.

2016/03/11

العلاقات الدلالية: محدد لدلالة الألفاظ

أ. مولاي مروان العلوي
تقديم
يتواصل الأفراد بفضل وجود معجم مشترك وذخيرة لفظية تتضمن كلمات لها معان متشابهة أو متقاربة، وتتفاوت درجة فهم دلالات هذه الكلمات من شخص لآخر، وذلك مرتهن بما مر به الفرد من تجارب، ومرتبط بطبيعة الوسط الذي إليه ينتمي مستعملو اللغة، إضافة إلى العديد من العوامل التي تسهم في تحديد الدلالة. فإذا ما استقرأنا كلام العرب، خصوصا على مستوى الاستعمال اللغوي، نجد أن دلالة اللفظة الواحدة قد تختلف بين الأوساط اللغوية، بل قد تختلف بين الأفراد المنتمين إلى نفس البيئة اللغوية. وما يضمن فهما متماثلا أو متشابها للدوال اللغوية –بتعبير دي سوسير-  ويؤدي إلى تواصل ناجح وجودُ تواضع لغوي واتفاق ضمني حول مدلولات الكلمات وكيفية توظيفها واستخدامها ، وهو الدور الذي تضطلع به المعاجم اللغوية.


وإضافة إلى التحديد اللغوي للكلمة وهي مفردة، يعد التركيب أحسن طريقة لفهم معنى الكلمة، إذ يسهم في إبراز معناها ويجعلها متباينة عن تلك التي تقاربها أو تبدو مشابهة لها، فضلا عن الوظائف الدلالية ذات الارتباط بالمحيط والثقافة اللذين يعبران عن دلالة اللفظ المستقلة عن كلّ كلمات اللغة.
وليس العالم كما يراه المتكلم إلا إنتاجا لثقافة المجتمع، وهو الشيء الذي يعكسه نظام اللغة المعجمي الذي يتواصل به الأفراد، وكل كلمة لها مرجعها في العالم الخارجي، توظّف في تركيب ترتبط بالعالم أو بجزء منه بطريقة تختلف عن الكلمات الأخرى.
وترتبط الكلمات فيما بينها بمجموعة من العلاقات، تجعل لهذه الكلمات معنى محددا، فكما يقول السيميائيون الاختلاف يولد المعنى. ويتحدّد المعنى أكثر حين ظهوره في بنية المعجم الذي يمتلكه المتكلم، أو وفق التغيّرات التي تطرأ على معاني الكلمات المرتبطة بالحقل المعيّن.
وبما أن كل لغة تعكس صورة عن الوجود خاصة بها، فإن نظرة الناطقين بها إلى الحياة تتميز عن غيرهم، لاختلاف ثقافتهم عن الثقافات الأخرى، ولاختلاف لغتهم  عن اللغات الأخرى، ومجموع كلماتها يدل على الجنس، أو النوع، أو أصناف الموجودات المادية والمعنوية، والكلمة الواحدة في أيّة لغة تقيم مجموعة من العلاقات الدلالية مع الكلمات الأخرى، كما تندرج تحتها مجموعة من الألفاظ، فكل لفظ من هذه الألفاظ يضمّ عدداً من الأفراد أو الأحداث جمعت تحت عنوان واحد، وكوّنت صنفاً واحداً، ولذلك كانت مفردات كلّ لغة من اللغات ضرباً من التصنيف للموجودات الذي يعدّ أساسياً في فهم العلاقة بينها، وهو إدراك لنظرية الحقول الدلالية.
ويتكوّن الحقل الدلالي من مجموعة من المعاني ِأو الكلمات المتقاربة التي تتميز بوجود عناصر أو ملامح دلالية مشتركة، وبتعبير آخر، هو مجموعة من الكلمات التي تجمع بينها مقومات دلالية مشتركة، وبذلك تكتسب الكلمة معناها في علاقاتها بالكلمات الأخرى، لأنَّ الكلمة لا معنى لها بمفردها، بل إنَّ معناها يتحدّد في علاقتها مع الكلمات معها مجموعة واحدة.
وبناء عليه، تتعدد العلاقات الرابطة بين الكلمات التي تنتمي إلى نفس الحقل الدلالي.

أنواع العلاقات الدلالية:
إن معنى الكلمة هو حصيلة علاقاتها بالكلمات الأخرى في نفس الحقل الدلالي، و هو مكانها  في نظام العلاقات التي تربطها بكلمات أخرى في المادة اللغوية.
ولذلك يعد من الضروري عند أصحاب نظرية الحقول الدلالية بيان أنواع العلاقات داخل كل حقل دلالي. ولا تخرج هذه العلاقات في أي حقل عما يأتي:
1.     الترادف     synonymy
2.    الاشتمال أو التضمن hyponymy
3.    علاقة الجزء بالكل part-whole relation
4.    التضاد antonymy
5.    التنافر incompatibility
و من المعروف أن بعض الحقول  الدلالية سوف تحوي كثيرا من هذه العلاقات، في حين أن حقولا أخرى لن تحويها. كما أن بعض العلاقات قد يكون ضروريا لتحليل بعض اللغات دون الأخرى. ولذا فإن على اللغوي أن يحدد أنواع العلاقات الضرورية لتحليل مفردات لغة معينة.  
1-    الترادف:
يتحقق الترادف حين يوجد تضمن من الجانبين. يكون «أ» و «ب» مترادفين إذا كان «أ» يتضمن «ب»، و «ب» يتضمن «أ». كما في كلمة «أم» و «والدة».
و يميز كثير من علماء الدلالة بين أنواع مختلفة من الترادف و أشباه الترادف على النحو التالي.
•     الترادف الكامل: perfect synonymy، أو التماثل، و ذلك حين يتطابق اللفظان تمام المطابقة، و لا يشعر أبناء اللغة بأي فرق بينهما، ولذا يبادلون بحرية بينهما في كل السياقات.
•    شبه الترادف: near synonymy، أو التشابه أو التقارب أو التداخل، و ذلك حين يتقارب اللفظان تقاربا شديدا لدرجة يصعب معها –بالنسبة لغير المتخصص- التفريق بينهما، و يمكن التمثيل لها في العربية بكلمات مثل: عام-سنة-حول.... و ثلاثتها قد وردت في مستوى واحد من اللغة، و هو القرآن الكريم.
•    التقارب الدلالي: semantic relation، و يتحقق ذلك حين تتقارب المعاني، لكن يختلف كل لفظ عن الآخر بملمح هام واحد على الأقل. ككلمتي: حلم و رؤيا.
•    الاستلزام:  entailment: و هو قضية الترتب على.. و يمكن أن يعرف كما يأتي: س1 يستلزم س2 إذا كان في كل المواقف الممكنة التي يصدق فيها س1 يصدق كذلك س2. مثلا: انتحر علي-قتل نفسه، ليس كل شخص حضر-بعضهم لم يحضر......
•    استخدام التعبير المماثل، أو الجمل المترادفة paraphrase: و ذلك حين تملك جملتان نفس المعنى في اللغة الواحدة، يقسم هذا الاستخدام إلى عدة أقسام:
o    التحويلي: و ذلك بتغيير مواقع الكلمات في الجملة، و بخاصة في اللغات التي تسمح بحرية كبيرة، و ذلك بقصد إعطاء بروز لكلمة معينة في الجملة دون أن يتغير المعنى العام لها. مثال ذلك:
                        +دخل محمد الحجرة ببطء
                        +ببطء دخل محمد الحجرة
                        +الحجرة دخلها محمد ببطء
o    التبديلي أو العكس، و ذلك مثل قولك:
                        +اشتريت من محمد آلة كاتبة بمبلغ 100 درهم
                        +باع محمد لي آلة كاتبة بمبلغ 100 درهم.
           2-الاشتمال:
تعد علاقة الاشتمال inclusion أهم العلاقات في علم الدلالة التركيبي. و الاشتمال يختلف عن الترادف في أنه تضمن من طرف واحد. يكون «أ» مشتملا على «ب» حين يكون «ب» أعلى في التقسيم التصنيفي أو التفريعي « toxonomic »، مثل «فرس» الذي ينتمي إلى فصيلة أعلى «حيوان». و على هذا فمعنى «فرس» يتضمن معنى «حيوان».
و اللفظ المتضمن في هذا التقسيم يسمى:
1.    اللفظ الأعم hyperonomy
2.    الكلمة الرئيسة head word
3.    الكلمة الغطاء cover word
4.    اللكسيم الرئيس archlexeme
5.    الكلمة المتضمنة superordinate
6.    المصنف classifier
و من الاشتمال نوع أطلق عليه اسم «الجزئيات المتداخلة»، و يعني ذلك مجموعة الألفاظ التي كل لفظ منها متضمن فيما بعده مثل : ثانية-دقيقة-ساعة-يوم-أسبوع-شهر-سنة....
3-علاقة الجزء بالكل:
أما علاقة الجزء بالكل فمثل علاقة اليد بالجسم، و العجلة بالسيارة. و الفرق بين هذه العلاقة وعلاقة الاشتمال او التضمن واضح. فاليد ليست نوعا من الجسم، و لكنها جزء منه. بخلاف الإنسان الذي هو نوع من الحيوان و ليس جزءا منه.
و السؤال الآن: هل جزء الجزء يعد جزءا للكل؟ أو بعبارة أخرى: هل تتعدى الجزئية فتنتقل من الجزء إلى الكل؟
هناك من الأمثلة ما يقبل التعدي، و منها ما لا يقبله، فنحن نقول إن كم هذا القميص بدون أسورة (أسورة-كم: علاقة جزئية)، و يمكننا ان نقول إن القميص بدون أسورة (كم-قميص: علاقة جزئية أخرى). و لكن في علاقة جزئية مثل: (مقبض-باب) و مثل (باب-منزل) لا يمكن تعدية هذه العلاقة، لأننا نقول: هذا الباب بدون مقبض، و لكن لا نقول: هذا المنزل بدون مقبض. و نقول مقبض الباب، و لكن لا نقول: مقبض المنزل.
و يمكن التمثيل للأول كذلك بعلاقات جزئية مثل (أظافر-أصابع)، و (أصابع-يد)، و (يد-جسم). فمن الممكن أن نقول: أصابع محمد بدون أظافر، و ان نقول: يد محمد بدون أظافر، و أن نقول: محمد بدون أظافر.
4-التضاد:
هناك أنواع متعددة من التقابل ترد تحت ما سماه اللغويون بالتضاد:
    فهناك ما يسمى بالتضاد الحاد، أو التضاد غير المتدرج ungradable أو nongradable مثل: ميت-حي، و متزوج-أعزب، و ذكر-أنثى. و هذه المتضادات تقسم عالم الكلام بحسم دون الاعتراف بدرجات أقل او أكثر. و نفي أحد عضوي التقابل يعني الاعتراف بالآخر. فإذا قلت إن فلانا غير متزوج فهذا يعني الاعتراف بأنه أعزب. و لهذا لا يمكن وصف أمثال هذه المتضادات بأوصاف مثل: «جدا» أو «قليلا» أو «إلى حد ما».      و هذا النوع قريب من النقيض عند المناطقة، و يتفق مع قولهم إن النقيضين لا يجتمعان و لا يرتفعان، أو إنهما لا يمكن أن يصدقا معا، أو يكذبا معا.
    و هناك ما يسمى بالتضاد المتدرج gradable، و يمكن أن يقع بين نهاتين لمعيار متدرج     أو بين أزواج من المتضادات الداخلية. و إنكار أحد عضوي التقابل لا يعني الاعتراف بالعضو الآخر. و يحمل هذا النوع نفس الاسم عند المناطقة (التضاد) و يصفونه بأن الحدين فيه لا يستنفدان كل عالم المقال، و لذا فإنهما قد يكذبان معا، بمعنى أن شيئا قد لا ينطبق عليه أحدهما، إذ بينهما وسط. فقولنا «الحساء ليس ساخنا» لا يعني الاعتراف بأنه بارد. و هذا النوع من التضاد نسبي، فقولنا «الحساء ساخن» يعني أنه ساخن بالنسبة لدرجة الحرارة المعينة للحساء، أو للسوائل ككل، او للسوائل المقدمة مع وجبة. و هذا يختلف عن قولنا «الماء ساخن».
و هناك نوع اسمه العكس converseness، و هو علاقة بين أزواج بين الكلمات مثل: باع-اشترى، و زوج-زوجة.
    فلو قلنا إن عبد الغني باع منزلا لعلي فيعني هذا أن عليا اشترى منزلا من عبد الغني.
    و لو قلنا: محمد زوج فاطمة، فهذا يعني أن فاطمة زوجة محمد. و لوقلنا: عبد الغني والد علي فإن هذا يعني أن عليا ولد محمد..... و هكذا.
و هناك نوع آخر من التضاد يطلق عليه «التضاد الاتجاهي» directional opposition. و مثاله العلاقة بين كلمات مثل: أعلى-أسفل، و يصل-يغادر، و يأتي-يذهب، فكلها يجمعها حركة في أحد اتجاهين متضادين بالنسبة لمكان ما.
5-التنافر:
أما التنافر فيرتبط بفكرة النفي، و يتحقق داخل الحقل الدلالي إذا كان «أ» لا يشتمل على «ب»،    و «ب» لا يشتمل على «أ». و بعبارة أخرى هو عدم التضمن من طرفين، وهو إذا كانت الكلمات من نفس الحقل وكل واحدة لا تضاد الأخرى ولا تشتمل على معناها. وينقسم إلى:
(أ) التنافر الجزئي: أن تكون إحدى الكلمتين جزءا من كتلة أخرى:
غلاف ، كتاب        مقود ، سيارة
غصن ، شجرة        نافذة ، غرفة
رجْل ، جسم        ساق ، قدم
(ب) التنافر الدائري: وهو الذي يكون بين كلمات تدل على فترات متعاقبة دائريا، كل واحدة تصلح أن تكون البداية أو النهاية:
     أيام الأسبوع: سبت ، أحد ، اثنين، ثلاثاء، أربعاء، خميس، جمعة.
    الفصول: الشتاء، الربيع، الصيف، الخريف.
    الأشهر: محرم، صفر، ربيع الأول، ربيع الثاني، جمادى الأول، .... إلخ.
(ج) التنافر الرتبي: وهي التي تدل على معان متدرجة من أعلى إلى أسفل أو العكس، ومن أمثلته:
    الرتب العسكرية: جندي، عريف، رقيب، ملازم، نقيب، رائد، مقدم، عميد، لواء.
    مراتب أساتذة الجامعة: محاضر، أستاذ مساعد، أستاذ مشارك، أستاذ.
    مراحل العمر: جنين، طفل، شاب، رجل، كهل، شيخ.
(د) التنافر الانتسابي: وهو انضواء مجموعة من الكلمات تحت معنى عام:
    تفاح، برتقال، موز (فواكه)
    بقرة، نعجة، عنز، جمل (حيوانات أهلية)
    كتاب، صحيفة، مجلة، موسوعة (مطبوعات).
خاتمة:
إن المعجم الذي يحتفظ به كل فرد في ذاكرته يختلف في ترتيبه عن المعجم المسطر بين دفتي كتاب والذي رتبت مفرداته ترتيبا ألفبائيا بحسب الحرف الأول أو الأخير، بينما المعجم المخزون في الذاكرة مرتب حسب الحقول الدلالية: قرابة، ألوان، حركات، أمراض، نباتات، حيوانات ...إلخ. وكل حقل يضم مجموعة من المفردات تربطها علاقات دلالية معينة: تضاد، اشتمال، تنافر، ترادف..
و هذا ما يسمح للمتكلم باختيار ما يناسب من المفردات لإيصال قصده بالاعتماد على تصنيف الحقول الدلالية وفق علاقات دلالية متشابكة. وهي عملية قد تتم بطريقة شعورية أو لا شعورية

ليست هناك تعليقات: