.

2015/04/25

اللغة العربية تنعى حظَّها!

د.عدنان علي رضا النحوي

لقد نمت اللغة العربية من خلال تاريخ طويل مرّت به الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق . واستقرت على صورة من القواعد والبناء والبيان في نثرها وشعرها ، وتحدّدت مفهومات مصطلحاتها وتعبيرها ، وأساليب بيانها ، حتى تميّزت بذلك كله بروعة البيان وجمال التعبير وأسر الكلمة ، وحتى أصبحت هذه اللغة العظيمة غنيّة بكلماتها ومشتقاتها وقواعدها وبلاغتها . وأصبحت غنية بنغمتها وموسيقاها ، وأصبح البيان يهزّ العربي وغير العربي ممن عرف العربيّة وأتقنها ، وأصبحت اللغة كنزاً في حياة العربيّ تؤثر في فكره ونهجه .
يقول أرنست رينان صاحب كتاب " التاريخ العام للغات السامية " :
من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية " العربية " وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى وعند أمة من الرحّل ، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها.." .
لقد كانت اللغة العربية لغة العرب وحدهم قبل أن يبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وقبل بدء الوحي . فمن اللحظة التي نزل فيها الوحي على النبيّ الخاتم باللغة العربية واختار الله سبحانه وتعالى هذه اللغة العظيمة لتكون لغة الوحي والنُبَّوة ، ولغة القرآن الكريم ، منذ تلك اللحظة أصبحت اللغة العربية هي لغة رسالة الإسلام ، لغة الأمة المسلمة مدى الدهر ، لغة كل مسلم .
إِنَّ واقع اللغة العربية اليوم يتأثَّر كثيراً بواقع المسلمين ، فهي تقوى بقوّتهم وتضعف بضعفهم ، ولكنها تبقى في الميدان تصارع التحدِّيات ، تبقى حيَّةً بكل خصائصها مهما ضُيِّق عليها أو غزاها الظالمون ، ومهما اشتدَّ المكر والكيد لتوهينها أو عزلها عن الميدان .
وجميع اللغات تخضع إلى هذه القاعدة ، فهي تقوى بقوّة أُمَمِها وتضعفُ بضعفها ، ولكنها لا تستطيع كلُّها الصمود أمام التحديات التي تظهر أمامها . ويضرب لنا التاريخ أمثلة كثيرة على لغات وقفت ثم تراجعت ، وعلى لغات أصبحت مجرّد تاريخ ، وعلى لغات بادت مع شعوبها .
ولكنّ اللغة العربية تميّزت بخصائص لم تتوافر لأي لغة أُخرى . إِنها تميّزت بخصائص وهبتها القدرة العظيمة على الصمود أمام التحدّيات حيّة قوية ، تدفع وتدافع وتصارع . وبعض هذه الميّزات ينبع من إمكاناتها الذاتيّة التي وهبها إياها الله من خلال مراحل تاريخها ونموّها ، ومنها ما هو نعمة من الله عليها وعلى المسلمين وعلى الناس كافة ، حين اختارها الله لغة رسالته إِلى عباده ولغة دينه ، وحين تعهَّد الله بحفظ الذكر الذي نزل بها .
     وتمرّ اللغة العربية اليوم بتحدّيات وصعوبات نابعة من واقع المسلمين ، فلقد فقد الكثيرون من المسلمين اليوم الحافز الإيماني لتعلّم اللغة العربيّة . ظنّ بعضهم أنه يمكن الاستغناء عن اللغة العربية ، وأنه يمكن دراسة القرآن الكريم والسنة المطهرة بأي لغة أُخرى إذا تُرجِما إليها . فضعفت النية والعزيمة لتعلّم لغة القرآن الكريم والتمسك بها في مناطق كثيرة في العالم الإسلاميّ ، مع ما أخذ المسلمون يعانـون منه من غزو كاسح وفواجع ومآسيَ ، وهزائم في أكثر من ميدان .
     ولقد تبع هذه الظاهرة وصاحبها ضعف في التصور الإيماني والتوحيد وضعف في تدبّر منهاج الله وفهمه وممارسته في واقع الحياة .
     وقد أدرك الأعداء أهمية اللغة العربية وخطورة منزلتها في الإسلام وفي فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فكان من أهم محاولاتهم إِضعاف صلة المسلم بلغته العربية ، وإِضعاف شعوره بضرورة التمسك بها ، وطَرْح أفكار غريبة مريبة تصرف المسلم عن لغة دينه ورسالته في الحياة . واستمرت هذه المحاولات قروناً واستغرقت جهوداً كثيرة ، ومتابعةً متواصلةً دون ملل . فَطُرِحَتْ أفكار لتغيير قواعد اللغة العربية أو بعضها ، وأفكار لتغيير أحرفها وكتابتها ، وأفكار لتغيير الشعر العربي . وكانت هذه المحاولات والأفكار التي تُطْرَح مرتبطة بسائر المناهج والتخطيط الذي يضعونه لغزو العالم الإِسلامي ، وتدمير طاقاته الإِيمانية والفكرية والبشرية وغيرها .
     لعلَّ هذا الواقع المؤلم لم يشهد مثله تاريخ المسلمين الطويل ، ولا انحسرت اللغة العربية مثل انحسارها اليوم . ولكننا نسرع بالقول لنبيّن ونؤكد أنها مازالت صامدة في الميدان تجابه التحدّيات كلها ، وأنها ستنتصر ، وينتصر المسلمون ، وتعلو كلمة الله لتكون هي العليا ، تدوّي بها اللغة العربية : الله أكبر ، الله أكبر !
     لم يكن المسلمون يسنّون قانوناً عسكرياً أثناء فتوحاتهم يفرضون على الناس به تعلّم اللغة العربية . لم يكن انتشار اللغة العربية في الأرض انتشار قسر وقهر . لقد أقبلت الشعوب كلها على تعلم اللغة العربيّة إقبال شوق ورغبة ، بعد أن أسلمت وآمنت ، وبعد أن عرفت من إيمانها وإسلامها منزلة اللغة العربية في الإسلام . وظلت اللغة العربية تنتشر بين الشعوب سواء أكان المسلمون منتصرين أم مَهزومين . ونَبَغ من الشعوب غير العربية عباقرة في اللغة وأئمة فيها ، حين قدم الإِسلام للشعوب رسالته الربانيّة ، رسالة الإِيمان والتوحيد ، وحين تساوت الشعوب في ظلال هذه الرسالة وفي ظلال العبودية لله رب العالمين .
     فلم يكن انتشار اللغة العربية بين الشعوب إلا بحافز إيماني ، يزيده قوة ووضوحاً امتداد السلطان والنفوذ ، وامتداد الدعوة الإسلامية في الأرض . وأصبحت اللغة العربية أحد العوامل الجامعة للأمة المسلمة ، وستظل كذلك على مدى التاريخ .
     ولكننا اليوم نشهد واقعاً جديداً يحمل من التحدّيات الشيء الكثير . فقد انحسر سلطان المسلمين ، وتمزّقت ديارهم ، ومُنُوا بالهزائم تلو الهزائم ، وغلب الأعداء على مواقع كثيرة ، وأخذ الإيمان يضعف في بعض النفوس ، والعلم بمنهاج الله يجفّ ويبهت ، حتى غلب الهجر لمنهاج الله لدى كثير من المسلمين :
(وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً)
[ الفرقان : 30 ]
     وامتدت الفتنة في كثير من ديار المسلمين ، وأخذت الفتنة أشكالاً مختلفة متعددِّة ، وتسلَّل الإِحباط إِلى نفوس كثيرة . وتبع ذلك كله ضعف عام لدى المسلمين في اللغة العربية !
     فلقد انتشرت اللغات العاميّة ولهجاتها ، وأصبح العامة من العرب أنفسهم لا يعرفون اللغة العربية الصحيحة ، ولا يعرفها كذلك كثير من المثقفين العرب .
     وانتشرت الأخطاء اللغوية في بعض الصحف والمجلات ، والكتب وبعض الإذاعات . وفي مناطق كثيرة في العالم الإسلامي غلبت اللغات القومية وانحسرت اللغة العربية أو اختفت ، وضعف الشعور باحترامها وتقدير منزلتها في دين الله ، وضعف الحافز الإيماني والوعي الإسلاميّ بضرورة تعلمها ، وضعفت النيّة تبعاً لذلك وهبطت الجهود . وقد ترى الرجل المسلم ينال أعلى الدرجات العلمية في أبواب شتى من العلوم ، ويتقن من أجل ذلك اللغات الأجنبية ويبذل الجهد الكبير من أجل إتقانها ، حافزهُ في ذلك الدنيا ونيـل الشهادة وما يتبعها من مصالح دنيوية ، ولا يجد في نفسه الحافز الإِيمانيّ لدراسة اللغة العربية ، ولا الحافز الدنيوي .
     وقد تجد المفكر المسلم أو الأديب يصبّ فكره وأدبه بلغة أجنبية عنه وعن قومه وعن دينه ، أو بلغته القومية ، بعد أن هبط الشعور والإحساس بضرورة تعلم اللغة العربية ، وهبط الحافز الإِيمانيّ أو اختفى .
     ونجد في بعض أقطار العالم الإسلامي أن اللغة العربية قد اختفت ، واختفت حروفها وقواعدها . ونجد أن اللغة الأجنبية ، لغة المحتلّ الظالم الطاغي الذي يحارب الإسلام ، سادت في هذا البلد الإسلاميّ أو ذاك . وانتشرت مع هذه الظاهرة بعض العصبيات الجاهلية ، وبهتت روح الإيمان والاعتزاز بمقوّمات الإسلام ولغة القرآن والوحي .
     ونجد كذلك أن بعض المسلمين لا يتكلمون اللغة العربيّة في المؤتمرات العلميّة أو الإسلامية أو الدولية ، بينما نجد آخرون يلتزمون لغتهم القومية في مثل هذه المؤتمرات .
     وتنحسر اللغة العربية في الفنادق والمطاعم وغيرها من مواقع السياحة في كثير من أقطار العالم الإسلامي ، وتنحسر كذلك في اللافتات على المحلات التجارية والصناعية وغيرها من المراكز العلميّة والإعلامية .
     ومع هذا الانحسار الشديد فإن اللغة العربيّة واجهت هذه التحدّيات بقوة وثبات وصمود ، وسجّلت انتصارات كثيرة في مواقع عديدة . فهناك مسلمون في كلّ بلد إسلامي يصرّون على تعلم اللغة العربية وعلى استخدامها ، سواء أكان ذلك في بلادهم أم في بلد عربيّ يرتحلون إليه لدراسة الإِسلام ودراسة اللغة العربية .
     إن أعداء الله لم يلقوا سلاحهم ، ولم يوقفوا مكرهم ضد الإسلام والمسلمين وضد اللغة العربية ، بل على العكس من ذلك ، فإنهم يطوّرون أساليبهم وكيدهم دون ملل أو يأس . وعسى الله أن يردّ مكرهم إلى نحورهم ، وعسى أن يصبح ما ينفقون من أجل ذلك حسرة عليهم .
     ولكن يجب علينا أن نضع نهجنا نحن المسلمين ، وأن نفصّل التخطيط لحماية اللغة العربية وإعزازها وإعلاء كلمة الله في الأرض . ومن أجل ذلك يجب أن تعرف الناشئة منزلة اللغة العربية في دين الله ، وواجبها الشرعي على ضوء ذلك .
     ومن هنا ندرك مسؤوليتنا في أن ننمّي لدى المسلمين خاصة والناس عامة الشعور والإحساس بضرورة دراسة اللغة العربية ، حتى يفقهوا كتاب الله وسنة نبيه ، وحتى نكون أوفينا البلاغ بما أُنزِل وأدّيْنا الأمانة . فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الناس كافة ما أُنزل إليه ، فإن لم يفعل ذلك فلا يكون قد بلّغ رسالته :
( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)                [ المائدة : 67 ]
     ومما يؤكد هذه الحقيقة الهامة أنه عند نقل القرآن والسنة إلى لغة أخرى غير العربية فإن المعاني لا تُسْتَوفَى كما هي مستوفاة باللغة العربية ، وإن الإعجاز الذي يحمله منهاج الله والذي تحدّى به العرب والإِنس والجنّ يفقد كثيراً من خصائصه ، وإِن البيان المعجز المؤثر في النفس يختفي معظم تأثيره ولا يبقى الكلام عندئذ كلام الله ، ولا القرآن قرآناً ، ولا التلاوة تلاوة . وفي اللغة العربية ، وألفاظ القرآن وتعبيراته بها ، ما يتعذّر نقله إلى لغة أخرى . فكلمة الولاء ، وآية ، الإحسان ، التقـوى ، عَرَض هذا الأدنى ، قدم صدق ، وأملي لهم ، إمام ، عاكفين ، وكلمات كثيـرة ، وتعبيرات قرآنية كثيرة أعجزت العرب أن يأتوا بمثلها ، فأنّى للغات غير العربية !
     ولّلغة العربية جمال متميّز عن سائر اللغات . إنه جمال الوضوح والدقة في المعنى ، وجمال الظلال الموحاة ، وسائر أبواب الجمال الذي كشف عن بعضه العلماء المسلمين في تاريخ طويل . وسيظل الجمال متجدّداً تتفتح أبوابه مع الأيام . ولا تنطبق قواعد الجمال في اللغات الأُخرى على قواعد اللغة العربية ، فلّلغة العربية جمال آسر هزّ جميع من درسها وعرفها . ولقد هزّت الأدباء والشعراء وهزّت الشعوب .
     ونذكر هنا بعضاً من أبيات حافظ إبراهيم من قصيدته التي عنونها : " اللغة العربية تنعى حظها من أبنائها " يسطر فيها معاناة اللغة العربية اليوم :
رَجَعْـتُ لِنفْسي فـاتَّهَمْتُ حصاتي

ونـاديتُ قـومي فاحْتَسَبْتُ حياتي
رَمَـوْني بِعـقمٍ في الشباب وليْتَني

عَـقِمْتُ فـلم أجْـزعْ لقول عِداتي
ولَـدتُ فلـمَّا لم أجـدْ لعـرائسي

رجـالاً وأكْـفـاءً وأدَّتُ بَـنَاتـي
وسِـعْـتُ كـتاب الله لفظاً وغايةً

ومـا ضِـقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
فَكَيْفَ أضيقُ اليوم عن وصْف آلةٍ

وتـنسيق أسـمـاءٍ لِـمُخْتَرَعَاتِ
أنـا البحرُ في أحشائه الدرُّ كامِنٌ

فـهل سألوا الغوَّاصَ عن صَدَفاتي
أرى كـلَّ يـومٍ بالجـرائد مَـزْلقاً

مـن القَـبْرِ يُدْنيني بِغَـيْرِ أنـاةِ
وأَسْمَعُ لِلْكُتَّاب فـي مصر صَيْـحةً

فَـأعْـلَمُ أنَّ الصائحـين نُعَـاتي
أَيَهْجُـرني قَوْمي ـ عفا الله عَنْهُمُ

إلـى لُـغَةٍ لـم تَـتَّصِـلْ بِـرُواةِ
سَرَتْ لوثَةُ الإفْرنج فيها كَما سَرَى

لُـعابُ الأفـاعي في مسيل فُرَاتِ
     إنَّ الإسلام أعطى اللغة حقها من التكريم وأعطى الإنسان حقه من التكريم ، حين جعل مهمة الإنسان في الأرض أمانة وعبادة وخلافة وعمارة ، حين جعلها ممارسة رسالة الله في الحياة الدنيا ، وحين جعل الوظيفة الأولى للغة حمل رسالة الله وإبلاغها وبيانها :
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً )   [ مريم : 97 ]

ليست هناك تعليقات: