.

2015/04/25

مســاقــات في النحو واللغة

بقلم: د. عبد الله بن أحمد الفَيفي
ألمحنا في نهاية المساق السابق إلى أن ذاكرة الإنسان العربي المليئة بعُقد تعلّم اللغة العربيّة، ومعاناته من مناهجها، أو مع مدرّسيها، وشعوره حين يكبر بالعيّ في التعبير، والخَطَل في الكتابة، وكثرة اللحن النحوي، والخطأ اللغوي، مع ما يسبّبه له ذلك من حَرَج في الأوساط الثقافيّة، وفشل في المناسبات الاجتماعيّة، فضلاً عن إحساس بالضآلة تعبيريًّا مقارنة بمتحدّثي اللغات الأخرى، كل تلك العوامل النفسيّة تجعل حامل هذا العبء "السيزيفي" ذا حافزٍ لا شعوريّ مضادٍّ للغته، يتحوّل مع الزمن إلى موقفٍ فكريّ منها، هو في بنيته العميقة دفاع فطريّ عن الذات، وكلّ إناءٍ بما فيه ينضح، وكلّ ضعيفٍ أو مستضعف لديه نزوع غريزيّ قويّ نحو المدافعة. فهو قد يُسقط التبعة على اللغة العربيّة نفسها، وما فيها من تضخّم مرضيّ، راكمه الشِّعر
عبر العصور، ممّا لا نظير له في لُغات أخرى، أو يُسقطها على النحو والنحاة: على رأس الخليل بن أحمد الفراهيدي، على رأس سيبويه، أو يُسقطها على الحرف العربيّ، أو المصطلح، أو المعاجم، أو مجامع اللغة... أو أو أو، أيّ شيء- عدا نفسه هو- كي يستشعر البراءة والراحة النفسيّة. هذا إلى جانب عُقَد النقص الجمعيّة، المتعلقّة لدينا بالبُعد الحضاري الذي نستشعر فارقه بيننا وبين الأُمم المتقدّمة علينا في العصر الحديث.
لا يُنازع أحد في صعوبة اللغة العربيّة، وإنْ كانت، بالمقارنة، من أسهل اللغات إنْ لم تكن أسهلها، لولا عوامل منهاجيّة وتعليمية وحضاريّة. برهان هذا أنها لو لم تكن من أسهل اللغات في طبيعتها لما غزت العالم شرقًا وغربًا في الماضي، وأثّرت في اللغات الأخرى تأثيرًا عميقًا جدًّا، معجمًا وبناء جملة، على الرغم من عدم وجود معاهد تنشرها، ولا تقنية تفرضها، ولا إعلام يشيعها، كما هو الحال اليوم في الاستنفار المسخّر في كل المعمورة لخدمة اللغة الانجليزيّة، ممّا لم يسبق له مثيل في التاريخ.
لنا أن نتخيّل اليوم لو أن الإمكانيّات التي جُعلت في خدمة اللغة الانجليزيّة، والأموال المكرّسة لإذاعتها وترسيخها، قد تهيّأت بالقدر نفسه أو ببعضه للعربيّة، أكانت الشعوب ستعاني في تعلّم العربيّة معاناتها الكابوسيّة في تعلّم الانجليزيّة، اللغة المجنونة، كما يصفها أهلها؟! إن غير العربي، وغير المسلم، يتعلّمان العربيّة في بضع دورات، فإذا هما يتحدّثانها بكفاءة تبز كفاءة العربي، وبقواعد سليمة طيّعة، لولا ما يصدمهما من أن العرب أنفسهم غارقون في لهجاتهم العامّيّة، لا يَفهمون ولا يُفهمون بالفصحى إلا بتعثّر مخجل. أمّا صعوبة اللغة العربيّة وصعوبة قواعدها لدى ناشئتنا فمصدرهما أمران:
1. أن القواعد كانت قد أقيمت منذ أقيمت على أساس أكثر من لُغَيّة (أو لهجة عربيّة)؛ إذ إن الجزيرة العربية لم تكن وِحدة اجتماعيّة واحدة، ولم تكن لغتها لغة واحدة، على الرغم ممّا يقال حول ما أحدثته الأسواق الأدبيّة قُبيل الإسلام من تشكّل لغة أدبيّة جامعة، فلقد ظلّ دور تلك الأسواق دورًا أدبيًّا، لا أكثر. وكانت أبرزَ تلك اللهجات المعترف بها لدى علماء اللغة القدماء لغتا الحجاز ونجد. إذ لم يكن بالإمكان أن يُهمل اللغويون لغة الحجاز القرآنية- وإن كانوا قد تحاشوا كثيرًا منها بعد الإسلام سدًّا لباب المؤثّرات الأجنبيّة، بعد أن أصبحت الحجاز مهوى أفئدة البشر من عرب وعجم، وإنْ لم تكن تخلو من اختلاط الأعراق قبل الإسلام كذلك- كما لم ير اللغويون والنحاة جواز إهمال لغة نجد الشِّعريّة، وإنْ تجنّبوا لغة جنوب الجزيرة وشرقها وشمالها للأسباب نفسها التي رأوها في شأن الحجاز بعد ظهور الإسلام. وهكذا أرادوا أن يجمعوا بيض اللغة في سلّة واحدة، أن يجمعوا بين لغة القرآن الحجازيّة القرشيّة- في معظمها على الأقل- ولغة الشِّعر النجديّة، وذلك في لغة واحدة جامعة، لها قواعد منضبطة، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، فوقع الاضطراب ولم يستقم الأمر لهم كل الاستقامة. وهكذا ظلّ بنيانهم هيكلاً نظريًّا، صارم المنطق، كان أوّل من أظهر التمرّد على قوانينه الشعراء، منذ الفرزدق ومن تلاه من شعراء البادية والحاضرة.
2. أن منافسة النحاة فيما بينهم من جهة، وجمود مناهجهم من جهة أخرى، قد حالا دون استصفاء قواعد منضبطة ميسّرة.
لقد كان يجب- في تقدير العلم والعقل- أن يستقرّ علماء اللغة والنحو في تقعيدهم على لغة بقعة جغرافية محدّدة، كأن تكون لغة الحجاز، وعلى نصٍّ واحد كأن يكون القرآن، يبنون عليه قواعد العربيّة الرئيسة. ولاسيما أن لغة الشِّعر هي لغة حرّيّةٍ، ومجازٍ، وكسرٍ للسائد، وأوّل ذلك السائد السائد اللغوي، فضلاً عن أنه، كما قالوا بأنفسهم: يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره، بحكم الشِّعريّة أولاً، ثم بحكم ضرورات الأوزان والقوافي. كان يمكن أن تكون هذه هي السبيل، ومن شاء أن يخوض في غير ذلك، متبحّرًا في غمار اللهجات والاختلافات، فذلك شأنه. وهو ما يمكن- من وجهةٍ نظريّة- أن يُفعل اليوم إنْ أريد للعربيّة أن تخرج من طريقها الوعر الذي سلكته والشعاب التي تسلكها يومًا إثر يوم.
أمّا الجدل البيزنطي الدائر بين الداعين إلى الثورة الجذريّة على النظريّة النحوية- منذ ابن مضاء القرطبي- وبين المحافظين على قوالب النحو بحذافيرها، وكأنها قد بلغت مرتبة القداسة، فجدل لا يفيد فتيلاً في خدمة العربيّة. وإنما هو جهد نظريّ، يستهلك العقول، دون إنجاز بدائل. سيظلّ النحو العربي رابطًا ضروريًّا للعربيّ بلغته، في نصوصها التراثيّة، وفي تواصله بها على امتداد العالم المتحدّث بها، ومرجعيّة ذهنيّة للتفاهم بهذه اللغة، التي لا نظير لها في العالم؛ لا نقول هذا لأسباب دينيّة فحسب، ولكن أيضًا لأنها لغة حملت تراثًا إنسانيًّا طويلاً، وكوّنت روابط شتّى، في تجربة تاريخيّة بالغة التعقيد، من الحماقة التفكير في تفكيكها.
سيظل النحو العربي- إنْ عُدّ شرًّا- شرًّا لا بُدّ منه ولا مفرّ عنه. إلاّ إنْ تخلّينا عن كل تلك الشبكة من العلاقات الثقافيّة والحضاريّة التي امتدّت مئات السنين، وهذا ما لا يقول به عاقل، اللهم في مخاضات من الترف الذهني، والهرطقة المجّانيّة التي لا تقيس الأرباح والخسائر. ولا أشبه بتشدّد بعض متنطّعي النحاة هنا من تهويل الداعين بالويل والثبور وعظائم الأمور من صعوبة قواعد اللغة العربيّة. وهي صعوبة تزداد في حقيقة الأمر عن عدم تربية الناشئة على النصوص، وإلاّ فكلُّ يعرف كثيرًا ممّن نشأوا تلك النشأة اللغويّة السليمة، أي على القرآن الكريم، وعلى النصوص العربيّة الرفيعة، فغدت قواعد اللغة تسري على ألسنتهم تلقائيّة، دون أن يعرفوا ما الفاعل وما المفعول؟ فيما أساتذة نحو ولغة في الجامعات، ممّن لم ينشأوا تلك النشأة اللغويّة الصحيحة، لا يكادون يحسنون حديثًا، أو حتى كتابة، دون التعثّر واللحن. ما يعني أن العلاج هو في تحويل اللغة إلى منهاج من التلقّي النصوصيّ والممارسة الحيّة، لا إلى طلاسم من القواعد والتلقين.
من جانب آخر، فإن من يتصوّر أن قواعد غير العربيّة سهلة، نديّة، مرنة، متسامحة، وغير متحجّرة، ما هو إلاّ واهم أو مغالط. فلا أشدّ صرامة من الانجليزيّة مثلاً في قواعدها، ولا أعجب من منطق بعض مسلّماتها التي لا مجال لمناقشتها مع أساتذة نحوها؛ فهي خاضعة كما يقولون لمنطق اللغة الذي هو بلا منطقٍ قابل للإيضاح أو التعليل. ولا تقارن- بحالٍ- الطاقة الإبداعيّة القواعديّة الكامنة في العربيّة، والمساحة المتاحة للمتحدث بها للتصرّف بلغته وتشكيلها، على قدر مَلَكته اللغويّة، بتلكم القضبان الحديديّة التي يُقذف فيها المتحدث بالانجليزيّة، حتى إنه لو حاول الابتكار والتوليد في استعمالاته اليوميّة أو غير اليوميّة كما بإمكان مستعمل العربيّة أن يفعل، لقوبل بالاستنكار، والتقريع لمخالفته أنماطها الثابتة، التي لا مجال لتغييرها، وإنْ أدّى غيرها معناها نفسه وبلغة انجليزيّة سليمة.
إن اللغة العربيّة مهرة عربيّة أصيلة يستطيع فارسها التحكّم فيها كيف شاء، في حين أن لغة كالانجليزيّة لغة تحكم صاحبها ولا يحكمها.

ليست هناك تعليقات: