.

2016/03/22

ملاحظات لغوية.. من الكويت


اللغة الفصحى لاتزال لغة رصينة رسمية تسبح في فلك خاص من الجدية والتعبير عن مجتمع مثالي

المؤكد هو وجود بعض الاختلافات في نطق الحروف بين القبائل والمناطق والديار العربية منذ قرون طويلة

هل ينطق العرب حروف لغتهم بشكل سليم؟ وهل ثمة حاجة الى ادخال أحرف جديدة الى الحروف العربية؟ ولماذا تصر شعوب عربية على تحويل الثاء الى سين، والذال الى زاي والقاف الى ألف؟!
ان اللغة العربية، يقول الأديب الكويتي «عبدالله الخلف»، ضمن مجموعة الكُتاب والمثقفين الكويتيين الذين ناقشوا مشاكل اللغة العربية المعاصرة، «غريبة على الدول العربية، على الرغم من ان أي نهضة لا تقوم الا باعلاء الوطن والارتباط بالأرض، الذي لا يحدث الا بالارتباط باللغة». وأضاف خلف أحد الرؤساء السابقين لرابطة الأدباء ومن مؤسسيها، «ان اللغة العربية اليوم أخذت تختلط بالماء المالح، وأخذت الملوحة تتغلب على الماء الحلو في الفصاحة».
ويثير الاستاذ خلف في مقابلته مع «الوطن» الكويتية، 2011/9/27، الاختلاف الملحوظ في نطق بعض الأحرف بين شعوب العالم العربي، ومنها ما بين لهجات مصر وبلاد الشام مثلاً واللهجات الخليجية. ويقول ان الكثير من عرب هذه الدول يلاحظون الطريقة المتميزة لنطق الأحرف في البلدان الخليجية، ويضيف: «عندما كنتُ أدرس في الجامعة، كان الأستاذ عبدالسلام هارون - من عمالقة اللغة وأستاذ معروف - يقول لنا: أنتم أفصح هنا».
وكذلك كان يفعل استاذ فقه اللغة العربية، فقد ذهل عندما سمع أننا ننطق الحروف كلها بشكل سليم، وألّف كتباً عن «خصائص اللهجة الكويتية»، وعمل على دراسة الظواهر المنطوقة في لهجات دول الخليج.
وتطرق عبدالله خلف الى مشكلة نطق الحروف قائلا: «المدرسون يأتون من خارج الجزيرة العربية ولا ينطقون الأحرف ذ - ض - ج - ق، فيقولون (ثآفة) بدلاً من ثقافة، وكذلك حرف الصاد ينطقونه سين مثل (سادق) والتي تعني صادق، و(يرتكب اسماً) ويقصد (يرتكب اثماً)، و(سُمَّ) ويقصدون (ثُمّ)».
وأشار الأستاذ خلف إلى موقف بعض المؤسسات المصرية في مجال اللغة فقال: «جامعة الأزهر في مصر عادت إلى نطق حرف «الجيم» بالفصحى مرة أخرى في مناهجها، وكذلك فعلت كلية دار العلوم، ولذلك نجد أن إلقاءهم وحديثهم للغة العربية راق».
وعن تجاربه الاذاعية الفنية، حيث عمل طويلاً في البرامج الثقافية في الاذاعة الكويتية قال: «عندما كنت مسؤولاً عن البرامج الثقافية كنت ألزم من ينطق الـ «ج» أن ينطقها سليمة، وذلك لأن هذا الحرف له جَرْسٌ موسيقي وهو اجمل صوت وأكثر الأصوات المظلومة في العالم العربي».
ويرى الأديب أن كل العرب يعتدون على هذا الحرف في لهجاتهم، بما في ذلك اللهجة الكويتية مثلاً، «فالجيم التي لدينا عامية ونحولها الى ياء، فمثلاً الطفل عندنا يقول «دياية» اي دجاجة، وكذلك ننطق الـ «ق» في بعض المواقع جيماً، مثل «جبلة» وهي قبلة في اللغة العربية».
وعن بعض تجاربه الاعلامية، يقول: «أذكر ان الاذاعة المصرية كان يعمل بها مدير اختبار المذيعين واسمه ابراهيم أنيس، وكان متعصباً للعامية لدرجة ان من ينطق الجيم - بغير الطريقة القاهرية- كان يرسب في اختبارات المذيعين. وعندما سألته ذات يوم: انك تصنِّف الجيم الى (القرآنية) و(الفصحى) و(القاهرية)، فلماذا تهمل القرآنية والفصحى وتتمسك بالقاهرية؟ أجاب بأنه تطور حضاري».
ومن مشاكل بعض الطلبة العرب مع اللغة الانجليزية بالذات عدم التمييز في النطق بين حرف B وحرف P، حيث يحتاج هذا الحرف الثاني الى زمِّ الشفتين واخراج الهواء بشيء من الضغط، والا سُمع مثل حرف الباء أو B. ويقول الاستاذ خلف مشيراً الى ابتكار لأحد أساتذة اللغة الانجليزية الكويتيين لتعويد الطلاب النطق الصحيح للحرف P الذي لا وجود له في اللغة العربية: «أذكر عندما كنتُ صغيراً كان الأستاذ صالح الشهاب يدرِّسُنا اللغة الانجليزية التي تعلّمها من البريطانيين أنفسهم، وحتى يعلمنا التمييز بين الحرفين كان يأتي بكبريت ويشعل عوده عندما ننطق الحرف، فاذا انطفأ عود الكبريت فان الحرف هو P، واذا لم ينطفئ العود فالحرف هو B».
وقد نتساءل على ضوء ما أثاره خلف، واحتجاجه على «النطق الخاطئ» لبعض الأحرف العربية: هل كان لهذه الأحرف نطق واحد مشترك استمر منذ ظهورها حتى اليوم، أم ان ذلك النطق خضع عبر القرون للعديد من المؤثرات؟ وهل كانت القبائل العربية مثلاً في اليمن ونجد وشمال الجزيرة العربية والحجاز وغيرها، تنطق القاف والجيم والصاد والذال بشكل متشابه، وبما يماثل العربية الفصحى اليوم؟ وهل الطريقة التي ينطق بها المصريون وبلاد الشام أحرف ذ، ظ، ث مثلاِ، توارثوها أباً عند جد عن القبائل العربية التي دخلت مصر، أم أن «فساد النطق» لحق بهذه الحروف فيما بعد، ولماذا نجد نطقاً مشتركاً متشابهاً لحرف الجيم مثلاِ بين مصر واليمن؟
وهل ثمة احتمال لأن يكون المصريون والشوام قد وقعوا تحت تأثير النطق التركي العثماني، وبات هذا النطق هو المفضل والسائد لارتباطه بالبلاط والادارة الحكومية مثلاً، ثم غدا هو السائد كذلك والواسع الانتشار بين العاملين في التدريس النظامي والجامعات، فيما بقيت المؤسسات الدينية تتبع في الغالب النطق النصيح؟
وتحتاج الاجابة عن كل هذه الاسئلة الى بحوث لغوية تاريخية مستفيضة وتجميع واسع للمعلومات والمقارنات. غير ان الملاحظ والمؤكد، هو وجود بعض الاختلافات في نطق الحروف بين القبائل والمناطق والديار العربية منذ قرون طويلة، وكانت اللغة العربية نفسها تعاني أو تزدهر تحت تأثير الغزوات والحملات الأجنبية. وتنقل بعض المراجع عن ابن حزم (ت456 هـ) في كتابه «الاحكام في أصول الأحكام» قوله: «ان اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم، فانما يقيِّد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم، وأما من تلفت دولتهم وغلب عليهم عدوهم فمضمون منهم موتُ الخواطر، وربما كان ذلك سبباً لذهاب لغتهم، وهذا موجود بالمشاهدة، ومعلوم بالعقل ضرورة». (الثقافة العربية في القرن العشرين، اشراف د.عبدالاله بلقزيز، مركز دراسات الوحدة العربية، 2011، ص685).
ويتحدث ابن منظور (ت711هـ) وكأنه بعض أهل زماننا، فيقول في مقدمة موسوعته اللغوية المعروفة «لسان العرب المحيط»، عن أسباب بذل هذا الجهد الجبار في وضع قاموسه الموسّع: «انني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط لفظها، اذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية، وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان، من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحناً مردوداً -أي متكرراً- وصار النطق بالعربية من المعايب معدوداً. وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغتهم يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون، وسميته لسان العرب، وأرجو من كرم الله تعالى ان يرفع قدر هذا الكتاب وينفع بعلومه الزاخرة، ويصل النفع به بتناقل العلماء له في الدنيا وبنطق أهل الجنة به في الآخرة».
ومن الاهتمامات اللغوية التي أدلى بعض الكتاب الكويتيين بدلوهم فيها أخيراً، ما طالب به كثيرون بين فترة وأخرى، أعني زيادة بعض الأحرف الى الحروف العربية المستخدمة حالياً، كي يسهل النطق ببعض الأسماء والتعبيرات الأجنبية. فكما خضعت اللغة عبر تاريخها إلى التنقيط والتشكيل، فمن المطلوب اليوم زيادة هذه الأحرف كي تتضاعف قدرة اللغة العربية في مجالات الترجمة وغيرها، «فمع دخولنا العولمة واستخدامنا مئات الكلمات غير العربية التي أصحبت جزءاً من ثقافتنا ولغتنا اليومية»، كما يقول الكاتب الصحافي الكويتي أحمد الصراف، «بما ان الكثير من هذه الكلمات التي نستخدمها بكثافة، خاصة أسماء المدن والأشخاص، تتضمن حروفاً لا توجد في لغتنا، فإن هذا يدفع الكثيرين لنطق تلك الكلمات بطريقة غير دقيقة، ومضحكة أحياناً».
كما أن عدم وجود حرف صحيح يمكن به كتابة اسم مدينة كـ Agra الهندية مثلاً، فإننا نجد بعضهم يكتبها «أجرا» وآخرون «أكرا» وغيرهم «أغرا» وهكذا، وجميعها لا تعطي اللفظ الصحيح، وبالتالي يتطلب الأمر ادخال بضعة حرف على المطبعة العربية، لكي يمكن كتابة مثل هذه الكلمات بطريقة سليمة، وهذا سيزيد من ثقافتنا ومن فهم الآخرين لما نريد قوله». ولما كان الاستاذ «الصراف» من كُتاب صحيفة «القبس» البارزين، فقد طالبها «بأخذ زمام المبادرة والبدء باستخدام بعض الحروف الجديدة خاصة مثل الـ پ P والـ كـَ G والـ چـ CH، علماً بأن بعض صحف لبنان وشمال أفريقيا تستخدمها في مقالاتها، كما أن مطابع القبس مزودة بها» (2013/9/3).
وقد نتساءل في هذا المجال: هل الكلمة العربية أداة تعبير متجددة تتفاعل مع عصرها وتظهر لها اشتقاقات ومعان جديدة، أم أننا نتوجس من كل تجديد ونخاف من كل تغيير؟ ولعل الجواب يكمن في تحديث مجامع اللغة العربية لها، وفي تنشيط أقسام اللغة العربية في الجامعات، وفي تفاعل الكتاب والأدباء والاعلاميين مع مطالب التجديد.
ولا يمكن للغة العربية أن تكون لغة مكية مستخدمة يومياً في مجتمعات العالم العربي ما لم نتصارح في واقع آخر ملموس، وهو ان اللغة الفصحى لا تزال لغة رصينة رسمية تسبح في فلك خاص من الجدية والتعبير عن مجتمع مثالي وعن علاقات تسمو على الحياة اليومية وأدواتها وابتذالها كما هو واقع الحياة في أحيان كثيرة. كما أنها لغة تحظى بمكانة دينية تضفي على استخدامها جواً من الوقار، ولا يمكن استخدامها كبديل للهجات الشعبية.
وقد نكون اليوم ودون أن نشعر، أمام أمرين في غاية الأهمية بالنسبة لدور اللغة العربية الفصحى في حياتنا، فإما تبسيط قواعد اللغة والاملاء، وربما تجميد أو الغاء بعضها، وتوسيع مبادئ قبول الكلمات التي تعد الآن عامية أو من «الاخطاء الشائعة» وعدم تخطئة اساليب التعبير والاستعمالات التي نراها في كل مكان، من المجتمعات الخليجية الى دول شمال أفريقيا والمغرب وموريتانيا والسودان، وستعد هذه بمنزلة ثورة لغوية عربية كبرى، لا نتوقع أن يوافق عليها الكثيرون.. مهما كانت فوائد هذا التبسيط.
وإما الاستمرار فيما نحن عليه من استخدام «اللهجات العامية» والفصحى في مؤسساتنا وحياتنا اليومية بشكل متواز.وفي هذه الحالة سنُدخل بعض التعديلات على اللغة العربية بين فترة وأخرى، ونواصل وضع الكُتب حول «الأخطاء اللغوية الشائعة»، ونطالب مؤسساتنا التعليمية والاعلامية بالمزيد من مراعاة قواعد اللغة، ونتصارع مع النواقص والثغرات.لكن «عربية الشعوب» ستبتعد عن عربية الكتب الموروثة، ويزداد استقلال الاعلام المرئي والمسموع وربما حتى المطبوع لاحقاً والالكتروني، عن لغة الضاد العتيدة، وذلك كله في اندفاع نحو المجهول!
لقد حولت تكنولوجيا الاتصالات الالكترونية الجديدة كالانترنت ومشتقاتها ولواحقها، كل فرد قارئ، مهما كانت درجة ثقافته واستيعابه وعلمه، الى كاتب او معبَّر. وقد تستمر هذه الظاهرة لسنوات قادمة. وقد يتردى المستوى ويؤثر ذلك كله في كتابة العربية وقراءتها، وبخاصة وأن القارئ العربي يعاني من مشكلة لا يستهان بها وهي عدم تشكيل الكلمات المطبوعة.
وكم من قارئ باللغة العربية، ولا أستثني نفسي، يوقعه غرور الاعتياد بأنه يقرأ كل الكلمات العربية قراءة صحيحة، وأنه ينطق بها كلها دون خطأ في التشكيل من فتحة أو ضمة او شدة. ولقد قمت ذات مرة برصد مجموعة من الكلمات الواردة في مقدمة ابن خلدون، وقارنتها بالطريقة التي كنت اظنها النطق الصحيح للكلمة.. ولا أريد ان أخبر القارئ بنتيجة الاختبار!! وكم من كلمة نستخدمها في حديثنا دون شدة على حرف ما من حروفها ونكون مخطئين، او نضع ضمة او فتحة على أول حرف من كلمة أخرى ونكون لغوياً واهمين. ولا أدري كم من لغات العالم يعاني مستخدموها ما نعاني. أو يتحتم عليك أحياناً أن تفهم.. قبل أن تقرأ؟!

خليل علي حيدر


http://alwatan.kuwait.tt/articledetails.aspx?id=357037&yearquarter=20142&txtsearch=%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%D8%AC%D8%A7%D8%AA 

ليست هناك تعليقات: