.

2015/09/01

لهجاتنا والدلالات المتنافرة

هل العوام يبتكرون لغاتهم وفقاً لحاجتهم وبيئتهم وبمنأى عن مواضعات اللغويين والنحاة؟ وهل هناك بعد شاسع بين لغتنا الفصيحة ولهجاتنا العامية؟ لماذا لا تتضافر جهود المختصين في اللسانيات وبالذات في علم اللغة الاجتماعي وعلم اللهجات لدراسة هذه الظاهرة اللافتة في لغاتنا المحكية المعاصرة؟ أسئلة كثيرة قادت الدكتور موسى الحالول لطرحها بعد أن لمس التنافر الدلالي. والشفرات السرية. والمطبات اللفظية المحرجة بين مواطني الوطن العربي. وقد شهدتُ بعض تلك المواقف، حيث رغب أستاذنا المصري أن نبحث عن دار وسكنى ليستأجرها في أحد الأحياء بمدينة أبها، وعندما التقى وصاحب الدار سأله المعلم عن أجرها الشهري. فقال مالكها (براسك) وهنا كادت أن تقع معركة بين الاثنين. فقد فهم معلمنا أن صاحب الدار يهينه. فكيف يأخذ رأسه مقابل سكناه. وعندما تدخل أهل الحي وشرحوا للمعلم أن المقصود بكلمة (براسك)، أي قلْ أنت أجرتها. وهذا تكريم لك وليس إهانة كما تصور فضحك المعلم واعتذر واستأجر الدار. ويروي الحالول موقف والده عندما ذهب إلى قرية الكافات شرق مدينة حلب للتداوي عند طبيب شعبي. وقد أوصاه الطبيب بالبقاء عدة أيام لمتابعة حالة مريضه. وهنا برزت مشكلة الإقامة ومعه بعض أفراد أسرته. سأل والد الحالول أول رجل صادفه خارج عيادة المعالج عن مأوى يؤويهم بضعة أيام. فأشار عليه الرجل بالذهاب إلى (المنزول)، فما كان من والد الحالول إلا أن اخترط عقاله ليضرب به الرجل لولا تدخل شقيقه ومبادرة الرجل للاعتذار. فقد أدرك أن لكلمة (منزول) التي تعني المضافة عندهم معنى قبيحاً أثار حفيظة ذلك الفلاح القادم من ريف الفرات. وهي بالفعل تعني الكرخانة أو المكان الأسود بالتركية. ومن المطبات اللغوية كلمة ( التقبيل )، فهذه الكلمة ذات دلالة معروفة لكل الناطقين بالعربية. ولكنها في السعودية لها معنى شائع آخر. وهي التنازل إما بيعاً أو إيجاراً. فالسعودي الذي يقرأ إعلانات التقبيل على واجهات المحلات يعرف تماماً ما تعنيه هذه الإعلانات، ولا يخطر في باله ( اللثم ) الذي يخطر في بال من هو خارج الدائرة اللغوية السعودية. ويروي الحالول أنه تمنى لصديقته المغربية العاملة معه في جامعة بنسلفانيا (العافية) بعد أن ألم بها عارض صحي. فضحكت وأفهمته أن العافية عند المغاربة تعني (النار)، وغير هذه من عشرات بل مئات الكلمات ذات الدلالات المزدوجة والقوالب اللفظية المحرجة والمخجلة كالتي أوردها الدكتور في بحثه. وخاصة تلك المفردات التي يصعب ذكرها في هذه المقالة. لما فيها من الفحش والقباحة والإيذاء.
أحمد عسيري        2010-10-30 3:48 AM

ليست هناك تعليقات: