.

2016/02/07

البعثُ في جيزان

كادت تسميتي (جيزان الشاعرة) التي أطلقتها عليها عام 1416 (جريدة البلاد – عدد: 14449) تسرق عليّ كتابتي عنها اليوم، لكنّ إطلاق خادم الحرمين الشريفين اسم (درّة الجامعات) على جامعتها جعلني أتردد بين لقبين كلاهما في مكانه، فهي درة الجامعات في جيزان الشاعرة. كان موضوعي عنها -آنذاكم- رثائيةً لها بعد عقود من الظلام والكبت الإداري عانته شاعرتنا جيزان لا ينكره أحد.
وبمجرد توجه الملك إليها من الخارج مباشرة أيام الوادي المتصدع، ثم زيارته التي حملت اعتذاريّته التاريخية، وبصماته التي طبعها على جبين شاعرتنا،
صار عليّ الكتابة عن (بعث الشاعرة) بعثا جديدا مع احتفاء الدرة بشفاء الملك ونهاية مرحلتها الأولى. فما زلتُ مصرا أنّ المسافة بين الإنسان والإنسان في جيزان شاعر، وبين المكان والمكان قصيدة.. عندما يودعك العرس الجبليّ الأزديّ في أوج احتفاله وأوديته المنحدرة في كل شيء سوى إنسانه، تحتضنك جيزان وعذوقها بين يدي طينها المفيق توا من صباحات المطر والنّدى.. لم نلحظْ أنها أنكرتنا رغم إنكارها قبل عقود -بصبر- كلَّ غريب جثم غصبا على ترائبها وغاص لذاته في عمق ذراتها، اكتفتْ بإنكاره صابرة على تشبثه بتلك الترائب.. هذه المرة لم ولن نجد ذلكم الإنكار والتّصبّر.. بل أذابتْ فينا بصدرها قرّ الشتاء..
دخلنا جيزان والشطآن نفنوف تهاميّ متوثّب، وسعة الدور والصدور والحقول التي تستعرضُ صِباها منتظرة من (درب بني شعبة) إلى ما وراء بلدة (أبو حجر) تكتظّ وتشرقُ كل آن مرتين: مرّةً أزْدا وأشرافا وسادة وحوازمَ وتقاليد وأعرافا، وأخرى اخضرارا ووطنا وغناء.. في كل قرية هنا تستعدّ العقومُ لتتعلّمَ كيفَ تعود من رفوف الذكريات وتعيد لنا من جديد تفسير الفعل (كان)، ويتدرّبُ الفلاحُ كيف يعيد من جديد فنون الحكاية والأحاجي كي يتحفنا بإعادة خلق الحياة.. صباحات جيزان: عقوم – عذوق – عروج – رعاة – أودية الخصب والعطاء – سلّة خبز المملكة مهما غفتْ واستراحتْ مساءاتها – قصائد مغناّة وفنون من السرد الحياتيّ ترفلُ وسطَ كل (مَعاد) وناد.
صاح بنا صائحهم من (امْزَهْب): تعالوا فقد أضاءتْ عقودنا الماضيات: شُفِيَ الملك.. أميرنا الآن يرقص معنا وزهوبُنا لنا.. زهْب (درة الجامعات) يلبسُ الأخضر ويغنّي (يومنا الذّهب).. محمد هيازع وجدَ نقاءَ وقيادةَ جدّهِ هنا فمارسه عشقا دون أن تستطيع (المعالي) قيده وتكشيرَ وجهه.. لقد أعلى رتبة (المعالي) على ندرتها هنا وليستْ هي مَنْ أَعْلته! ولذا كانت عذوق (امْزَهب) متّسقَةً خضراء: – حسن حجاب – إبراهيم أبو هادي- محمد حبيبي (غصبا عنّي) – موسى محرق (أجارنا الله) – أحمد السيد (كلنا سادة يا سِيدي) – صالح خيري، وأصل (امْزهوب): حجاب الحازمي – أحمد الحربي – إبراهيم مفتاح – حسين سهيل، وبقية زهوبنا على امتداد المكان، وامْعذوق امْجديدة: إياد حكمي – عبدالرحمن إدريس – حسن خواجي، وطوابير الحب سواهم..
مرحلةٌ أولى من (درّة الجامعات) تنهض. ولا غرابة أن تبدأ نهضة ما بعد عقودٍ كتبها التاريخ ما ظهر منه وما بطن بقيادة الجامعة في بلد الشعر والفن والثراء، فمن التعليم يبدأ النور، كما منه كان فينا -ولم يزل- بعض ما كان.. طربنا كثيرا أيها الأحبة ليس لأن الجامعة ظهرتْ كبيئة متكاملة الحياة علميا واجتماعيا واقتصاديا فقط، بل لأنها بدتْ لنا صورة لمجتمعنا بقيمه الجمالية والتاريخية الصادقة المعبّرة عنه، ولم تعدْ جسما غريبا يحرّمُ علينا أن نفرح وأن نغنّي كما يحق لنا أن نبكي ونتباكى.. بدتْ لنا درّة الجامعات تغنّي باسم أرضنا، وتفرح كشبابنا وأطفالنا، وتضحكُ كحقولنا. إنها أولُ جامعة لدينا تعلنُ الضحكَ والحرّيّة وغناء جزيرتنا، وإعلان إمكانات شبابنا الذين لمْ نرَ أسوارَ الجامعة تفصلهم عن أهلهم ومجتمعهم.. كيفَ لا وأميرها يغنيها ويرقص بها ومعها فرحا، ومديرها وأكاديميوها (ينصُدون امْزهب وامْخَضير)؟
رسائل:
• إلى الأمير: شكرا على البصمة اللائقة الراقية والمتابعة التي سيشهد لك بها التاريخ، فالكل -ممن لا تسمعهم أو تعرفهم ولكننا نسمعهم- يقول: لقد كان مجيئك إلى سلة خبزنا محاولة لعلاج عقود من غبن المكان أعلنه الملك بشجاعة القائد الصادق الوفيّ، وبصمات قيادتك جلية، ومحافظات المنطقة تحتاج منكم شمولية يضيفها التاريخ إلى سجلّك، فقد شاهدنا ما يجري في المدينة من صعود إيجابي، ورأينا حاجة امتدادكم إلى بقية المحافظات في منطقة تختلف عن كل المناطق، إذ كلها منطقة حضرية، وتنميتها تحتاج إلى تكامل بين المركز والمحافظات، وكلنا ميّتٌ وتبقى آثار ما طبعناه على الحياة خالدة..
• إلى مدير الجامعة: هنيئا لك حب من حولك وتواضعك.. تبعية (المعالي) لشخصك.. إيثارك الطلاب على نفسك، واعتبار ظهورهم أولى من ظهورك.. إذابة الجامعة في المجتمع لتتحوّلَ روحه إلى جامعة..
• إلى منسوبي الدرّة: في ضوء ما رأيناه، أثبت كل منكم أنه مدير الجامعة، انتهى زمن الظهور بالمنصب، وبدأ زمن الظهور بالحب والفعل الفردي، وجدنا مدير الجامعة محبوبا بشخصه لا بمنصبه، والأكاديمي والعميد والطالب كذلك.. إنه زمن الصلاح بالأفراد لا بالمناصب، أو بتعبير آخر: زمن الوعي الفردي، ولا تقولوا عن رأيي هنا (وصية) فهو وصف ورأي يقبل الآراء..
• إلى أدباء (الشاعرة): أدبكم فوق الاختلاف، وحبكم وأصالتكم لا تجوز عليها أساليب الارتجاف.. أنتم سلة أدب أرضنا وفنّنا.. الأدب والفن والجمال لا كرسيّ لها، بل تخرّ الكراسي أمامها، والباء في قول الشاعر: لا يحملُ الحقدَ مِنْ تعلو به الرّتبُ… هي للسببية، أي: الرتبة تعلو بسبب صاحبها، وليس العكس..
مشهد:
أحسنتم بالجمع السّكنيّ بيني وبين الأستاذ الرائد: قينان الغامدي، غير أنه تشرّدَ بي كثيرا متأبّطا عباءته (المستوردة المنشأ) غيرةً منْ أزديّة قيافتي!
إبراهيم طالع

شاعر وكاتب سعودي - صدر له 3 دواوين شعرية و5 كتب، وله أبحاث متعددة - عضو مجلس إدارة نادي أبها الأدبي.
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٧٨) صفحة (١٨) بتاريخ

ليست هناك تعليقات: