.

2015/03/04

اللسانيات المقارنة

اللسانيات المقارنة علم تأسس على يد السير ويليام جونز في نهاية القرن الثامن عشر لدراسة وتحليل النصوص المكتوبة في لغات مختلفة لكنها ذات صلة، وأشار إلى وجود علاقة بين كل من اللغة اللاتينية، واليونانية، والسنسكريتية توحي بنشوئها من مصدر واحد نتيجة ما لاحظه من تشابه معاني (أصوات متشابهة) في اللغات الثلاث فعلى سبيل المثال كلمة frater اللاتينية، وكلمة phrater اليونانية، وكلمة bhratar في اللغة السنسكريتية تعني كلها (أخ) مما دفع بعض علماء اللسانيات لدراسة العلاقة بين اللغات المختلفة، والتفاعلات الناشئة عن حوار متحدثين من خلفيات ثقافية مختلفة، ومساعدة الراغبين في تعلم لغات غير لغتهم الأصلية، واهتمت اللسانيات بدراسة كيفية تشكل كلمات تكون معاني متشابهة في لغات مختلفة، وعمل دراسات مقارنة على هذه اللغات، وأطلق على عناصر التشابه بين اللغات مصطلح صلة القرابةgenetic relationships وكون اللسانيون من كل مجموعة من اللغات ذات المنشأ الواحد عائلة لغوية صاغوها على شكل (شجرة عائلة) من أبرز هذه العائلات:
  • شجرة اللغات الهند أوروبية: وتضم السنسكريتية، واليونانية، واللاتينية، والإنجليزية، والألمانية، ولغات أوروبية وأسيوية أخرى.
  • شجرة لغات الجونكويان Algonquian: لغات سكان أمريكا الشمالية الأصليين.
  • شجرة لغة البانتو: تضم اللغة السواحيلية، والهوسا، والزولو ولغات أفريقية أخرى.
  • شجرة اللغات الأفرو أسيوية: كانت تسمى اللغات الحامية السامية وهي العائلة اللغوية الأساسية السائدة في الشمال الإفريقي والشرق الأوسط. وتنقسم إلى خمس عائلات فرعية هي: السامية، والبربرية، والمصرية، والكوشية، والتشادية، وتنتمي اللغة العربية إلى مجموعة من أربع مجموعات تُقسم إليها اللغات السامية:
    • المجموعة الأولى (مجموعة الشمال الأقصى) وتمثلها اللغة الأكادية (الأشورية البابلية) أقدم اللغات السامية الموثقة، وسادت بلاد ما بين النهرين خلال الفترة من عام 3000 ق.م حتى القرن الميلادي الأول.
    • المجموعة الثانية (مجموعة الشمال الأوسط) وتضم اللغة العبرية القديمة والحديثة، والأوغاريتية، والفينيقية، والآرامية، والسريانية التي تسمى أحياناً (الآرامية المسيحية).
    • المجموعة الثالثة (مجموعة الجنوب الأوسط) وتضم اللغة العربية الفصحى، واللهجات العربية الإقليمية الحديثة، واللغة المالطية.
    • المجموعة الرابعة (مجموعة الجنوب الأقصى) وتضم لهجات جنوب الجزيرة العربية المنحدرة من أصول قديمة كلغة مملكتي معين وسبأ، واللغة الأمهرية، واللغة الإثيوبية التقليدية ولغات أثيوبية إقليمية مثل التيجري Tigré والتيجرينيا Tigrinya والجوراج Gurage.
وللتعرف على تاريخ انفصال لغات عائلة لغوية عن بعضها البعض يجمع اللسانيون في قوائم كلمات يسمونها (الكلمات الثوابت culture free) كل قائمة تخص لغة من لغات العائلة، ويجرون عليها عمليات إحصائية، يستخلصون منها التاريخ الذي انفصلت فيه هذه اللغات عن اللغة الأم. وتتميز الكلمات الثوابت بخاصية الثبات وعدم التغير على مر الزمن إذ يقاوم أصحاب اللغة تغيير هذه الكلمات تلقائياً لأن لها قيمة خاصة مثل كلمات (أم ـ أب ـ أخ ـ رأس ـ عين ـ أرض .. الخ).





قسيم اللسانيات انطلاقاً من منهجها

ـ علم اللسانيات الوصفي .descriptive linguistics
ـ علم اللسانيات التاريخي .historical linguistics
ـ علم اللسانيات المقارن .comparative linguistics
إن مهمة علم اللسانيات الوصفي وصفُ اللغة وفحصُ ظواهرها وعناصرها وبنيتها. أما علم اللسانيات التاريخي فيتابع تطور اللغة على مَرِّ الزمن، في حين يقوم علم اللسانيات المقارن على مقارنة منظومتي لغتين محددتين أو أكثر من أسرة لغوية واحدة، ويحدد منهجاً للبحث يمكن بوساطته وضع مجموعة من اللغات بعضها إلى جانب بعض؛ للمقارنة والوصول إلى الروابط والعلاقات فيما بينها.
ويقسم علم اللسانيات، انطلاقاً من غايته، إلى نظري وتطبيقي. فالنظري يدرس النظريات اللسانية ومناهجها، كما يدرس ذاته ويحدد سماته على أنه علمُ الموضوعيّةِ والتجريب ويحدد قوانينه الخاصة التي يعتمدها في ضبط الظواهر اللغوية ومنهجيته الدقيقة التي يستخدمها أداةً في بحثه العلمي. أما علم اللسانيات التطبيقي فهو يقوم على التطبيقات الوظيفية للسانيات في علاقتها بالعلوم الأخرى ولــه فروع عدة تتوزع حسب ارتباطه بهذه العلوم، ومنها:

علم اللسانيات الاجتماعي

وهو العلم الذي يبحث في التطورات اللغوية اعتماداً على معطيات علم الاجتماع، وينطلق من أن اللغة مؤسسة اجتماعية تنبني على علاقة تفاعل مشترك بينها وبين المجتمع.

علم اللسانيات النفسي

ويدرس علاقة اللغة بالبنية النفسية للإنسان وعالمه وسلوكه. فتكوين الفرد النفسي يكشف عن تكوينه اللغوي، أي الألفاظ التي يستخدمها والعبارات وطرق تركيبها، كما يكشف عن العلل والعاهات اللغوية التي تصيب هذا الفرد وطرق علاجها والتخلص منها.

علم اللسانيات التربوي

ويدرس التقنيات التي يجب أن تتبع في تدريس اللغة الأم للناطقين بها وسبل تعليمها للناطقين بغيرها.

علم اللسانيات الجغرافي

ويتوجه نحو دراسة توزيع اللغات في مناطق العالم، توزيعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً واستراتيجياً وثقافياً، وكذلك طرائق تفاعل اللغات بعضها مع بعض، وكيفية تأثير العامل اللغوي في تطور الثقافة والفكر الوطنيين.

علم اللسانيات الأنثروبولوجي

ويدرس العلاقات التاريخية التطورية القائمة بين اللغة والإنسان وأثرها في العملية اللغوية.

علم اللسانيات البيولوجي

ويدرس بنية العلاقات القائمة بين الوظائف اللغوية والوظائف البيولوجية في الدماغ البشري ويوظف ذلك لسانياً.

علم اللسانيات الرياضي

ويدرس الظواهر اللغوية ويُحَدّدها بوضعها في صيغ رياضية تجريدية كلية تستطيع أن تصف اللغات البشرية وتشرح فعاليتها على نحوٍ مكثفٍ، ثم تسقط هذه الصيغ الرياضية المجردة والمكثفة للغات البشرية على تقنيات الحواسيب والأدمغة الإلكترونية لتعالج بها النصوص اللغوية معالجةً آلية سريعة.

هناك تعليق واحد:

سليمان الدرسوني يقول...

تاريخ اللسانيات

للمزيد من المعلومات: History of grammar
يعود تاريخ اللسانيات المعروف لبضع آلاف من السنين، ويعود الدرس اللساني الأقدم توثيقاً للهند حيث لعبت العقيدة الدينية دوراً هاماً في التأسيس له حوالي 2500 ق.م حين لاحظ الكهنة أن اللغة التي يستخدمونها في شعائرهم تختلف عن لغة الفيدا Veda (النصوص المقدسة المصاغة بلغة الهند القديمة) واعتقدوا أن نجاح بعض الطقوس يحتاج لاستخدام اللغة القديمة مما يستلزم إعادة إنتاجها، فقام كاهن يُدعى پانيني Panini قبل ألف سنة من الميلاد بتقنين القواعد النحوية الحاكمة للغة السنسكريتية حتى يمكن استخدامها كلغة طقوس دائمة.


في القـِدم

بدأ الفلاسفة اليونانيون الاهتمام الأوروبي باللسانيات بدءاً بمعلمهم الأول أرسطو حين اهتموا بدراسة العلاقة بين الأشياء والأفعال وأسمائها للتعرف على القواعد التي تحكم اللغة وصاغوا مبادئ النحو، واهتموا في القرن الثالث قبل الميلاد بالدرس البلاغي فقسموا مفردات اللغة إلى أسماء متعددة الصيغ، وأفعال تحدث في أزمنة مختلفة، ثم حددوا (أشكالاً للخطاب).

التزم الرومان بالقواعد النحوية اليونانية في اللغة اللاتينية إلا أنهم توسعوا في الشروح المميزة للأساليب اللغوية اللاتينية ومجالات استخدامها، وتم تحديد أشكال الخطاب قياساً على بعض النصوص اللغوية كأعمال رجل الدولة والخطيب المعروف شيشرو Marcus Tullius Cicero في القرن الأول الميلادي، و بحلول القرن الرابع الميلادي صاغ اللغوي الروماني آليوس دوناتسAelius Donatus صيغ عامة للنحو اللاتيني، وشرح اللغوي بريسكيان Priscian هذه القواعد بعد مائتي سنة أي في القرن السادس الميلادي، وبقيت على ما هي عليه حتى الآن، واستخدمت كمعايير قياسية للغات الأوروبية الأخرى حتى القرن السادس عشر الميلادي تقريباً، وبقيت كتبها مراجع للغات الأوروبية التي ظهرت بعدها، وظلت اللاتينية الأكثر انتشاراً حتى شهدت نهاية القرن السابع عشر وبدايات الثامن عشر مع تحول اللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى لغات عالمية احتلت موقع اللاتينية، وساعد على ذلك اختراع الطباعة الذي جعل نصوص هاتين اللغتين المطبوعة متوفرة بشكل كبير، ونشأ علم الصوتيات Phonetics الذي دفع علماء اللغويات للمقارنة بين اللغة السنسكريتية واللغات الأوروبية، وأدى إلى نشوء الدراسات اللغوية الهند أوروبية.