.

2015/04/01

الفعل في اللهجة الحميرية ( الجبالية) في ظفار


نظام الفعل في هذه اللهجة الحميرية، فقد أجرى البروفيسور (جونستون) وهو من خير من كتب عن هذه اللغة (اللهجة) عددا من الدراسات والأبحاث، نشر أولها سنة 1970م، تتعلق بنظام أداة التعريف (أم) المستعملة في اللهجة اليمنية الساحلية إلى اليوم، ثم أعقبها بمقال عن صيغة التصغير في هذه اللغة، نشره سنة 1973م، وبعده بعامين، أي في سنة 1975م، نشر مقالاً مهماً، فيه من التوسع في هذه اللغات الشيء الكثير، بعنوان (لغات الجنوب العربي الحديثة)، وفي عام 1980م، نشر مقالاً عن التضعيف في لسان ظفار الحميري المعاصر، وفي نفس العام نشر مقالاً عن انعدام وجود البادئة (ت) في صيغ بعض الأفعال في
هذا اللسان، مثل الفعل (كتب) عندما يتحول إلى صيغة المضارع في التأنيث، يكون (تكتب) في اللغة العربية الفصحى، وفي الجبالية، لا توجد هذه البادئة، ويعتبر معجم جونستون (الجبالية الخالصة) من أفضل ما كتب عن هذه اللغة، باعتراف الدكتور محمد بن سالم المعشني، أستاذ علم اللغة العام في جامعة السلطان قابوس في مسقط، حيث أجرى الدكتور المعشني دراسة قيمة على هذه اللغة سماها (لسان ظفار الحميري المعاصر) وصدر لجونسون بعد ذلك دراسات عن هذه اللغة في مقال عن التعداد، في سنة 1983م، أي بعد وفاته. ومن الجدير ذكره أن جونستون رجل عشق هذه اللغة وجغرافيتها وأبدع فيها، بالرغم من أنه لم يكن لغوياً، فهو صيدلي، في الأساس، كما يقول صديقه الدكتور محمد حسن باكلا. وسبق جونستون مجموعة دراسات قام بها بعض العرب، مثل: مراد كامل الذي عمل دراسة عن 
اللجهات العربية الحديثة في اليمن، ألقاها على طلاب قسم اللغة العربية في جامعة القاهرة، سنة 1968م، وعلي وافي نشر مقالاً في مجلة الزهراء، على اللسان العربي الجنوبي، وكان أول من درس هذه اللغة القنصل الفرنسي، في جدة (فرنسل) في دراسة سماها (احكيلي) نسبة إلى إحدى القبائل في ظفار، قبيلة الحكلي، نشرها عام 1838م، وفي عام 1898م، قامت بعثة نمساوية لجمع النصوص من سقطرة وجنوب الجزيرة العربية، وبناء على هذه النصوص قام (بتنر) بكتابة عدة نصوص ما بين 1909م و1917م، معتمداً على هذه النصوص، وفيها من الأخطاء ما لا يعد ولا يحصى حسب نقد المثقفين الجنوبيين، الذين يعرفون هذه النصوص، عقبها المستشرق الرحالة البريطاني (توماس) سنة 1937م، بكتابة عدد من المقالات حول هذا اللسان، بعنوان (أربع لغات غريبة من وسط الجنوب العربي) ثم جاء بعده (ليسلو 1945م، (ماثيوس) 1967م، الذي درس المفردات من حيث التراكيب اللغوية, ونقد ما قام به بتنر وزملاؤه، وفند الأخطاء التي وقعوا فيها. وقام علي بن محسن (من عمان) بنشر كتاب في مسقط، عام 1989م، بعنوان (من لهجات مهرة وآدابها) تحدث عن الشحرية على أنها حميرية ظفار، حيث انتشارها، وبعض صيغ الفعل فيهان مقارنة بالفصحى والمهرية (على حد تعبير الدكتور محمد المعشني) ومن المقابلات التي أجريناها مع بعض المثقفين في المنطقة لم نجد من هو راضٍ عن هذا الكتاب، ويبرر البعض منهم عدم رضائه عنه بأن المؤلف حشر مجموعة كبيرة من المعلومات باختزال شديد في 140 صفحة، والبعض رفض 
نسبة الشحرية للظفارية، والبعض لم يجد المقارنة مجدية....، ومثل هذا الكتاب كتاب آخر لمؤلفه، محمد المسهلي، بعنوان (مفردات من اللهجة الشحرية) وهذا الكتاب الصغير لم يرض الكثير من المثقفين وأهل البلاد، بالرغم من أن الدكتور محمد المعشني قام بمراجعته وتصحيحه. وتعتبر الرسالة العلمية التي تقدم بها محمد بن سالم المعشني إلى جامعة (مانشستر) في إنجلترا للحصول على الدكتوراه، تحت عنوان (العلاقات المعجمية بين الفصحى ولسان ظفار الحميري المعاصر) أهم دراسة منهجية ظهرت عن هذه اللغة إلى الآن، فقد بذل الباحث فيها جهداً كبيراً للتعريف بهذا 
اللسان، واثبت فيها أن هذا اللسان عربي، متفرع من العربية الجنوبية القديمة، أو ما نسميه اليوم (اللغات السامية) وأثبت مقارنة جيدة في هذا المجال بين العربية الفصحى وهذا اللسان. وهناك من درس هذه اللغة منفردا، ومنهم من قام بها مع غيره من الغربيين، مثل سالم تبوك، الذي درس هذه اللغة مع (هاي وارد Hayward) 1988 م، اللذين درسا حروف العلة في أفعال اللغة الشحرية، وهي دراسة منهجية إلى حد ما من بين الدراسات، من الغربيين والعرب عن هذه اللغة. ونود أن نختم هذا الحديث عن هذا العالم المنسي بالقول: إن ما كتب عن هذا اللسان لا يعتبر دراسات لها قيمتها، حيث لا تتعدى المقالات السريعة عن هذا اللسان، إذا استثينا ما قام به دونستون والمعشني، من دراسات علمية لها قيمتها ومردودها العلمي. يقول أهل ظفار أن هذه اللغة ما تزال مستعملة في عقد مجالس لقبائل، وحل الخصومات بين الأفراد في الجبل والبادية، أما الخصومات الشرعية فتتم باللغة العربية في المحاكم، وإذا كان الخصمان أحدهما أو كلاهما لا يعرف اللغة العربية، فيحضر مترجم بالعربية، وكذلك حال العقود والمبايعات فاللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وبناء على ذلك يقف السؤال التالي قائماً يبحث عن إجابة، ما مستقبل هذه اللغة، إذا تجاوزنا وقلنا أنها لغة، كما يطيب للبعض أن يسميها؟ ولذا لم نعتمد على الدراسات القليلة التي أجريت على هذا اللون من الحكي في جبال وسهول وبوادي ظفار، على أنها القول الفصل في هذا اللسان، فهو لهجة أهل هذه البلاد ولهم الحق في الاعتزاز بها وهي التراث الإنساني الذي ظهروا عليه، وهي الأداة 
الفنية التي يستطيعون التعبير بها في أوقات الفرح والحزن والسراء والضراء، وشح العيش ورغده.... لكن لكل زمن ظروفه ومقتضياته، وفي كثير من الأحيان (تجري الرياح لما لا تشتهي السفن....) ففي العهد الحاضر انفتحت ظفار على العالم الداخلي والخارجي، بفضل السياسة الحكيمة الحديثة، فبعد الجهل جاء عصر العلم الحديث، وبعد العزلة اختلط الظفاري بغيره في البلاد الرعبية والأجنبية، ومن باب أولى أن يؤثر ويتأثر، لكن أيهما أقوى للتأثير أم التأثر؟ سؤال كبير جداً، لا بدل لنا من الوقوف أمام الواقع لنؤكد الجواب عنه، فبالنظر إلى الظروف المحيطة بالمجتمع العربي، الذي أصبح يهدد في لغته العربية الفصحى، بكثرة ما يدخلها كل يوم من مفردات غربية، صارت عامية فيها، وهي اللغة المكتوبة والدينية في الوقت نفسه، فمن باب أولى أن غيرها من اللهجات العربية في طريقها إلى الاضمحلال، وإن كانت نظرة الظفاريين متفائلة ببقاء هذا اللسان، فإن الواقع يقول غير ذلك، ونحن لا ننظر للجيل الحاضر بل للأجيال القادمة، فهجرة الظفاريين إلى المدن العمانية الشمالية، وخاصة العاصمة مسقط لطلب العيش أو للعمل في الدوائر الحكومية، كحال العواصم في العالم كله، سيكون لها تأثير على المدى البعيد على هذا اللسان، خاصة عند فئة الشباب، والتعليم المتزايد باللغة العربية الفصحى، وعدم كتابة هذا اللسان، وعدم وجود نشرات إعلامية، كالصحف والمجلات والراديو.. وغيرها، وهجمات التكنولوجيا السريعة، سيؤثر في تناقص المتكلمين بها في العقود القريبة.

ليست هناك تعليقات: