.

2016/02/09

«سوق عكاظ»... وحّد لهجات العرب

أحمد الجربا
تغرينا استعادة «سوق عكاظ» اليوم بأن نحذو حذو العلامة الأفغاني، الذي كتب أهم كتاب نعرفه عن الأسواق العربية القديمة، بعد أن زار معرض دمشق وسوقها، وهو ما حرّض ذاكرته على استعراض حلقات من التاريخ العربي الإسلامي في هذا الباب، ضمنها كتابه «أسواق العرب في الجاهليةٍ والإسلام» الصادر 1356هـ . ويخصص فيه فصلاً طويلاً عن سوق عكاظ الذي استمر لما يقرب قرنين ونصف القرن. وحمل إليه كل بلد ممن حوله تجارته وبضائعه المادية، كما حمل إليه أدبه، وكان أيضاً ندوة سياسية عامة، تقضى فيها أمور كثيرة بين القبائل العربية.

ومن المعروف أن السوق كان مجمعاً لغوياً وأدبياً، فيه محكمون تضرب عليه القباب، فيعرض عليهم الشعراء شعرهم، فما استجادوه هو الجيد، وما تركوه طواه النسيان. فيشيع ذكر المبرزين من أقصى الجزيرة إلى أقصاها، ويشتهر كلامهم من ذلك ما قاله حسان بن ثابت:
«سأنشر ما حييت لهم كلاما/ ينشر بالمجامع من عكاظ». والثابت لدى مؤرخي الأدب العربي أن سوق عكاظ هو أول ما وحد لهجات القبائل المختلفة، وهيأ لقريش تلك الزعامة «المرجعية» في اللغة. وأن الإجماع ما كان لينعقد على أن المعلقات هي أجود الشعر، لولا أن المحكمين في هذا السوق شهدوا لها بذلك. وفي سوق عكاظ كان يتاح لصاحب الدعوة والرأي أن يطرح حجته ويبينها. ومن أمثلة ذلك ما شهده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه، من كلام قس بن ساعدة، في التبشير باقتراب ظهور دين جديد، في قوله: «إن لله ديناً لكم وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه» وهو الكلام الذي جعل النبي عليه السلام يتذكر مشهد قائله في سوق عكاظ ويدعو له أمام وفد إياد قوم قس، لما قدموا عليه مبايعين، بقوله «يرحم الله قساً، إني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمةً وحده».
وفي هذا العصر الراهن جرت محاولات عدة لتحديد مكان السوق، لعل أولها ما قام به صاحب «الإعلام في تراجم الرجال»، خير الدين الزركلي، في كتابه «ما رأيت وما سمعت». ثم تتالت الجهود حثيثةً على مراحل، حتى تم ضبط موقع السوق القديمة، ووضعت معالم حدوده من الجهات الأربع.
واليوم منذ ست سنوات، يرعى أمير منطقة مكة المكرمة الشاعر المبدع الأمير خالد الفيصل، مثقفاً وشاعراً وفناناً تشكيلياً ورجل دولة وإدارة من طراز رفيع، إعادة إحياء سوق عكاظ من جديد، بالمحافظة على فكرته القديمة وطابعه التراثي كما هو، وبالاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي تتيحها التقنيات الحديثة. فأقيمت الدورة السادسة لهذا السوق، واستمرت أياماً ضمن ندوات فكرية ونقدية، وأمسيات أدبية لشعراء قدموا من أنحاء عربية مختلفة، عملاً مسرحياً عن عنترة بن شداد ، يؤمل منه أن يؤسس لحركة مسرحية واعدة في المستقبل. إضافة إلى عروض تراثية يومية عن تاريخ السوق وما كان يتم فيه كما يحتفل بمنح جائزة شاعر عكاظ، وجوائز للشعراء الشباب، وجوائز أخرى في الفن والخط وسواهما. كما تنظم معارض للفن التشكيلي، وللصور الفوتوغرافي، وأعمال الفولكلور الشعبي. ولا ينحصر طموح خالد الفيصل في أن تتعزز هذه التجربة المميزة في المستقبل فحسب، بل في أن تأخذ شكلها المستقر الذي قد يحوّل منطقة عكاظ تجمعاً ثقافياً وإبداعياً دائماً، يتجاوز دوره ما يحيط به من جغرافيا قريبة أسهمت في إنجاحه كالنوادي الأدبية في المناطق المحيطة، والشباب الجامعي الذي سيتطوع ليشارك في التنظيم، ليشمل آفاقاً أوسع لا تخدم فقط الشعر، بوصفه الذاكرة الحية هذه الأمة «ديوان العرب» على الدوام، وإنما تكون وعاءً يحتضن مشاريع ثقافية وإبداعية أخرى، خصبة وثرية، من كل أنحاء العالم العربي، ومن خارجه أيضاً، في توجه سمح منفتح على ثقافات متعددة في العالم. ولنا أن نقدر كبر مسؤولية خالد الفيصل في خوضه غمار طموح خلق التآلف بين الماضي والحاضر. ولا شك لديّ بصفتي متابعاً بأنه أهل لذلك وبأنه سيقودها إلى حيث تلقى رحالها المطمئن.
الحياة.

ليست هناك تعليقات: