.

2015/04/20

المعجم اليومي

إبراهيم الوافي

    كنت في لحظة ساكنة أحاور صغيري محمد حول الكرة واللاعبين وجرّنا الحديث عن لاعب ما.. فقال نصا (لم يجد نفسه مع هذا الفريق) تركني حينها لمتابعة فعاليات المونديال على التلفاز بينما استغرقت كثيرا في التفكير بلهجته الفصحوية هذه وهو ابن اللهجة المحكية في البيت والمدرسة والشارع للأسف الشديد، تذكرت حينها أنه شغوف بالرياضة وبرامجها وطرحها وأن الحديث فيها ومنها لايخلو أحيانا من عرض قوالب لغوية جاهزة ومحفوظة كما هو شأنه مع هذا التعبير...
قبل سنوات طويلة كانت الأفلام الكرتونية المدبلجة للعربية ذات تأثير كبير في حضور اللغة الفصحى على ألسنة أطفالنا بأناقة وعذوبة ولسانٍ سليم من حيث الضبط النحوي الأنيق، وقبلهم كنا قد تربّينا على(افتح ياسمسم) (والآنسة قواعد وأبي الحروف) وغيرها.
الإعلام اليوم من أكثر مصادر التعلم للغة وبالتالي شاع فينا كثير من المفردات الإعلامية وصارت تجري على ألسنتنا بتلقائية كبيرة، ولهذا كان حضور اللهجة المحكية لجغرافيّة ما في البرامج أو ما سمي في عصر التسعينات ومع بدايات بث القنوات الفضائية في مجتمعاتنا (لبْنَنة القنوات الفضائية) أمر في غاية الخطورة والتأثير، ولايمكن بأي حال من الأحوال أن نغفل أثر الإعلام المرئي اليوم في التأثير الكبير في الشارع العربي ولكنته والبحث في هذا الشأن لايخلو من رصد ظواهر لغوية مهمة تتسرّب إلى معجمنا اليومي ولو قدّر لباحث اجتماعي أن يرصد الدلالات التي تشيع في المجتمع جرّاء تكثيفها إعلاميا أو خدماتيا لخرج بظواهر لغوية متعدّدة وكثيفة.. فالمفردة الانجليزية (كانسل) على سبيل المثال بمعنى إلغاء تشيع كثيرا على ألسنة العامة بيننا في كل تعاملاتهم أكثر من استخدامهم لمرادفها العربي (إلغاء) جرّاء معاناتهم لسنوات مع الحجوزات الملغاة لرحلاتهم .. فمفردة (تكنسل الحجز) هي المفردة الدارجة دائما على لسان موظّف الخطوط على الهاتف وفي مكتبه معا.. كذلك مفردة تداول أو متداولة.. شاعت كثيرا على ألسنة العامة جراء حمى الأسهم وتبعاتها خلال السنوات الماضية وأصبحت من أكثر المفردات جريانا على الألسن بتلقائية وعفوية، ثم نأتي إلى مفردة الإرهاب وشيوعها كثيرا بيننا جراء انفتاحنا على الإعلام وعلى القنوات الإخبارية ومحلليها السياسيين وما يحمله كل هذا من أحداث هنا وهناك تحت هذا المصطلح المرعب، والأمثلة كثيرة في هذا مما يجعلنا ننادي دائما بعودة اللغة العفوية الفصحى على ألسنتنا جميعا من خلال تكريسها بصورة أو بأخرى في تعاملاتنا ذات الطابع الإعلامي أو الخدماتي، مع أملي في أن يلاقي هذا الأمر يوما بحثا جادا ونوعيا نكتشف من خلاله كيف ينمو معجمنا اليومي بدلالات وتراكيب جديدة دون أن نشعر بها ولو بعد حين...

ليست هناك تعليقات: