.

2016/03/12

اللغة العربية المعوقات، وملامح الحل والتطوير




اللغة العربية المعوقات، وملامح الحل والتطوير
د. جابر قميحة
 نعيش في السطور الآتية مع اللغة العربية الفصحى في أهميتها, ومصدر هذه الأهمية :

تعتبر اللغة العربية الفصحى بالنسبة للأمة العربية أهم من أية لغة أخرى بالنسبة للأمة التي تتكلم بها، ويرجع ذلك لتفرد اللغة العربية بعدد من السمات والملامح لا تتوافر للغات الأخرى :

فهي لغة القرآن : والقرآن هو الكتاب
المنزل الوحيد المدون باللغة التي نزل بها، بينما نزلت التوراة والإنجيل باللغة الآرامية أو السريانية (لا اللغة العبرية كما هو معروف خطأ).

وهي لغة قومية : جمعت العرب من قديم في وحدة لغوية متماسكة – على الرغم من تعدد اللهجات المحلية، وعلى الرغم من المحاولات المتعددة لهدمها والقضاء عليها .

وهي لغة تراثية : بمعنى أنها كانت – ومازالت – الوعاء الذي حفظ التراث العربي والإسلامي، وصانه من الضياع، يستوي في ذلك العلوم الإنسانية والعلوم التجريبية, إنها حفظت من الضياع كثيرا من شرائح التراث اليوناني الذى ترجم إلى اللغة العربية، وضاعت أصوله اليونانية ، فترجمه علماء اليونان بعد ذلك من العربية إلى اليونانية .

وفى اللغة العربية من الملامح والخصائص الذاتية ما لايتوافر في كثير من اللغات الأخرى (وعلى سبيل التمثيل : حروف العطف ، اختلاف صور الفعل باختلاف المسند إليه، وخصوصا فعل الأمر، قضية الترادف، وزيادة الوصف .... الخ )

ثم إن العربية تحمل من الخصائص ما تتفرد به، ويرفع قيمتها، ويضمن خلودها، مما تعرض بعضه في السطور الآتية:

تعد اللغة العربية من أغنى لغات العالم بالمفردات والمترادفات، وقد انقرضت كلها ـ على وجه التقريب، ولم يعد منها إلا آثار تاريخية في النقوش والمخطوطات، وهي الكنعانية والفينيقية والعبرية، والآرامية، والنبطية، والبابلية، والكلدانية، والسريانية، والهيروغلوفية، والحبشية.

ولا يدل على مرونة اللغة العربية، واتساعها وشموليتها كثرة مفرادتها ـ التي تعد بمئات الألوف ـ فحسب، ولكن يدل على ذلك أيضًا كثرة الروافد، والطرائق التي تغذي اللغة العربية، وتسمح لها بالتوليد والإضافات. كالقياس، والاشتقاق، والنحت، والتعريب، وغيرها.

وهذا يعني أنها لغة مفتوحة للتواصل الدائم على مدى العصور، وأن باب الاجتهاد فيها لم يغلق، ولن يغلق. وقد تحدث اللغويون عن خصائص اللغة العربية وتفردها في جوانب كثيرة، وتفوقها على كثير من اللغات الأخرى في هذه الجوانب، وذلك في دراسات مقارنة متعددة، مما لا يتسع له مقالنا هذا. ولكننا نجد من اللازم أن نتحدث ـ في إيجاز ـ عن مظهرين من مظاهر القدرة الذاتية في اللغة العربية وهما:

دقة الفروق بين كثير من كلمات العربية مما يعتقد كثيرون أنها مترادفة، أي متساوية تمامًا في المعنى.

الدقة في الاستيعاب، وتعريف المسمى بكل أنواعه التعريف الجامع المانع، الذي لا يترك زيادة لمستزيد، وفي السطور الآتية نلقي الضوء على هذين المظهرين اللذين يمثلان سمتين أساسيتين من سمات اللغة العربية.

أولاً: دقة التفريق:

ومن أشهر الكتب التي تناولت هذه الظاهرة: كتاب "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري، ونقدم ـ في السطور التالية ـ قطوفًا منه ـ تبين عن هذه القدرة في اللغة العربية:

الفرق بين الصفة والنعت: النعت: لما يتغير من الصفات. والصفة: لما يتغير، وما لا يتغير، فالصفة أعم من النعت.

الفرق بين الحقيقة والحق: الحقيقة ما وضع من القول موضعه في أصل اللغة، حسنًا كان أو قبيحًا. والحق: ما وضع موضعه من الحكمة، فلا يكون إلا حسنًا.

الفروق بين الإعادة والتكرار: التكرار: يقع على إعادة الشيء مرة، وعلى إعادته مرات. أما الإعادة: فهي للمرة الواحدة.

الفرق بين الهجو والذم: الذم: نقيض الحمد، وهما يدلان على الفعل. والهجو: نقيض المدح، وهما يدلان على الفعل والصفة كهجوك الإنسان بالبخل، وقبح الوجه.

وفرق آخر: أن الذم يستعمل في الفعل والفاعل، فتقول: ذممته بفعله، وذممت فعله. والهجو يتناول الفاعل والموصوف دون الفعل والصفة، فتقول: هجوته بالبخل وقبح الوجه، ولا تقول هجوت قبحه وبخله.

الفرق بين العلم والمعرفة: المعرفة أخص من العلم؛ لأنها علم بعين الشيء مفصلاً عما سواه. والعلم: يكون مجملاً ومفصلاً.

الفرق بين القريحة والطبيعة: الطبيعة: ما طبع عليه الإنسان أي خلق. والقريحة ـ فيما قال المبرد ـ ما خرج من الطبيعة من غير تكلف.

الفرق بين الإهلاك والإعدام: الإهلاك: أعم من الإعدام؛ لأنه قد يكون بنقض البنية، وإبطال الحاسة، وما يجوز أن يصل معه اللذة والمنفعة. والإعدام: نقيض الإيجاد، فهو أخص، فكل إعدام إهلاك، وليس كل إهلاك إعدامًا.

الفرق بين الجَعل والعمل: العمل: هو إيجاد الأثر في الشيء. والجعل: تغيير صورته بإيجاد الأثر فيه.

الفرق بين البعض والجزء: البعض ينقسم، والجزء لا ينقسم. والجزء يقتضي جمعا، والبعض يقتضي كلا.

الفرق بين النصيب والحظ. النصيب يكون في المحبوب والمكروه. والحظ ما يكون في الخير.

الفرق بين الوَلاية (بفتح الواو) والنصرة (بضم النون): الولاية: النصرة لمحبة المنصور، لا للرياء والسمعة؛ لأنها تضاد العداوة. والنصرة: تكون على الوجهين:

الفرق بين الإيجاب والإلزام: الإلزام: يكون في الحق والباطل، يقال: ألزمته الحق، وألزمته الباطل. والإيجاب لا يستعمل إلا فيما هو حق. فإن استعمل في غيره فهو مجاز، والمراد به الإلزام.

الفرق بين الأبناء والذرية: الأبناء: يختص به أولاد الرجل، وأولاد بناته. والذرية تنتظم الأولاد، والذكور والإناث.

ويرى بعض الباحثين أن أبا هلال العسكري قد أسرف في إبراز هذه الفروق، وحتى لو صحّ ذلك، فإن ما قدمه يبقى صحيحًا في غالبيته.

ثانيًا: الدقة في الاستيعاب:

فاللغة العربية وضعت للمسمى الحسي ـ بصفة خاصة ـ التسمية الجامعة المانعة، بحيث لا يدخل معها غيرها. ونسوق هنا سطورًا من كتاب "الفرق" لابن فارس اللغوي، وأغلبه في تحديد أسماء أعضاء الإنسان والحيوان، وما يتعلق بها:

باب الشفة: الشفة من الإنسان، وهو من الإبل المشفر، ومن ذوات الحافر: الجحفلة، ومن ذوات الظلف: المقمة، ومن الطائر غير الجارح: المنقار، ومن الجارح: المنسر. ومن الذباب: النقط.

باب الأصوات: صاح الإنسان، وصوت. وعزف الجني. ونبَّ التيس عند السفاد (نزوه على الأنثى). وخارت البقرة، وتاج الثور. وبغم الظبي بغاما، وصهل الفرس. وحمحم عند الشعير. والخضيعة صوت يسمع من جوفه، ولا يدري من أين هو، ونهق الحمار... إلخ.

ويرى الأستاذ العقاد ـ رحمه الله ـ في كتابه: "اللغة الشاعرة" أن اللغة العربية فاقت غيرها من اللغات، بما اشتملت عليه من تحديد دقيق لكل ساعة من ساعات الليل، والنهار، والشهور، والفصول، والمواسم وغيرها

ولا مبالغة فيما ذكره العقاد؛ ففي "فقه اللغة" للثعالبي ـ وهو يتحدث عن "أوائل الأشياء".

الصبح أول النهار: الغسق: أول الليل. الوسمى: أول المطر. البارض: أول النبت. اللعاع: أول الزرع. اللباء: أول اللبن.

السلاف: أول العصير. الباكورة: أولى الفاكهة. البكر: أول الولد. الطليعة: أول الجيش. النهل: أول الشرب. النشوة: أول السُّكر. الوخْط: أول الشيب. النعاس: أول النوم. الزُّلف: أول ساعات الليل. الزفير: أول صوت الحمار.

وفي ساعات النهار: الشروق، ثم البكور، ثم الغدوة، ثم الضحى، ثم الهاجرة، ثم الظهيرة، ثم الرواح، ثم العصر، ثم القصْر، ثم الأصيل، ثم العشى، ثم الغروب.

وساعات الليل: الشفق، ثم الغَسَق، ثم العَتَمة، ثم السُّدْفة، ثم الجهمة، ثم الزُّلة، ثم الزلفة، ثم البُهْرة، ثم السَّحَر، ثم الفجر، ثم الصبح، ثم الصباح.

وأغلب هذه الكلمات لا تدور حاليًا على أقلام الكتاب، وألسنة المتكلمين من الخطباء والمحاضرين، ولكن هذا لا يقلل من قيمتها، ولا ينال من دلالتها على مرونة اللغة العربية واتساعها وشموليتها، وقدرتها الذاتية؛ فقلة توظيف الكلمة لا يقلل من قيمتها، كما أن كثرة دورانها على الألسنة والأقلام لا يكسبها من القيمة ما لا تستحقه.

وما ذكرناه من سمات تكاد العربية تنفرد بها ـ وغيرها كثير ـ تقطع بأن العربية لغة غنية خالدة؛ لأنها ـ مهما تكالب عليها من محن ـ يبقى لها هذا الرصيد الضخم من القوة الذاتية التي تجعلها لغة قادرة في كل الظروف والأزمنة والأحوال.

**********

محاولات هدم العربية الفصحى :

وهي محاولات ارتبطت أغلبها في وجودها بحركات التنصير والاستشراق ، وتولي كبرها كثير من العلمانيين الذين ساروا على درب المنصرين والمستشرقين بالوعي أو باللاوعي ، ومن هذه المحاولات التي نجح بعضها ، وباء بعضها الآخر بالإخفاق :

زرع اللغات الأجنبية – والإنجليزية بخاصة – ومزاحمتها للغة العربية  الأم ، حتى انفردت دون العربية بالتدريس ، كما نرى  في كليات الطب ، والهندسة بجمهورية مصر العربية .

الانتصار للعاميات بإنشاء معاهد وأقسام مستقلة لما يسمي بالأدب الشعبي

محاولة الهدم بدعوى تسهيل اللغة العربية ، وقد أخذت هذه الدعوى أو هذا الادعاء صورتين .

الأولى : المناداة  بإلغاء الإعراب ، وتسكين أواخر الكلمات .

الثانية : اختصار حروف الأبجدية ( بمعنى أن يكون للحرف صورة واحدة في الكلمة سواء أكان موقعه في أولها أو وسطها أو نهايتها )

تغليب العاميات في وسائل الإعلام ، وأسلوب الأداء في التدريس .

**********

مظاهر المشكلة وأسبابها :

وتتعدد مظاهر أزمة اللغة العربية وأسبابها ، وتتداخل المظاهر والأسباب حتى يصعب الفصل بين ماهو مظهر وما هو سبب ، وأنا أكتفي بأوضحها ، وأغلبه يعتمد على الملاحظة  الميدانية بعيدا عن التبريرات والتعليلات النظرية .

وأهم هذه المظاهر والأسباب :

فى مجال الصحافة والإعلام :

انكماش الصفحات المخصصة للأدب في الصحف اليومية ، والمجلات الأسبوعية والشهرية ، وهي لاتتسع غالبا إلا للون من الأدب  الحداثي الذى لايتفق مع قيمنا الأدبية  ، واللغوية .

ضعف الأسلوب الصحفى وغزارة الأخطاء فى صياغة المقالات ، والأخبار ، والشعر والإعلانات .

ضعف الإعلاميين لغويا، وخصوصا مقدمي  البرامج، ونشرات الأخبار ، ويلجأ كثير منهم إلى تسكين أواخر الكلمات هربا من مسئولية الخطأ ، مع أن التسكين – في غير موضع الوقفات - يعد خطأ لا يقل عن الخطأ في ضبط الكلمات .

-  فى مجال التربية والتعليم :

اضمحلال الكتاتيب فى القرى ، وقد كانت محاضن طيبة لتحفيظ القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة .

هبوط مستوى الطلاب فى اللغة العربية ، وخصوصا النحو ، ولعل من العوامل التي ساعدت على ذلك ضآلة الدرجة المرصودة للنحو في المدارس المصرية ، وهى (8) درجات لشعبة العلوم (10) درجات للشعبة الأدبية ، في السنة النهائية من المرحلة الثانوية ، وكذلك ضآلة الدرجة المرصودة للغة العربية بكل فروعها وهى (50) درجة للعلمي و(60) درجة للأدبي ، وهي قرابة ثلث الدرجة الممنوحة لمادة الرياضيات .,

ضعف المستوى اللغوي والأدبي والثقافي لمدرس اللغة العربية، ويرجع ذلك لاسباب متعددة  أهمها :

هبوط المستوى الثقافي العام في الوطن العربي وخصوصا مستوى الثقافة الأدبية واللغوية.

اعتماد نظام ترقيات المدرسين – في جوهره – على الأقدمية  المطلقة بصرف النظر عن المستوى العلمي ، والقدرة على العطاء ومدى تطورها . فلا غرابة أن يعتبر أغلب المدرسين  تخرجه  وتعيينه مدرسا بداية حاسمة لقطع صلته بما يسمي( التثقف الذاتي) الذي يعتمد على الإطلاع  الواسع ، ومحاولة اكتساب الخبرة الميدانية في مجال عمله .

قلة إقبال الطلاب الحاصلين على الثانوية العامة ، والثانوية الأزهرية على الالتحاق بالكليات التي يتخرج فيها مدرسو اللغة العربية ومنها على سبيل التمثيل :

* إلغاء كلية دار العلوم بمصر للمسابقة التي  كانت تعقدها لاختيار الطلاب  اللائقين للالتحاق بها ، وكان امتحان الاختيار ، أو التصفية بها في فقه العبادات والمعاملات ، وتاريخ النبي ، والخلفاء الراشدين ، وأدب العصر الحديث ، والتعبير ، تحريريا وشفويا زيادة على حفظ عشرة أجزاء من القرآن الكريم  . والبلاغة تحريريا

      وما يقال عن دار العلوم يقال عن الكليات الأزهرية التي كانت تشترط – بصفة أساسية – حفظ القرآن الكريم على من يريد الالتحاق بها .

* فتح الأبواب لمن لفظته الكليات الأخرى اعتمادا على " نظام التنسيق " الذي لا اعتبار فيه إلا لمجموع الدرجات الكلية بصرف النظر عن درجة المادة التخصصية المناسبة  للكلية المرشح لها الطالب ، ومن ثم يرشح لدار العلوم مثلا أكثر المجموعات هبوطا حتى لو كان الطالب حاصلا على النهاية الصغرى لمادة اللغة العربية (25/50 في شعبة العلوم ،30/60 في الشعبية الأدبية).

            **********

معالم على طريق الحل

وأزمة اللغة العربية أعمق، وأبعد آمادا  من أن تتناول – تشخيصا وعلاجا – في مثل هذه الوريقات، ولكن ذلك  لايمنع من أن أقدم بعض التوصيات التي أزعم أنه يمكن اتخاذها معالم وصُوي على طريق الحل  .

وهي تتناول المشكلة من أربع زوايا هي:

اللغة العربية  لغة دينية قومية .

اللغة العربية مادة تعليمية .

مدرس اللغة العربية .

التوجيه الفني للغة العربية .

اللغة العربية  لغة دينية قومية

إنشاء ما يمكن أن نسميه ( المجلس الأعلى للنهوض باللغة العربية) على مستوى  الوطن العربي كله ، وتكون مهمته وضع خطة طويلة المدى  ذات مراحل مدروسة للنهوض باللغة العربية ، وتخليصها من عوامل الضعف ، والركة والغثاثة .

وينبثق من هذا المجلس الأعلى مجالس ، أو لجان فرعية للتخلص من مشكلات اللغة العربية المحلية على مستوى البلد الواحد ( لجنة مصر- لجنة السعودية ..) على أن يكون هناك متابعة جادة للإنجازات .

إعداد الإعلاميين إعدادا سليما راقيا رشيدا حتى يكون العطاء سديدا .

أن تكون العربية الفصحى هي أداة التعبير الوحيدة في وسائل الإعلام وخصوصا التلفاز والإذاعة .

الإكثار من الأمسيات الثقافية والبرامج اللغوية والتعليمية في وسائل الإعلام وخصوصا التلفاز .

أن تكون المادة الترفيهية المقدمة (الأفلام والمسرحيات والتمثيليات ) باللغة العربية السهلة البعيدة عن التقعر ، وقد تأخذ الناس الغرابة أول مرة ، ولكن التدرج في التطبيق سيجعل من ذلك  أمرا طبيعيا لاغرابة فيه . وقد يعترض على هذه الدعوى بما يأتي :

من العقبات التي تعترض ذلك أن الأعمال الجاهزة حاليا من الأفلام والمسرحيات، أغلبها  الغالب بالعاميات .

صعوبة استساغة هذه الأعمال الجديدة  بالعربية الفصحى، وخصوصا بالنسبة للأطفال . ويمكن تفنيد هذين الاعتراضيين بما يأتي :

التدرج الكمى فى تقديم هذه المادة العربية الفصحى كفيل بخلق التعود والاستساغة.

أن هذه الأعمال- كما ذكرت آنفا – ستكون بالفصيحة السهلة الميسرة مما يسهل فهمها واستساغتها .

ثبت أن الأطفال – بخاصة – لايرفضون مثل هذه الأعمال ما توفر فيها عناصر التشويق ، وجمال العرض ، ورقي المضمون، وقد رأيت أحفادي الصغار يقبلون بحرص شديد على بعض أفلام " الكارتون " الناطقة بالعربية  الفصحى، أكثر من إقبالهم على نظائر لها بالعربية، لأن الأولى فيها من مظاهر الجمال الفني ما لا يتوافر فى الثانية .

اللغة العربية مادة تعليمية :

جعل اللغة العربية  مادة أساسية فى الجامعات العربية بكل كلياتها، بما في ذلك الكليات التجريبية .

تعريب المواد العلمية ، والهندسية  وأن تكون اللغة العربية هي لغة تدريس هذه المواد.

إنشاء شعبة اللغة العربية التخصصية في السنة النهائية من المرحلة الثانوية ، تمهيدا لالتحاق طلابها بكلية دار العلوم والكليات الأزهرية ، وأقسام اللغة العربية بكليات الآداب والتربية.

رفع درجات اللغة العربية بفروعها المختلفة – فى السنة النهائية من المرحلة الثانوية إلى (150 درجة ) بدلا من (50أو60 درجة ) كما هومعمول به فى المدارس المصرية .

تشقيق فروع العربية – ابتداء من الصف الأول  بالمرحلة الثانوية – إلى " وحدات " بحيث يكون لكل وحدة كيانها المستقل تدريسا وتقييما ( نجاحا ورسوبا ) على النحو التالي:

أ-  التعبير والقراءة                         50 درجة

ب- النحو                                   50 درجة

ج –النصوص والأدب والبلاغة              50 درجة

اختصاص المدرس بتدريس " وحدة واحدة " من الوحدات الثلاث السابقة ولايقوم بتدريس أكثر من وحدة إلا لضرورة ملحة ، ولا شك أن هذا (التخصيص) سيمكن المدرس من التوفر على مادته ، وتعمقها والتمكن منها .

إضافة مادة جديدة في السنة النهائية من المرحلة الثانوية  هي مادة (جماليات القرآن الكريم) يرصد لها (50) درجة تبرز ما في القرآن من السحر البيانى، والقيم التعبيرية والتصويرية بوصفه إعجازا بيانيا .

      وواضح أن هذا النوع من الدراسة يختلف عن التفسير الذى يعطي اهتمامه الأكبر للشرح اللغوي وإبراز القيم الدينية ، والاجتماعية والإنسانية .

ولكننا للأسف ، ونتيجة لما أسميه الاستعمار اللغوي شاعت كلمات أجنبية ترددها الألسن . ففي مجالس الأقسام ، وفي قاعات الدراسة ، وبين الأروقة ، والمدرجات يتردد كم هائل من الكلمات  الأجنبية ،وخصوصا الإنجليزية ، منها على سبيل التمثيل :

“  Encyclopedia – Seminar – Course – Intensive Course – Ordinary  - course – Standard and Level – Team work – paper – slides – Chapter or Paragraph – Style – Test – Order – Permisson – Tension – Interested – Harmony – Impression – Maximum – Minimum “ .

مع أن عندنا في العربية ما يغنينا عنها فمعنى الكلمات السابقة بالترتيب :

دائرة المعارف ـ حلقة بحث ـ مقرر ـ مقرر مكثف ـ مقرر عادي ـ مستوى ـ فريق عمل ـ مقالة أو بحث ـ شرائح مصورة ـ فاصلة أو فقرة ـ أسلوب ـ اختبار ـ أمر ـ إذن ـ توتر ـ راغب أو مهتم ـ تناغم ـ انطباع ـ حد أعلى ـ حد أدنى .

وتيسير النحو يكون بالوسائل الآتية :

التركيز على القواعد الوظيفية التي يكون استخدامها مطردا ونافعا لتقويم الأسلوب وتصحيحه .

الاكتفاء بالوجه الإعرابي الواحد فيما له أكثر من وجه ، كإعراب ما بعد : سوى و عدا و خلا و حاش ، وكذلك إعراب ما بعد لاسيما ,

تجنب الخلافات النحوية بين مدارس النحو المختلفة .

الإفادة من المناهج الحديثة في تدريس النحو، كطريقة قوائم المتماثلات في اللغة الفرنسية، وهي الطريقة المستخدمة في تصريف الأفعال الشاذة في الفرنسية، وما أكثرها مثل " Etre , Vior , Avior  " Aller  .

فيجعل فعل من هذه الأفعال مع تصريفاته مع الضمائر المختلفة ، على رأس القائمة ، وتندرج تحته الأفعال التي تماثله في التصريف . ويمكن استخدام هذه الطريقة في تدريس المصادر واشتقاقاتها من الثلاثي والرباعي والسداسي ، وكذلك في تدريس المشتقات ، وخصوصا المعتل الوسط مثل مصون ، ومبيع ، والمعتل الأخر مثل : مَرْجُوّ و مَشْرِيّ .

فتصنيف هذه المشتقات في قوائم ساقدم المثال الذي يقاس عليه وذلك في مثل الحالات السابقة أسهل من التعرف على القاعدة وحفظ تفصيلاتها .

هذا عن النحو يدرس كوسيلة لتصحيح النطق والكتابة ، وهي المهمة الأساسية بالنحو . أما كغاية مقصودة لذاتها فهو مطلب العلماء والدارسين المتخصصين الذين يعدون بحوثا وأطروحات جامعية، ولا قيد على هؤلاء في علوم النحو بكل مدارسه وخلافاته وتضارباته ؛ لأن مثل هذه المباحث إنما هي للخاصة لا لعموم المتعلمين .

ولابد من الاهتمام بالتطبيقات العملية المطروحة على الطلاب . فيجب أن تكون الأسئلة جامعة مانعة، مع التنويع، ومثال ذلك أن يضم التطبيق التحريري الواحد نوعي الأسئلة : الوجودية ـ والإيجادية . ومثال الأول : السؤال التقليدي : أعرب ما تحته خط (لكلمات موجودة في النص المعروض)  . ومثال الثاني : استخرج من النص المعروض : خبرا مقدما ـ حالا شبه جملة ـ فعلا ينصب مفعولين ـ ممنوعا من الصرف .

وهناك نوع من التطبيق لتنشيط الذاكرة والإبانة عن قدرة الطالب في التصرف . كقول واصل بن عطاء في خطبته الخالية من حرف الراء :

"الحمد لله القديـم بلا غاية, والباقي بلا نهاية, الذي علا في دنوه, ودنا فــي علـوه, فـلا يحويـه زمـان, ولا يحيـط به مكـان, ولا يؤوده حفظ ما خلق, ولــم يخلقه على مثال سبق, بل أنشأه ابتداعـاً, وعدله اصطناعــاً, فأحسن كـل شيء خلقه, وتمم مشيئته, وأوضح حكمته ...... " .

ويكون السؤال : عبر عن مضمون هذه الخطبة بلغتك مع التزام دقة الأداء .   

ويرى الدكتور شوقي ضيف أن تطوير النحو وتحديثه يجب أن يقوم على أسس ستة هي :

تنسيق النحو تنسيقا جديدا بحيث تلغى طائفة من أبوابه الفرعية، مع رد أمثلتها أى أبوابها الأصلية.

إلغاء الإعراب التقديري والمحلي .

ألا يشغل الناشئة بإعراب كلمة لا يفيدها إعرابها لها أي فائدة في صحة النطق بها .

وضع تعريفات وضوابط جديدة ببعض ابواب النحو التي يعثر على الناشئة فهمها فهما سليما .

حذف زوائد كثيرة في الأبواب لا تمس إليها حاجة .

إضافات جديدة فيها ضرورة تتماشى مع الصياغة العربية .

وقبل كل أولئك لابد أن نعتز بلغتنا القومية في مواجهة العالم كله .

ولله در أنيس منصور إذ كتب يقول بالحرف الواحد : " الفرنسيون شديدو الاعتزاز بلغتهم الجميلة، القادرة على التعبير الدقيق عن كل شىء في الفلسفة والأدب والعلوم؛ لذلك يرفضون استخدام تعبيرات أمريكية، أو أسماء انجليزية، للدلالة على ما يريدون، ففي ذلك اتهام للغة الفرنسية .

وذهب الفرنسيون إلى أبعد من ذلك ... أبعد من مجرد الرفض والاستنكار ، إلى فرض عقوبات على من يفعل ذلك ( أي استعمال كلمات انجليزية وأمريكية في الحوار ، أو أسماء المحلات ) أي على من يهين لغته وقومه ، ولا تسمح الدولة بالترخيص لأى محل أو شركة أو مؤسسة لا تحمل اسما فرنسيا " .

" الأهرام الأربعاء 25 / 5 / 1994 " .

*********

        ولنا وقفة في مواجهة الإعلام :

ففي الصحف والمجلات والإذاعة والتلفاز تكثر الأخطاء والسقطات، وقد بلغت من الكثرة والغزارة حدا بشعا، بحيث لم تعد تشد النظر، وكأنها هي الأصل، أما الصواب فهو الاستثناء . والخطأ في اللغة ليس مجرد خطأ في بنية الكلمة وضبطها الإعرابي، فهو - سواء أكان داخل وسائل الإعلام أو خارجها -يفسد القيم الدينية والفكر الوطني ، ويعطل من قدرات الناس الذهنية .

ومن ملامح النهوض بالإعلام ومن ثم النهوض باللغة العربية :

يجب ألا يُختار من خريجي الجامعة من يعمل مذيعا إلا إذا اجتاز بنجاح امتحانا بل عدة امتحانات جادة في فروع اللغة العربية وذلك باجتياز امتحانين : الأول الامتحان التحريري : في النحو العربي الوظيفي التطبيقي بطلب الضبط الكامل لبُنى الكلمات في عبارات كاملة متعددة متنوعة مثل (أدبية ـ تجارية ـ علمية ـ سياسية) . وفي الإبداع الإنشائي ويشمل : كتابة مقال أو خاطرة أو أكثر عن عدد من الموضوعات مثل السلام العالمي ـ مشكلة التفرقة العنصرية ـ عالمية الإسلام ـ مشكلات الطفولة ـ ثورة 25 يناير وآثارها ...إلخ . يشمل كذلك حوارا (متخيلا طبعا بين طالب الوظيفة وشخصية عامة : وزير ـ مدير ـ رئيس ناد ـ ... إلخ) ويشمل الثقافة العامة المتعلقة بأدبيات اللغة العربية وأعلامها .

 المتحان الشفوي : ويكون بالصورة السابقة التي عرضناها آنفا للامتحان التحريري على أن يتم بالتسجيل الصوتي للمذيع، حتى يمكن تقييمه في تأن تقييما سليما .

ويشمل حفظ ثلاثة أجزاء على الأقل من القرآن الكريم ، وعدد من أبيات الشعر العربي بحيث لا يقل المحفوظ عن مائتي بيت ، ولا يقل عن مائة سطر من روائع النثر  .

ويشمل اتقان الأعلام الأدبية والسياسية والعلمية والقانونية.

 يجب مضاعفة التدريبات النطقية للمذيعات بصفة خاصة ، ولا يسمح لهن بمزاولة هذه المهنة الحساسة إلا بعد وصولهن إلى درجة كبيرة من الإتقان والنضوج .

 وضع معجم إعلامي إرشادي يضعه كبار كفاة الإعلاميين واللغويين من أصحاب الممارسة والخبرة الطويلة، وقبل وضع هذا المعجم بسنتين ـ على الأقل ـ يجب القيام بعملية رصد ميداني شامل للأخطاء التي يقع فيها الصحفيون والإذاعيون بنوعيهما .

 ويجب ألا تكون ترقية المذيعين والإعلاميين بناء على كفايتهم الشاملة، ويلغى مبدأ الترقية بالأقدمية المطلقة .

وما ذكرته يعد مجرد ملامح، والمجال يتسع لغيرها إذا ما نظرنا للواقع المعيش .

مدرس اللغة العربية :

والمدرس هو قطب الرحى فى هذا المجال . ومما يؤسف له أن مدرسي اللغة العربية حاليا هابطو المستوى وخصوصا الذين تخرجوا حديثا ، للأسباب التي ذكرتها آنفا .

وحتى يستعيد مدرس اللغة العربية مستواه الطيب كي يتمكن من العطاء السليم السديد أوصي بما يلي:

نشر مراكز تحفيظ القرآن في القرى والمدن وتشجيعها ، ومنح القائمين عليها، والملتحقين بها حوافز مادية قيمة .

إعادة المسابقة (امتحان القبول) لدار العلوم ، واشتراط حفظ  القرآن  أو نصفه على الأقل بالنسبة للملتحقين بالكليات الأزهرية .

منح الطلاب حوافز مادية شهرية مشجعة (وقد كان هذا النظام معمولا به من قبل في دار العلوم والأزهر).

إلغاء نظام الترقية بالأقدمية المطلقة، بحيث  لايرقى المدرس ترقية مادية أو أدبية (من الإعدادي إلى الثانوي، ومن مدرس عادي لمدرس أول، ثم إلى وكيل، أو ناظر أو موجه .... إلخ) إلا بعد أدائه امتحانا جادا في عدد من الكتب الأدبية، والنقدية، والتربوية، وبعد مقابلة جادة عادلة مع لجان تشكل من رجال مشهود لهم بالكفاية في مجال العلم والتعليم والتربية .

إدخال مادة  التربية، ومادة طرق التدريس فى السنتين الأخيرتين فى مرحلة الليسانس فى الكليات التي يتخرج فيها المدرسون، على أن يرصد النصف الأخير من السنة الأخيرة للتربية العملية .

التوجيه الفني للغة العربية :

وظيفة الموجه من الخطورة بمكان، لأن توجيهاته تؤدي إلى ما يمكن تسميته "بالنتائج المركبة أو المزدوجة"، فهو يوجه مدرسيه ويرشدهم، وهذه التوجيهات تنعكس على التلاميذ إذا أخذ المدرس نفسه بها . ومن هنا تأتي خطورة مهمته . لذا أوصى في هذا المجال بما يأتى :

ألا يختار لهذه الوظيفة إلا من كان على مستوي رفيع جدا – لا من العلم والثقافة فحسب – ولكن من القدرة التربوية على التوجيه والإرشاد كذلك .

تخفيف العبء عن الموجه، بحيث لا يزيد نصابه علي:

      35 مدرسا في المرحلة الابتدائية .

      25 مدرسا في المرحلة الإعدادية ( المتوسطة ) .

      20 مدرسا في المرحلة الثانوية .

تكون مهمة الموجه ذات شقين : شق عملي، وشق تقييمي تقديري

الشق العملي التعليمي : ويتحقق بقيامه بالتدريس الفعلي في فصول المدارس التي يشرف عليها تدريسا نموذجيا بمحضر من المدرسين لحصتين أو ثلاث في الأسبوع، بحيث يغطي كل فروع المادة كل شهر .

الشق التقييمي التقديري : ويعني ما يسجله الموجه فى تقريره السنوي أو نصف السنوي عن كل مدرس من مدرسيه .

وواضح أن الشق الأول-الذي لا وجود له حاليا – هو الأهم وهو الأعمر بالفائدة؛ لأن الموجه عمليا يكون مثلا ونموذجا يحتذي للمعلمين في تدريس اللغة العربية مادة وطريقة .

*********

وعودا على بدء أقول إن ما قدمته  في هذه الوريقات أقل، وأضعف من أن يحيط بالمشكلة تشخيصا وحلا، وكل ما قدمته لا يزيد على كونه "ملاحظات ميدانية", ورؤية شخصية لما أزعم انه "معالم على  طريق الحل" .

فإذا أصبت فلي أجران، وإن جانبت الصواب أو جانبني الصواب فلي أجر واحد، وأجر واحد ليس بالحظ  اليسير في زمننا هذا . والحمد الله في الأول  والآخر.



ليست هناك تعليقات: