة والكشكشة كانتا في الأصل مقيدتين بكاف مكسورة حتى يمكن لقانون الأصوات الحنكية أن يلعب دوره، أما تقييد القدماء ذلك بكاف المؤنثة فهو مبني فيما يظهر على استقراء ناقص، و عندما عثروا على مثال يعارض قواعدهم و هو (الديش) في الرجز الذي سقناه من قبل لجئوا في تفسيره الى نظرية القياس فقالوا شبه كاف الديك لكسرتها بكاف ضمير المؤنث، ويبدو أن ثعلباً فطن إلى ذلك حين تحدث في الكسكسة و الكشكشة عن الكاف المكسورة لا غير، و لم يقيدها بكاف المؤنث كغيره من اللغويين)، و يضيف قائلاً: (تقييد اللغويين لظاهرتي الكسكسة و الكشكشة بالوقف ليس له ما يبرره من الناحية الصوتية حتى و إن قالوا بأن الكسرة الدالة على التأنيث تختفي في الوقف فزادوا هذه الكاف شيناً حرصاً على البيان، لأن هذا الحرص على البيان سيكون في هذه الحالة قصداً للمتكلم و ليس صوتية تحتمها أعضاء النطق في الوقف، و الدليل على ذلك أيضا تلك الشواهد الكثيرة التي ساقها اللغويون بهذه الظاهرة في حال الوصل، و إن تحايل بعضهم على ذلك بالعلة المشهورة و هي إجراء الوصل محل الوقف)[52] .
ومنهم الدكتور إبراهيم أنيس الذي يقول: (إن ما خيل للقدماء أنه شين ليس شيناً خالصة كتلك التي نألفها)، و قوله: (والذي يجعلنا أن نرجح أن ما سمعه الرواة ليس شيناً خالصة و إنما هو (تش) شيوع هذه الظاهرة في اللهجات العربية الحديثة على صورة (تش)، و لا يعقل أنها كانت في اللهجات العربية القديمة شيناً ثم تطورت في اللهجات الحديثة إلى (تش) فليس هذا مما يبرره التطور الصوتي، و لو قد روي لنا أن اللهجات القديمة كانت تنطق (تش)، ثم رأينا اللهجاتالحديثة تنطق بها شيناً لقبلنا هذا واعتبرناه تطوراً)[53] .
ومعنى ذلك أن اللهجة ورثتها من لهجات تلك القبائل على الصورة المحكية الآن ولم تستوردها من بلاد فارس، و إن الافتراق في تخصيص الشين العربية الخالصة لكاف الخطاب للمؤنث، و الشين ذات الصوت المزدوج التي نتصورها جيماً فارسية مثلثة (چـاء) مكان كاف الكلمة أو كاف الخطاب في النواحي التي سبق أن ذكرناها قد حدث في ما بعد، و من يدري فقد تكون الصورة الحالية لكاف المؤنث وكاف الكلمة، و هذا الافتراق فيه موجود في لهجات القبائل التي كانت تسكن المنطقة على النحو الذي نراه الآن تماماً كما سبق أن بينته، فمجموعة هكذا، و مجموعة هكذا، ولعله مما فات المعنيين بمثل هذه الأمور تسجيله فخفي علينا أمره و عميت علينا آثاره.
و ممن أخذ بهذا الرأي الدكتور عبد العزيز مطر الذي يقول: (إن اكتشاف هذه الشين في خطاب المؤنث في لهجة سترة إلى جانب تأييده لأراء القدماء في وصف بعض الظواهر اللغوية سيكون مفاجأة سارة لأحد كبار اللغويين المعاصرين الذين تناولوا بالتفصيل و التحليل و النقد ظاهرة الكشكشة و هو الأستاذ إبراهيم أنيس الذي تمنى لتمام بحثه أن يعثر على لهجة حديثة تنطق فيها الكاف شيناً وها هي ذي، و أحسب أن أستاذي ربما يعيد النظر في ضوء هذا الكشف في بعض الأحكام التي جاءت في بحثه)[54] .
و يعقب الدكتور عبد العزيز على هذا قائلاً: (و من يدري لعل الصوتين معاً في هذه اللهجة التي نصفها ـ أي مع اختلاف الموقع ـ يكون صورة حية لهذا التطور الذي تؤيده القوانين الصوتية)[55] .
و ظاهرة إبدال كاف المخاطبة شيناً خالصة موجودة لدى قيبلة العجمان حيث ينفردون عن عامة البدو الحضر في الكويت بنطق كاف الخطاب للمؤنث: شيناً فهم يقولون:عوالش أخوش، شلونش[56] ، و نطق الكاف شيناً أهم ما يميز لهجة العجمان عن قبائل البدو المقيمة في الكويت وتغاير أيضاً لهجة الحضر في الكويت هذا النطق لأن البدو و الحضر في الكويت ينطقون كاف الخطاب للمفردة المؤنثة نطقاً مزجياً هو Ch وهذا النطق المزجي شائع في لهجات الخليج العربي ككل[57] .
وهذه الظاهرة لا تزال موجودة في بعض مناطق الجزيرة العربية كمنطقة عسير التي يقول أهلها مثلاً (ابوش و أمش في أبوكِ و أمكِ)[58] .
كما أنها شائعة في اللهجات اليمنية[59] ، ونسمع من الشعر المغنى فيها (ألا يا مرحبا بش و بهلش و بالجمل اللي رحل بش)، أي تماماً كما ينطق في عامة لهجة الواحة عدا من تقدم الحديث عنهم في الكسكسة.
ويحسن بنا التنبيه على أن الحرف الذي حل محل كاف المخاطبة موقوف عليه بالسكون في جميع لهجات الخليج الحديثة سواءً كان الحرف المحلول شيناً خالصة أم حرفاً ذا صوت مزدوج (چـاء)، أو(تس)، و ذلك لأن هذه اللهجات وبصفة عامة اللهجات العربية الحديثة قد انتهجت البناء على السكون بعد سقوط الإعراب منها، و الأمر الثاني أن الحرف الذي حل محل كاف المخاطبة تميز بكونه صوتاً آخر مغايراً للمبدل منه ـ و إن كان قريباً منه في المخرج ـ فما احتاج لأن يميز بالكسرة تلك التي تلحق بذلك الحرف لتميزه عن كاف الخطاب للمذكر.
ظاهرة تحميل فاعلين على فعل واحد
(على قول من يقول أكلوني البراغيث وضرباني قومك و هي اللغة التي تلحق الفعل ضمير تثنية أو جمع إذا كان الفاعل مثنى، أو مجموعاً).
وأصل تسمية هذه الظاهرة أو اللغة: (بلغة أكلوني البراغيث) كما حكاها الأستاذ مصطفى عيد الصاصنة: (أن إعرابياً قدم البصرة فبات في خان كان يعج بالبراغيث و ما إن أصبح حتى ابتدره أحد اللغويين قائلاً: كيف أمسيت ؟ قال: (أكلوني البراغيث)، و لما كان جواب الإعرابي مخالفاً لمقايسات النحويين و قواعدهم في وجوب إفراد الفعل مع فاعله سواءً كان هذا الفاعل مفرداً أو مثنى أو جمعاً، فقد جمعوا من عبارته هذه مادة لتنذرهم و نبزوها بلغة (أكلوني البراغيث) تهكماً و استهجاناً[60] .
قالوا وكان ينبغي أن يقول: (أكلتني البراغيث) لئلا يجتمع للفعل الواحد فاعلان معا: واو الجماعة + البرغيث، لأن الفعل حسب قواعدهم ليس له إلا فاعل واحد[61] .
و لما كان الأعرابي ممن يحتج بلغته فقد حاولوا الوصول إلى تخريجات لصيغته و ذهبوا مذاهب شتى، قالوا إن الواو في (أكلوني البراغيث) تشبهه تاء التأنيث في قالت، فالواو علامة جمعه كما أن التاء علامة تأنيث، واتبعدوا أن تكون توكيداً لأن المضمر لا يؤكد بالاسم الظاهر وهذا مذهب يونس بن حبيب، و قيل إن الاسم المتأخر مبتدأ وما قبله خبر، و يرى العكبري أن الاسم المتأخر خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو[62]  قال سيببويه وأعلم أن من العرب من يقول (ضربوني قومك، و ضرباني أخواك) فشبهوا هذه التاء التي يظهرونها في (قالت فلانة)، و قد حكيت هذه اللغة عن قبيلة بلحارث بن كعب كما حكاها البصريون عن قبيلة طيئ و بعض النحويين يحكونها عن أزد شنوءة، و الأصـل في اللغـة أن يعامل الفعل فيها معاملته في لغة: أكلوني البراغيث)، و قد بقي هذا الأصل في العربية في اللهجات المختلفة، كما توجد منه بعض الأمثلة في القرآن الكريم و الحديث الشريف و الأشعار.
فمما جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا[63] ، و قوله تعالى: ﴿ثم عموا و صموا كثير منهم[64] ، ومما جاء في الحديث الشريف قوله : (يعتزلن الحيض المصلى)، وقوله : (ما غبرتا قدما عبد في سبيل الله)، وقوله : (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل و النهار).
و مما جاء في الشعر الجاهلي قول ابن ملقط الطائي الجاهلي:
ألقيتا عيناك عند القفا
أولى فأولى لك ذا واقية
وقول أحيحة بن الجلاح:
يلومونني في اشتراء النخيـ
ـل أهـلي فكلهم يعـدل
و قول مجنون ليلى:
ولو أحدقوا بي الإنس و الجن كلهم
لكي يمنعوني أن أحيي لحييت
وقول عبد الله بن قيس الرقيات:
تولى قتال المارقين بنفسه
وقد أسلماه مبغض وحميم
وهذه الظاهرة شائعة في كلامنا في اللهجات العربية الحديثة كقولنا: (ظلموني الناس) و قد جعل الحريري ذلك من لحن العامة و رد عليه الخفاجي (وليس الأمر كما ذكره، فإن قوم من العرب يجعلون الألف و الواو حرفي التثنية و الجمع و الاسم الظاهر فاعلاً، وتعرف بين النحاة بلغة: (أكلوني البراغيث) لأنه مثالها الذي اشتهرت به، و هي لغة طي كما قاله الزمخشري، وقد وقع منها، الآيات، و الأحاديث الشيء الكثير و كلام الفصحاء ما لا يخفى[65] .
و المهم في الأمر أن (أكلوني البراغيث) ظاهرة لغوية يقرها الاستعمال اللغوي السليم، و إن كانت ترفضها القاعدة النحوية العامة، لأن القاعدة ليس لها كبير اعتبار إن هي صدمت الاستعمال اللغوي الفصيح الصحيح النقل.
وفصاحة هذه اللغة معتبرة لأسباب:
(1) لكونها لغة بعض القبائل المحتج بلغتها كقبيلة بلحارث بن كعب و أزد شنوءة.
(2) لكونها الأصل قي اللغات السامية إذ يعامل الفعل في هذه اللغات معاملته في هذه اللغة فيثنى مع الفاعل المثنى و يجمع مع الفاعل الجمع مذكراً أو مؤنثاً حسب وروده.
(3) لوجود أمثلة لازالت باقية إلى اليوم من هذا الأصل، يتمثل في لهجاتنا العامية حيث نقول: (ظلموني الناس)و (زاروني الأقارب)[66] .
(4) لوجود كثير من الأدلة و الشواهد من القرآن الكريم و الحديث الشريف و أشعار العرب تدعمها و تصرخ بفصاحتها.
إلحاق هاء السكت بعد ياء المتكلم للوقوف عليها (ظاهرة خاصـة)
وتسود هذه الظاهرة في لهجة سيهات و دارين وحسب، فيقولون: (بويه، أميه، أخويه، عميه، عمتيه، يَدَّتيه، غشوتيه، صورنيه، هْيه) و الأصل: أبي، أمي، أخي، عمي، عمتي، جدتي، غشوتي أو غشوايتي (غاشيتي)، صورني، هي؛ و هم يسكنون الحرف السابق لياء المتكلم لاستثقالهم الكسرة حركته الأصلية، و الشدة و الكسرة للحرف المضعف كما في (عمي، و عمتي).
مما يذكر أن أحدهم دعم طفلة فنزل ليسعفها فجعلت تبكي وهي تقول: (أمبي مْيه) فظن أنها تريد مائة ريال فأعطاها مائة ريال، ثم لاحظ أنها لازالت يبكي و تكرر نفس الكلمة فظن أنها تريد مائة ريال أخرى فأخذتها و استمرت في البكاء، و لما لم يكن من أهل تلك الجهة فلم يفطن لما تريد حتى جاءه هندي كان يعيش بينهم و يعرف لهجتهم و أخبره قائلاً: (هدا مايبغى ميه هدا يبغى ماما).
وتكثر هذه الهاء في شعر البديات بشكل واضح كما في خاتمة البدية التالية:
 يَحادي الضعن لا تسرع بها داي
عليلة الروح من عقـبه بها داي
إجيت أتنخى من ضيمي بها داي
زماني و الترف جـاروا علـيه
و لو تتبعت أغلب البديات لوجدت أن الكلمة الأخيرة من خاتمتها تنتهي إما بهاء سكت حقيقية أو تاء تأنيث مربوطة فصارت هاءً مماثلة لهاء السكت عند الوقوف عليها.
ولا تنفرد هاتان الجهتان المذكورتان بهذه الظاهرة، بل تجد من يشاركهما فيها جهات من الخليج مثل قطر، و في شماليها بالذات، و نواحٍ من البحرين مثل المحرق وقلالي، و نواحٍ من الأحساء مثل الهفوف و بعض المبرز، و قد دلت الدراسات اللغوية على أصالة هذه اللهجة، و قد وردت لها شواهد في القرآن الكريم فمن ذلك قوله تعالى في سورة الحاقة: ﴿فأمَّا مَنْ أُتُيَ كتابهُ بيمينهِ فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه * إني ظننت أني ملاق حسابيه * و أما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أُوتَ كتابيه * و لم أَدرِ ما حسابيه * ما أغْنى عنِّي ماليه * هلك عنِّي سلطانيه.
و في قوله تعالى في سورة القارعة: ﴿وما أدريك ماهيه.
وقد ذكر الدكتور عبد العزيز مطر ما مؤداه: (و لم يجزم أحد من النقاد و المفسرين أن يقول أنها لهجة عربية قديمة ربما لعدم سماعهم من يتعاطاها في كلامهم اليومي، لولا دراسته لإحدى لهجات الخليج و هي لهجة قطر التي كشفت ذلك، و قد جاءت هذه الظاهرة في شعر عبد الله بن قيس الرقيات و غيره مثل قوله:
ذهب الصبا و تركت غيتيه
ورأى الغواني شيب لمتيه
وهجرنني و هجرتهن و قد
غنيت كرائمها يطعن بيه
و في القوافي كلمات أخرى على هذا النمط مثل أخوتيه، ومروتيه، و مناكبيه، و مسامعيه، و لشاعر آخر:
أية جاراتك تلك الموصيه
أو قاصراً أوصلته بثوبيه
لو كنت حبلاً لسقيتها بيه
قائلـة لا تسقين بحبليه
لذلك اكتفوا بالقول على أن هاء السكت زيدت لمراعاة الفواصل و السجع والقوافي[67] .
وقصيدة الشاعر مالك بن الريب[68]  التي رثى فيها نفسه قبل موته، ومطلعها:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا
هي الأخرى مليئة بمثل هذي الشواهد، ويكفي أن تسعة عشر بيتاً من أصل الاثنين والثلاثين بيتاً المنشورة بمجلة العربي[69]  قد اشتملت على تسعة عشر شاهداً بعضها مكرر، و في ما يلي نماذج منها:
(ورائيا، ماليا، نهانيا، وفاتيا، مابيا، قضائيا، ليا، ردائيا، قياديا، دعانيا، لسانيا، عظاميا، مكانيا).
و مما يذكر أن عمرو بن العلاء لما أنتهر رجلاً من أهل المدينة أنشده بيت ابن قيس الرقيات قائلاً: مالنا ولهذا الشعر الرخو؟ إن هذه الهاء لم توجد في شيء من كلام العرب إلا أرخته، ولما رد عليه المديني بقوله: ما أجهلك بكلام العرب، قال الله عز وجل في كتابه: ﴿ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه انكسر أبو عمرو انكساراً شديداً[70] .
ولما أنشد ابن قيس الرقيات عبد الملك بن مروان قصيدته هذه قال عبد الملك: (أحسنت يا بن قيس لولا أنك خنثت قافيته)، فقال يا أمير المؤمنين ما عدوت قول الله عز وجل في كتابه: ﴿ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه قال له عبد الملك: أنت في هذا أشعر منك في شعرك[71] .
وإذا غابت أصالة هذه الظاهرة عن البعض من علية القوم ممن تقدم فراح ينكر على من يأخذ بها، فلا نستغرب إذا من عوام الناس إذا غابت عن أحدهم فراح يتهكم و يعيب على من يستخدمها ممن تسود في لهجته مما أحدث ذلك ردة فعل سلبية أدت إلى إسقاطها من قاموس التداول بين أهلها ولا سيما الشباب منهم و وبالأخص طلاب بالمدارس و الجامعات حيث عدوها لهجة ركيكة و ثنوا عطفهم عنها فاقتصروا على ياء المتكلم بصورته الساكنة منتهجين في ذلك نهج أهل بعض القرى كأم الحمام و الجش و الملاحة و غيرها.
قال الدكتور عبد العزيز مطر معقباً على أصالة هذه الظاهرة: فإذا انقضى عجبك من هذه الهاء بعد ياء المتكلم في الشعر بعد أن علمت بورودها في القرآن الكريم، فقد يحلو لك أن تسأل عن سر هذه الهاء في هذه المواضع، وقد يطمئن قلبك لقول ابن الأثير: (إن الأصل في هذه الألفاظ: كتابي، وحسابي و مالي، و سلطاني)، فلما أضيفت لها هاء السكت أضافت إليها حسناً زائداً على حسنها، و أكسبتها لطافة ولباقة[72] .
ويلحق بهذا الباب أسلوب الندبة في الكلمة المنتهية بياء المتكلم نحو واغلاميه و من شواهد هذا الموضع قول ابن الرقيات:
تبكيهـم دهمـاء معـولة
وتقـول سـلمى وارزيتيـه[73] 
وفي حال الوقف:
بعد ياء المتكلم المتحركة و قبلها متحرك نحو هذا غلاميه، و جا بعديه، و إنه ضربنيه.
بعد ياء المتكلم المسبوقة بألف أو ياء ساكنة نحو: غلامايه، و غلاميَّه، و عصايه، و بشرايه، وقاضيه[74] .
مواضع وقوع هاء السكت (ظاهرة عامة في اللهجة)
تناول سيبويه هذه الهاء وحدد مواقعها في كتابه كما تناولها من جاء بعده من اللغويين و النحويين و من مؤلفي العلوم القرآنية كالسيوطي في الإتقان ومما كتب سيبويه يتبين لنا أن هذه تقع فيما يلي من الأساليب و الكلمات:
أ ـ في حالة المنادى المضاف إلى ياء المتكلم المبدلة ألفاً نحو يا غلاماه، و ذلك في حالة الوقف وقاس سيبويه على ذلك ياأباه، و ياأماه، ولكنه عقب على ذلك قائلاً: إنهم لا يكادون يقولون يا أياه ويا أماه[75] .
ب ـ في الأسماء المبنية و الحروف نحو كيفه و ليته و لعله[76] .
ج ـ بعد الألف نحو هؤلاه وهاهناه[77] .
د ـ عند إرادة اللفظ بالحرف الواحد نحو كه إذا أريد اللفظ بالكاف في لك أي تسميتها و به إذا أريد بالتاء التي في خرجت[78] .
[1]  لأصالة العربية في لهجات الخليج ص 14 للدكتور عبد العزيز مطر.

[2]  لغة العجمان في الكويت ص 11 للباحثة شريفة المعتوق

[3]  الأصالة العربية (المصدر السابق)

[4]  نموذج من اللهجة اليمنية في وادي حضرموت علي عقيل. مجلة دراسات الجزيرة العربية العدد 28 السنة السابعة. يذكر القلنلقشندي في ما ينقله عن ابن خلدون، قبيلة هجرة يني سليم إلى مضر وأفريقيا كانت من البحرين. راجع تهاية الأرب في معرفة أنساب العرب. أبو العباس أحمد القلقشندي. دار الكتاب المصري، القاهرة، ودار الكتاب اللبناني، بيروت، ودار الكتب الإسلامية ط 2. 1400هـ ص: 366

[5]  المصدر نفسه

[6]  اللهجات العربية إبراهيم أنيس ص

[7]  المصدر نفسه (الحاشية).

[8]  مباحث لغوية ص 42.

[9]  دراسات في لهجات شرقي الجزيرة العربية للدكتور ت . م جونستون ص 22 ، ترجمه و قدم له و علق عليه الدكتور أحمد محمد الضبيب الدار العربية للموسوعات بيروت ط 2 س 1983م .

[10]  قرة العين في الفتح والإمالة، بين اللفظين، علي بن عثمان العذري البغدادي المعروف بابن القاصح. دراسة وتحقيق د، دفع الله سليمان، مركز البحوث بكلية الآداب بجامعة الملك سعود، مطابع جامعة الملك شعود بالرياض. ط 1 , 1413هـ ص: 11.

[11]  نفس المصدر. ص: 9.

[12]  فصول في فقه العربية ص 32.

[13]  لغة تمـيم ص 119.

[14]  المصدر نفســه ص 120

[15]  ظواهر نادرة في لهجات الخليج العربي ص 32.

[16]  لغة تميم ص 120

[17]  ظواهر نادرة (المصدر السابق) ص 31، ونموذج في اللهجة اليمنية في وادي حضرموت (مجلة دراسات الخليج و الجزيرة العربية ع 28 السنة السابعة 12 /1401 هـ، ص 135).

[18]  ظواهر نادرة (المصدر السابق) ص

[19]  المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية (البحرين قديماً) ج1 ص 307، 329.

[20]  (1) كتاب الإبدال لابن السكيت ص 125 تقديم وتحقيق محمد حسين شرف. طبع الهيئة العامة لشئون المطابع.

(2) أصالة لغوية في اللهجات الأردنية، (مقال) توفيق عبد الرب مجلة العربي الكويتية ص 160 العدد 287

(3) عبد العزيز مطر أُستاذ علم اللغة في جامعة عين شمس وقطر ط دار عالم الكتب للنشر و التوزيع 1405 هـ الرياض و رقم الطبعة غير مذكور في المصدر.

(4) في اللهجات العربية 125 د/ إبراهيم أنيس ط 6 مكتبة الإنجلو المصرية - القاهرة.

(5) دراسات في فقه اللغة ص 91 د/صبحي الصالح أستاذ فقـه اللغـة و الإسلاميات في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية - دار العلم للملايين ط 10 تموز - يوليو1983 م

(6) فصول في فقه العربية ص47 د/ رمضان عبد التواب - مكتبة الخانجي بالقاهرة

[21]  الأصالة العربية في لهجات الخليج. د, عبد العزيز مطر، عالم الكتب للنشر والتوزيع، الرياض. 1405 هـ ص: 125.

[22]  نفس المصدر. ص: 126.

[23]  ظاهرة الإبدال اللغوي (مرجع سابق) ص 93.

[24]  المصدر نفسه ص 94 .

[25]  المصدر نفسه ص 95.

[26]  المصدر نفسه .

[27]  مقال (الطرائف اللغوية) مجلة الدارة ع 3 س 20 جم 2 /1415هـ ص141.

[28]  تاريخ آداب العرب ج 1 ص 119 .

[29]  لغة تميم ص 101 و102.

[30]  واحة على ضفاف الخليج القطيف محمد سعيد المسلم ص 164 .مطابع الفرزدق بالرياض ط2 سنة 1411هـ .

[31]  تاريخ آداب العرب ج 1 ص 119 ولغة تميم ص 101 ، و ما بين المعقوفين غيرموجود في المرجع الأول و إنما هو موجود في الثاني فقط .

[32]  لغة تميم ص 102 .

[33]  الأصوات اللغوية إبراهيم أنيس ص 87 . مكتبة الإنجلو المصرية القاهرة ط4 س 1995هـ .

[34]  المصدر نفسه .

[35]  مقال (اللهجات المحلية اللهجة القطيفية مثالاً) مجلة الواحة العدد الخامس محرم 1417 هـ ص 152.

[36] المصدر نفسه .

[37]  دراسات في لهجات شرقي الجزيرة (مرجع سابق) ص 23.

[38]  فصول في فقه العربية ص 140 .

[39]  المصدر نفسه .

[40]  المصدر نفسه ص 141 .

[41]  المصدر نفسه .

[42]  في اللهجات العربية ص 124.

[43]  فصول في فقه العربية ص 145.

[44]  المصدر نفسه ص 146 .

[45]  المصدر نفسه

[46]  المصدر نفسه .

[47]  المصدر نفسه ص 143 .

[48]  المصدر نفسه ,

[49]  المصدر نفسه ص 144 .

[50]  المصدر نفسه ص 143 ، 144 .

[51]  (للمزيد من الإطلاع و التعمق في البحث يرجى مراجعة المصدر السابق ص 141 ، وكتاب اللهجات العربية ص 121 ، و كتابي الأصالة العربية في لهجات الخليج ص 156 وظواهر نادرة في لهجات الخليج العربي ص79، وتاريخ آداب العرب ج 1 ص141 وغيرها.

[52]  المصدر نفسه ص 148 .

[53]  في اللهجات العربية ص 125.

[54]  ظواهر نادرة ص 85 .

[55]  المصدر نفسه .

[56]  لهجة العجمان في الكويت ص 59 .

[57]  المصدر نفسه ص 146.

[58]  دراسات في فقه العربية ص 148.

[59]  نموذج من اللهجة اليمنية في و ادي حضرموت 136.

[60]  مجلة الخفجي العدد 11 ذو القعدة 1418 هـ ص 33 مقال (أكلوني البراغيث لغة فصيحة) .

[61]  المصدر نفسه .

[62]  المصدر نفسه .

[63]  الأنبياء الآية 3.

[64]  المائدة الآية 71.

[65]  فصول في فقه العربية ص 82 .

[66]  مجلة الخفجي (المصدر السابق) ص 34 .

[67]  الأصالة العربية في لهجات الخليج ص 10.

[68]  توفي (نحو 60 هـ) الأعلام للزركلي ج 6 ص 134 .

[69]  مجلة العربي العدد ص، و قد أشار اليها الزركلي في أعلامه وقال بأن عدتها (58 بيتاً).

[70]  ظواهر نادرة في لهجات الخليج العربي ص12

[71]  المصدر نفسه ص 13.

[72]  المصدر نفسه ص 13.

[73]  ظواهر نادرة (نفسه) ص 16.

[74]  المصدر نفسه ص17.

[75]  المصدر نفسه ص17.

[76]  المصدر نفسه ص17.

[77]  المصدر نفسه ص17.

[78]  المصدر نفسه ص17

ليست هناك تعليقات: