.

2016/03/12

اللهجات العربية القديمة من أصل اللغة الفصيحة

اللهجات العربية القديمة من أصل اللغة الفصيحة وثراء للغتنا الجميلة
أ. دوان موسى الزبيدي
رحم الله العلّامة  محمد خليفة التونسي الذي أصدر مجلة العربي كتيبا بعنوان ( لغتنا السمحة) احتوى مقالاته التي نشرها فيها وقد تضمن الكتيب عبارة (من يعرف كثيرا يغفر كثيرا) في إشاؤرة إلى أن لغتنا مرنة ،و سمحة ، ومنطقية ،ومرونة لغتنا وثراء مفرداتها يعود إلى تعدد لهجاتها( لغاتها)، وانضواء تلك اللهجات تحت لغة قريش التي نزل بها القرآن الكريم ،ذات يوم عاب أحدهم على متخصص في اللغة العربية  إعرابه الملحق بجمع المذكر السالم (سنين) بالحركات ،وإلزامه الياء وعد ذلك من الجهل في قواعد اللغة ، ولمعرفتي بالأستاذ الجامعي المتخصص في اللغة  العربية ،ناقشته في هذه المسألة ،فقال لي:
أريد أن أتكلم بلهجة تميم..هل من أحد يمنعني ؟ سكت ،وعدت إلى أوراقي وكتبي أبحث في الظواهر النحوية اللهجية؛ فوجد أن الظاهرة اللهجية ما اختلفت فيه القبائل العربية من لهجات تؤثر في تركيب الجملة أو في حركة الحرف الأخير للكلمة من إعراب وبناء؛ ويدخل في إطار ذلك ظواهر يرى بعض العلماء أنها صرفية ـ ولا مخالفة لرأيهم ـ لكن الباحث رأى أفضلية إدراجها في إطار الظواهر النحوية؛ لأنها تمس التركيب من جانب ما، مثل ظواهر الضمائر والموصولات وأسماء الإشارة، من حيث الحذف وتنوع حركة البناء، وغير ذلك.
المرجعية في الحُكْم على أن قاعدة ما أكثر شيوعا من قاعدة أخرى، أو قاعدة مستعملة وأخرى أقل استعمالا ،أو غير مستعملة هي لغة القرآن الكريم بقراءاته المتواترة ما أمكن ذلك؛ فهي ـ في رأيي ـ لغة نموذجية أدبية مشتركة بين القبائل العربية، كانوا يفهمونها ويتحدثون بها في المحافل الرسمية، وكذلك الشعر العربي الموثوق بـه.لكن لكل قبيلة لهجتها( لغتها) ظلت متمسكة بها حتى إن الرسول (ص) راسلهم بلغتهم، وبحسب مالديهم من مفردات وظواهر نحوية يستخدمونها في لهجاتهم ؛
فلغة تميم تمتازبـ:
 ـ بناء (فعال) الأمر على الكسر.
ـ إعراب الملحق بجمع المذكر السالم مثل (سنين) بالحركات وإلزامه الياء.
ـ استعمال الكاف دون اللام في اسم الإشارة (ذاك)
ـ بناء (أمس) على الكسر حالتي النصب والجر، وإعرابه حالة الرفع. وبعضهم يعربه في الحالات الثلاث غير مصروف، وبعضهم يصرفه (ينونه)
ـ بناء لام (لكي) على الفتح.
ـ تحويل حرف الإطلاق إلى تنوين الترنم.
ـ جواز حذف حركة الإعراب في الأسماء والأفعال المعربة.
ـ إثبات ألف (أنا) وصلا ووقفا.
ـ التزام حذف خبر (لا النافية للجنس) المعلوم.
ـ إهمال عمل (ليس) مع (إلا) حملا على (مـا(
ـ إهمال عمل الحروف الملحقة بـ(ليس(
ـ منع إعراب العلم المحكي بالحركات المقدرة على الحكاية.
ـ رفع ما بعد ضمير الفصل على أنه خبر والضمير مبتدأ.
ـ (هـلم) فعل يتصل بالضمائر وليس اسم فعل.
ـ إتباع المستثنى المنقطع ما قبله حال إغنائه عن المستثنى منه
ـ جواز رفع المصدر النكرة بعد (أما) ووجوبه معرفة.
ـ إتباع العدد المضاف لضمير ما تقدم على البدلية.
ـ جواز نصب تمييز (كـم) الخبرية دون فاصل.
أما لغـة الحجـاز فتمتاز بـ:  
ـ بناء (فعال) العلم المؤنث على الكسر إجراء مجرى (فعال) الواقع موقع الأمر.
ـ إعراب الملحق بجمع المذكر السالم مثل (سنين) بالحروف.
ـ بناء الضمير المتصل الغائب (الهاء) على الضم.
ـ استعمال الكاف مع اللام في اسم الإشارة (ذلك(
ـ فـك تضعيف الفعل المضعف حالة الجزم أو بناء الآخر.
ـ وجوب بناء (أمس) على الكسر.
ـ الإبقاء على حرف الإطلاق في الروي المطلق.
ـ إثبات ألف (أنا) وقفا وحذفها وصلا.
ـ جواز حذف خبر (لا النافية للجنس) المعلوم.
ـ إعمال الحروف النافية (ما ولا ولات) عمل (ليس) ما توافرت الشروط.
ـ جواز تقدير حركات الإعراب على العلَم المحكي.
ـ هـلمّ : اسم فعل لا يتصل بالضمائر، ويتعدى بنفسه وباللام
ـ نصب المصدر (النكرة) بعد أما على الحال، وجواز رفعه معرفة على الابتداء.
ـ نصب العدد المضاف إلى الضمير على أنه حال.
 وقس على ذلك لغـة طيء ،وأسد،وقيس،وزبيد ،وبني ربيعة، وبني عامر... وغيرها من القبائل ،وقد تناول السيوطي كل هذا في كتابه (همع الهوامع) ـ ووجدت أن كثيراً من اللهجات التي عرض لها في كتابه استشهد لها من آيات القرآن بقراءاته المتواترة والشاذة، فضلا عن الشعر الموثوق به في معظمه، وهذه ميزة للسيوطي.
ـ السيوطي لم يبد رأيه في كثير من المسائل النحوية التي أوردها في همعه، مكتفيا بمهمة الجمع والحصر لأكبر كَـمِّ من القواعد والآراء النحوية المتوافقة والمتباينة، كما لم يبد رأيه في اللهجات الموصوفة من سابقيه بأنها شهيرة أو رديئة أو ضعيفة أو غير ذلك، بل حتى في بعض اللهجات المنسوبة للقبائل على ألسنة سابقيه، لكن نفهم أن عدم معارضته تأييد منه لهم في آرائهم.
ـ كثيرا ما التزم الدقة في عـزو أكثر اللهجات إلى أصحابها من القبائل العربية، ووصلت دقته إلى أنه يعزو اللهجة الواحدة لأكثر من قبيلة أو بطن من القبيلة.
ـ لكنه لم يستمر في دقته السابقة في عزو كل اللهجات لأصحابها؛ حيث اكتفى في نسبة بعضها لـ(بعض العرب) أو (جمهور العرب) أو (قوم من العرب) وغير ذلك مما عرضنا له في صفحات البحث.
ـ وصف بعض اللهجات حاكما على كل منها بواحدة من هذه الصفات: (اللغة الشهيرة) (اللغة المشهورة)، (لغة نادرة جدا)، (لغة ضعيفة)، (لغة رديئة)، لكن هذه اللهجات محدودة جدا، وأحكامه هذه نقلها عن سابقيه، وليس من تلقاء نفسه، غير أن إثباته لها دون اعتراض يعد تأييداً منه لأصحابها.
ـ بعض اللهجات تركها مبهمة دون تحديد، مكتفيا بقوله: (لغـة)، وهذه قليلة بالنسبة لجملة اللهجات في الكتاب، وهذا الأمر لا ينقص من صنع السيوطي وجهده الموفور في الهمع، فبعض ما لم يعزُه من لهجات لم أجده عند غيره معزوا. ويمكن أن نوجز تلك اللهجات على النحو التالي :
اللهجات غيرُ المنسوبةِ ولا الموصوفةِ في الهمـع:
ـ النقص والقصر في بعض الأسماء الستة.
ـ جعل الإعراب في المثنى على النون إجراء له مجرى المفرد (هذانِ خليلانُ)
ـ فتح نون المثنى، وضمها .
ـ إلزام الجمع في الإعراب الواو وفتح النون، وإلزامه الواو وجعل الإعراب على النون كـ(زيتون)، وجعله كالمفرد في الإعراب على النون .
ـ إسكان الهاء في ضمير الغائب المفرد المتصل (له وبه)
ـ في (الذي والتي) لغات: إثبات الياء ساكنة، وهي الأصل، وتشديدها مكسورة، وتشديدها مضمومة، وحذف الياء وإسكان ما قبلها، وحذفها وكسر ما قبلها .
ـ إعراب (اللائين) إعراب جمع المذكر السالم (اللاءون واللائين) ، واستعمال (الأُلى واللائي) للمذكر والمؤنث .
ـ إثبات آخر المضارع المعتل حالة الجزم .
ـ فـكّ الإدغام في الفعل المضعف لغة الحجازيين، والإدغام لغة غير الحجازيين .
ـ عدة لغات في (هيهات)
ـ أوّهْ : بمعنى أتوجع، فيها لغات أشهرها فتح الواو المشددة وسكون الهاء، ومنها كسر الهاء وكسر الواو فيهما، وأوْهِ بسكون الواو وكسر الهاء .
ـ إسكان ياء المنقوص حالة النصب .
ـ كسر (ياء المتكلم) الواقعة مضافا إليه بعد ياء أو في مقصور كما في (مصرخيِّ)
ـ عدة لغات في (ربّ)
ـ حذف الواو والياء من (هو وهي)
ـ حذف آخر المضارع المعتل بالياء تلو فتحة حالة توكيده بالنون .
ـ رفع الاسمين بعد (كان) الناقصة .
ـ إلغاء عمل (إذن) مع توافر شروط النصب .
ـ نصب المبتدأ والخبر بـ(إن وأخواتها)
ـ إبقاء ألف (ما) الآستفهامية، وحذف ألف (ما) الموصولة بعد حرف الجر .
ـ الجـزم بـ(لـن)
ـ تجرد (عسى) من ضمير يطابق الاسم المتقدم وإلحاقه بها .
ـ إلحاق ضمير مرفوع لـ(نعم) مطابق للمخصوص
ـ رفع (أفعل التفضيل) للاسم الظاهر دون قيد ولا شرط
وختاما أود أن أشير إلى أن هذا الكَـمَّ العددي من اللهجات العربية التي أثرت النحو العربي تنوعا وتعددا في قواعده ينافي المقولة المشهورة بأن النحاة اعتمدوا على ما ارتضاه اللغويون من اقتصارهم على ست قبائل في جمعهم للغة، فهذه المقولة تحتاج إلى إعادة فحـص قبل التسليم بها.


ليست هناك تعليقات: