.

2015/09/25

الأصول العربية لعلم اللغة المقارن (linguistique comparée )

موضوع علم اللغة المقارن هو دراسة الظواهر الصوتية و الصرفية و التركيبية و المعجمية في اللغات التي تنتمي إلى أسرة لغوية واحدة ، وبيان العلاقات التاريخية بين اللغات التي تعود إلى أسرة لغوية واحدة .


ويمكن إجمال أهدافه في :
أ ـ الرؤية التاريخية : بغرض التوصل إلى اللغة الأقدم تاريخيا و اللغة الأحدث .
ب ــ البحث عن القوانين التي تفسر الظواهر اللغوية : مثل ما نجد في قانون Jacob Grimm الذي أجرى العديد من البحوث التطبيقية الصوتية قارن فيها بين بعض اللغات .
و من بين ما توصل إليه أن هناك تبادلا بين اللغات فيما يتعلق بحرفي f و p ( مثلا الكلمة اللاتينية patsr ( أب ) تحول فيها حرف p إلى f في الإنجليزية (father ) بينما ظل كما هو في الفرنسية ( père )... إلى غير ذلك من القوانين التي تنسب إليه .
ج ــ محاولة التصنيف و التبويب للغات : مثلما يفعل علماء النبات للنباتات المتنوعة .
و إذا كان اكتشاف السنسكريتية ( لغة الهند القديمة ) من طرف وليام جونز السبب الأساس لظهور هذا الفرع من علوم اللغة عند الأوربيين ، حيث وجَّه الأنظار إلى الدراسة المقارنة على أسس علمية ، و من ثمَّ كانت نقطة تحول في الدراسة اللغوية في أوربا ، فإن علم اللغة المقارن وُجد عند العرب في فترة مبكرة جداً ، أي منذ القرن الرابع الهجري على يد لغويين متخصصين في المغرب و الأندلس ، نذكر منهم :
1ـ جودة بن قريش التاهريتي ( القرن 4 هـ ) الذي أكد بأن العربية و العبرية ناتجتان عن أصل لغوي واحد وأنهما تفرعتا بسبب الاختلاط والاحتكاك بلغات أخرى والاقتراض منها . وقد قام بمقارنات للأصوات الساكنة في العربية و العبرية مع ترتيبها ألفبائيا ، كما بين بعض أوجه التشابه بين اللغتين من حيث الجذور . ويمكن اعتباره أب الدراسات السامية المقارنة .
2 ـ ابن حزم الأندلسي ( 456هـ ) الذي اكتشف القرابة اللغوية الموجودة بين كل من العربية و العبريــــــة و السريانية ، يقول في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام " : ( الذي وقفنا عليه و علمناه يقينا أن أن السريانيــة و العبرانية و العربية ...لغة واحدة تبدلت مساكن أهلها ، فحدث فيها جرش (الجَرْشُ : من جَرَشَ، يَجْرُشُ وهو الصوت الذي يحصل من أكل الشيء الخشن ، وهو هنا كناية عن صعوبة نطق بعض الأصوات .لسان العرب : باب الجيم ، مادة جرش ، ج 1 /599) كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان ، ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي ... وهكذا في كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبدلا لا يخفى على من تأمله... فمن تدبر العربية و العبرانية و السريانية أيقن أن اختلافها إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان و اختلاف البلدان ، و مجاورة الأمم و أنها لغة واحدة في الأصل " . الإحكام : لابن حزم ، تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر ج1/30 .
3ـ إسحاق بن بارون ( القرن 5 هـ ) في كتابه :" كتاب الموازنة بين اللغة العبرية و العربية" الذي عقد فيه مقارنة بين اللغتين على المستوى الصرفي و النحوي فتوصل مثلا إلى أن التثنية و الجمع يتمَّان في العربية بإضافة النون بينما العبرية تضيف الميم ، وأيضاً على المستوى المعجمي حيث جمع كل الجذور التي يتشابه نطقها و معناها في كلتا اللغتين .
و جاءت الدراسات اللغوية المقارنة الحديثة بعد قرون طويلة من ظهور علم اللغة المقارن عند العرب فقامت بتصنيف اللغات إلى أسر أو مجموعات ، بناءً على مقارنات بينها أثبتت أن هناك أوجهَ شَبَه بينها على المستوى الصوتي و الصرفي و النحوي و المعجمي ، مما يعني أن اللغات المنتمية إلى الأسرة نفسها قد انحدرت من أصل واحد مشترك تفرعت عنه لغات الأسرة كلها - و إن كان تقسيم اللغات شيئاً صعباً بسبب الاختلاف حول أصل اللغة الأم التي تفرعت عنها سائر اللغات الأخرى -


و للإشارة فإن أشهر النظريات في تقسيم اللغات حسب الأصل المشترك بينها تلك التي تُصنِّف اللغات إلى ثلاث فصائل وداخل هذه التصنيفات الثلاث هناك لغاتٌ كثيرة ، وهذه الفصائل هي كالتالي :


أ ـ اللغات السامية الحامية (langues chamito – sémiques)
ب ـ اللغات الهند أوربية ( langues indo- européennes)

ت – اللغات الطّورانية : (L . touraniques ) وتشمل طائفة من اللغات الآسيوية و الأوربية التي لم تُصنَّف ضمن التصنيفين السابقين .

ليست هناك تعليقات: