.

2016/03/12

مجمع اللغة العربية في دمشق ومشكلة الصراع حول اللغة المحكية

أ.د. منى الياس

 تعالت في الفترة الأخيرة صيحات نقلتها الصحف المحلية، وكانت تدور حول (اللغة العامية أو المحكية) وموقف مجمع اللغة العربية منها. وقد أوغلت هذه المقالات في مهاجمة (مجمع اللغة العربية) بشكل يستفز القارئ ويستنفره ليس للدفاع عن المجمع، فهو قلعة قادرة على الصمود من جهة، وعلى الدفاع عن نفسه من جهة أخرى. لكنني أرى أن هذا الهجوم قد تجاوز حدوده الأكاديمية الموضوعية والعلمية المجردة، ليدخل في متاهات الديماغوجية وإطلاق الكلام جزافاً حتى ليحس القارئ أن كتّاب هذه المقالات تهاجم (المجمع لأجل الهجوم فقط).


الفولكلور والتراث الشعبي ‏

فقد كتب – على سبيل المثال لاالحصر- السيد (محمود مفلح البكر) في جريدة تشرين (9كانون الثاني 2011) مقالاً طويلاً بعنوان: (مجمع اللغة العربية حكماً في التراث الشعبي) يتبعه ثلاث علامات تعجب (!!!) جاء فيه: (أخيراً.. صار مجمع اللغة العربية في دمشق مرجعاً في علم الفولكلور وعلوم التراث الشعبي عامة، وحكماً –نعم حكماً- يقرر مايصلح منه وما لايصلح.. هذه حقيقة. هذا الاهتمام المفاجئ لم يأت بهدف تطوير دراسات التراث الشعبي، ولا للاستفادة منها في فهم تطور دلالات الألفاظ، ولا لمعرفة علاقة اللهجات الحالية بأصولها القديمة، ولاتقصي الألفاظ التي فاتت المعجميين القدامى، واستمرت في التداول الشعبي إلى اليوم، ولا لمعرفة ماأبدعه الناس خلال ألف سنة ونيف من ألفاظ جديدة، تماشي تطور الحياة، ولا لتطوير المعاجم والدراسات اللغوية، بالاستفادة من دراسات التراث الشعبي، كما فعلت مجامع لغوية شقيقة.. بل لم يأت أصلاً لمعرفة ماهية التراث الشعبي، ولا لمعرفة دوره في الدراسات اللغوية الحديثة، ولا لشيء من هذا القبيل. لقد جدَّ هذا الاهتمام المفاجئ عن أوهام بأن التراث الشعبي يشكل خطراً على الفصحى. ولو تبصر هؤلاء لوجدوا أن تراثنا الشعبي قد شكل في المراحل المظلمة من تاريخنا، درعاً لحماية الأمة، والحفاظ على وحدتها، عبر وحدة العادات والتقاليد والأعراف، ومنظومة القيم المرعية طوعاً من الجميع، والفنون، والمعارف والخبرات المتوارثة. لاأعرف كيف يمكن لبحث أو دراسة، في ميادين هذا التراث الشعبي أن تشكل خطراً على الفصحى؟! ‏

إن مسوغات هذه الحملة على التراث الشعبي، كما قرأت بعضها، تبعث على الضحك حقاً، وتؤكد غياب المعرفة في ماهية التراث الشعبي، وفي أهميته المعرفية، والفنية، واللغوية، والأدبية، والجغرافية، والتاريخية، والاجتماعية.. وإن الأحكام قد بنيت على الأوهام) ‏

إشكالات


ثم يختتم الكاتب مقاله بالقول: (.. إن دخول مجمع اللغة العربية على خط التراث الشعبي يضاعف الإشكالات، فالمخطوطات التي يراها صالحة من وجهة نظره اللغوية قد لاتكون صالحة من وجهة النظر البحثية، والتي يراها غير صالحة قد تكون أصلح علمياً من التي أقرها. يمكن لمجمع اللغة العربية في دمشق أن يتخذ من مجمع اللغة العربية في القاهرة قدوة حسنة بالاهتمام بما في التراث الشعبي من ثروة لغوية، ومادة لهجية تعود جذورها إلى اللهجات العربية القديمة وعقد الندوات، وإصدار المؤلفات في هذا الميدان. أما والحال هذه فليته يهتم أولاً بأمر المسلسلات الأجنبية المدبلجة بالعامية، وأمر الإعلانات، وغيابه عن الفعل اليومي المستمر، في ميادين الإعلام، الثقافة، وبالأخص فيما يتعلق بالثقافة الطفلية، وليته يستلهم تجارب الآخرين في الحفاظ على اللغة وتطويرها، ويمكن أن تقدم له مقترحات عملية في هذا المجال، لمن ينوي العمل الجاد.) ‏

ألفاظ مقعقعة وفقدان مصداقية ‏

مع احترامي للكاتب لكن – في الواقع- لايستطيع القارئ أن يتجاوز هذا المقال، وينتقل إلى غيره من دون أن تفاجئه بعض الأحكام التي إن فكر فيها يجدها مجموعة من الألفاظ المقعقعة تحدث دوياً، لكنها لاتحمل أي معنى، وليس لها مصداقية، لأنه لم يستطع إثباتها، فمثلاً يتساءل في معرض هجومه على (المجمع): ‏

(فمع تقديرنا الكبير للمجمع، وأهمية دوره في الذود عن اللغة العربية، فإن أسئلة تفرض نفسها هنا: ‏

• مالخبرات العملية والعلمية التي يملكها قراء المجمع في هذا الميدان؟ ‏

• هل يعرفون فعلاً ماهية التراث الشعبي، وميادينه المتشعبة التي أعيت أجيالاً من العلماء نذروا أعمارهم لهذه الغاية في أنحاء المعمورة كلها؟ ‏

• هل اطلعوا بما يكفي على العلوم التي تعنى بالتراث الشعبي؟ كعلم الفولكلور، وعلم الإناسة، وتفرعاته الكثيرة؟ وغيرها من علوم ذات صلة؟ ‏

• هل يدركون أهمية التراث الشعبي حقاً؟ ‏

• هل يعرفون مجالات توظيفه المتعددة؟ ‏

• ما المعايير التي يحكمون بها على مواد التراث الشعبي؟ سواء أكانت مادة أولية، أم دراسة، أم بحثاً؟ ‏

حسب معرفتي، وأدعي أنني متابع لأنشطة التراث الشعبي، فإنني لم ألحظ لأحد منهم حضوراً يذكر في هذا الميدان. ‏

أما من جهة دور المجمع فنتساءل: هل أنجز المجمع مهماته الأساسية كلها؟ ليقوم بمهمة مديرية تراث شعبي؟ أو دور جمعية فلكلورية؟ ‏

تعقيب على طرح ‏

فهل قام كاتب المقال بعملية سبر للخبرات العملية والعلمية لقراء المجمع؟ وهل اختبر الكاتب أعضاء المجمع فرداً فرداً ليستنتج أنهم لايعرفون فعلاً ماهية التراث الشعبي وميادينه المتشعبة، التي أعيت أجيالاً من العلماء؟. كذلك هل تأكد كيف أن أعضاء المجمع.. جميع أعضاء المجمع لم يطلعوا على العلوم التي تعنى بالتراث..؟ ولم يدركوا أهمية التراث.. ولم يعرفوا مجالات توظيفه، وليست لهم معايير يحكمون بها على مواد التراث الشعبي الخ..؟ لينتهي إلى النتيجة التي تقول: حسب معرفتي فإنني لم ألحظ لأحد منهم حضوراً يذكر في هذا الميدان.. ‏

كيف يمكن إطلاق هذه الأحكام (بالجملة والمفرق) قبل أن يتحقق منها كاتبها.؟ ‏

الألفاظ السريانية ‏

على أية حال: لقد قلت منذ البداية، أنا لا أبغي الدفاع عن المجمع وأعضائه. وبهذه المناسبة أريد أن اذكر كاتب المقال على سبيل المثال لا الحصر أن (مجلة المجمع العلمي) بدمشق نشرت عام 1950 في المجلدات (23-25) سلسلة مقالات للبطريرك (أفرام الأول برصوم)، وأظنه عضواً في المجمع بعنوان: (الألفاظ السريانية في المعاجم العربية). فهل اطلع عليها قبل أن يصدر أحكامه السابقة ويجهّل الجميع. ‏

حركة علمية برعاية الجامعات ‏

أما قوله: (منذ بدايات القرن العشرين نشط عدد من الجامعيين والباحثين العرب في بلاد الشام ومصر، وفي منتصف القرن العشرين بدأت في مصر حركة علمية منهجية ترعاها الجامعات والمعاهد والمؤسسات ذات الصلة ومنها مجمع اللغة العربية في القاهرة، وقد ترك هذا النشاط أثره في المنطقة العربية، فصدر عدد من المجلات المتخصصة كـ «الفنون الشعبية» في مصر، و«الفنون الشعبية» في الأردن، و«التراث الشعبي» في العراق، و«المأثورات الشعبية» في قطر، و«التراث والمجتمع» في فلسطين، وغيرها.. وآخرها مجلة «الثقافة الشعبية» في البحرين) فلنا مع هذا الكلام وقفة لاحقة. ‏

الفولكلور وهجوم آخر ‏

كذلك كتب في العدد نفسه من جريدة تشرين (9كانون الثاني 2011) السيد (محمد خالد رمضان) مقالاً بعنوان: ‏

(أنقذوا الفولكلور) يضرب فيه على نفس الوتر، ويعزف على نفس المنوال في الهجوم على (مجمع اللغة العربية) فيقول: (إن الباحثين في هذا التراث الشعبي يشكرون مجمع اللغة العربية على حرصه على اللغة، ويشكرون المجمعيين لحرصهم الكبير عليها. ولكنني أقول إن تفشي العامية يأتي من جوانب أخرى غير التراث يعرفها المجمعيون تماماً؟ لذا نعتبر تدخلهم في هذا المجال أي مجال عملنا تدخلاً غير مبرر أبداً، تدخلاً ظالماً فيه الحيف والظلم، تدخلاً في عمل ليس لهم فيه ناقة ولا جمل، وإذا أردنا وضع النقاط على الحروف نعتبره تدخلاً يسيء إلى قضية جمع التراث الشعبي ودراسته، إذ أي باحث سيعاود الكتابة بعد أن يعود كتابه دون موافقة بدعوة تفشي العامية، حتماً سيتوقف وسيقف العمل كلياً بعد مدة وسيضيع تراثنا مع ذهاب كبار السن وهم حفظته، وستقول ياحيف وياندم هذا عوضاً عن أن يساعد المجمعيون، يساعدوننا في الاستمرار بجمعه وبحثه لا أن يقفوا حجر عثرة بل سداً لايمكن تخطيه، أيها الزملاء نحن ليس لنا علاقة بهذه القضية قضية الفصحى والعامية وأكرر ذلك بالتأكيد، ونحن مع الفصحى قلباً وقالباً، وأكرر أنه من الخطأ العلمي والتاريخي والإنساني تفصيح التراث الشعبي. فالحكاية والأغنية والمثل يجب أن تكتب كما سمعناها من الرواة هكذا يقول العلم.. ‏

نحن نهيب بأولي الأمر بأن يراجعوا قرار إرسال الكتب التراثية الشعبية إلى مجمع اللغة العربية نهيب بهم قراءة قرارهم مرة أخرى وأن يتراجعوا عنه.. نهيب بالسيد رئيس الجمهورية الذي يشجع قضية جمع وبحث التراث الشعبي ونحن نعرف مدى معرفته وعلمه، ونهيب بالسيد وزير الثقافة التدخل في سبيل التراجع عن هذا القرار وإلا سيضيع مجمل تراثنا بحجة لاعلاقة للتراث الشعبي بها وهي تفشي العامية. ‏

أما القرار فهو: ‏

1- لايُسمح بطباعة مؤلَّف مكتوب كله بالعامية ‏

2- لايقُرُّ كتاب يدعو للعامية ‏

3- يُسمح بتوثيق الكتب التي تتضمن نصوصاً وثائقية باللهجة العامية لابطباعتها بقصد التعميم والتداول. ‏

العامية تدافع ‏

وفي هذا السياق نشرت جريدة الوطن في عددها تاريخ (3 كانون الثاني 2011) مقالاً للكاتب (كلود سلامة) بعنوان: (العامية تدافع.. لماذا قاموس المحكية؟!) جاء فيه: ‏

عندما أعلنا عن قرب نشرنا لقاموس المحكية، وبعد نشر جزء منه مؤخراً فاجأني الكثيرون بسؤال: ‏

لماذا هذا القاموس؟.. وأقول: (أنا لاأتنازل عن الفصحى التي أعشقها، ولاأدعو إلى إحلال المحكية محلها في الكتابة، فهي الحاملة لجزء كبير من تراثنا. ولكني أتساءل أيضاً: أليست لغتنا التي تتحدث بها تحمل جزءاً من تراثنا وتعبر عن طريقة تفكيرنا وعاداتنا وأدبنا إلخ.. فلماذا إذا درسناها وألقينا الضوء على ماتحمله من تراث نكون كمن ارتكب جرماً؟ إن دراسة هذه اللغة (المحكية) جزء أساسي من دراسة المجتمع. ونسأل: من أنتج هذه اللغة؟ أليس الشعب هو صانعها؟ هل هي مستوردة أو فرضها أحد علينا من الخارج؟ إن تحقيرها هو تحقير للشعب الذي صنعها واستخدمها ومنهم منتقدوها أنفسهم. ‏

خطورة معاجم العامية ‏

يقول الدكتور ممدوح خسارة (الثورة 14-4-2010): (إنه لاجدوى من التوثيق لأنها متحولة متبدلة باستمرار، فعاميتنا اليوم ليست كما كانت قبل خمسين سنة، وإن ماشجع المؤلفين على إصدار معجم باللغة العامية هو سهولة اللغة العامية التي لاتحتاج إلى القواعد اللغوية والإعرابية، فإذا وضعنا لها المعاجم تصبح لغة حقيقية، وبذلك يتم الاستغناء عن لغتنا العربية الفصيحة.. فالهدف الرئيسي من معاجم اللغة المحكية تجزئة اللغة العربية، وإن مجمع اللغة العربية يرفض وجود معاجم للغة العامية، وكأنها لغة رسمية.. وإذا وضعنا لها المعاجم تصبح لغة حقيقية، وبذلك يتم الاستغناء عن لغتنا العربية الفصحى). وقال بعض المعلقين: إن وضع مثل هذ المعجم هو السعي لتقسيم الأمة. ويختتم كاتب المقال (كلود سلامة) مقاله بالرد على الدكتور ممدوح خسارة قائلاً: إن تحويل النقاش في موضوع اللغة إلى نقاش إيديولوجي مرفوض ولامكان له ولامبرر ويخرج عن نطاق البحث العلمي والعقلاني. ودعونا نبق في مجال العلم الموضوعي). ‏

مايمكن قوله في هذه المعمعة الكلامية المستجدة حول (اللغة المحكية) يتلخص في ثلاث نقاط: ‏

1- لماذا قاموس المحكية؟ ‏

2- ما اللغة المحكية، وماطبيعة بنيتها؟.. ‏

3- هل النقاش حولها هو نقاش إيديولوجي يخرج عن نطاق البحث العلمي؟.. ‏

أولاً: لماذا قاموس المحكية؟: ‏

ماأريد قوله للسيد (كلود سلامة) الذي يسعى لنشر (قاموس المحكية) هو: لقد سبق ونشر خلال النصف الثاني من القرن العشرين العديد من قواميس اللغة المحكية واللغة العامية، وقد رأيت منها عدداً لابأس به في ثمانينيات القرن الماضي في معهد الدراسات الشرقية في (جامعة درهم) في بريطانيا وفي كلية الدراسات الشرقية في جامعة (يل) في أمريكا. وقد استوقفني منها بالتحديد معجم اللغة العامية لأهل مدينة دمشق، ومعجم اللغة العامية لفلسطين، ومعجم الألفاظ العامية في لبنان لأنيس فريحة. كذلك رأيت معاجم خاصة لعامية أهل العراق وأهل الخليج العربي. ‏

مطبات معاجم العامية ‏

كما صدر في سورية حديثاً معجم ضخم يتألف من أربعة أجزاء بعنوان: (موسوعة العامية السورية). قام بصنعها (ياسين عبد الرحيم)، وهي من منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، صدرت في دمشق عام 2003. لكن معظم ماأورده من الكلمات واعتبره من (العامية) هو – في الحقيقة- تصحيف أو تحريف أو تسهيل في النطق للفظة عربية فصيحة وموجودة في المعجم العربي. فإذا استعرضنا بعض الكلمات من بداية الألف على أنه مثال، نجده يعتبر الألفاظ التالية عامية: (النهار، الآخرة، أبرص، أبيضاني، احمراني، أخصام، أخصائي، الأدام، الإزار، استعجل، استفحص، اعترف، اعتمد، إعدام إلخ) وبذلك تكدس لديه اثنا عشر ألف كلمة (12000). ‏

كذلك صدر في العام نفسه معجم باسم: (معجم الكلمات الوافدة إلى اللغة العامية)، قام بتصنيفه (عماد الدين حلوم)، وهو من منشورات (دار عماد) في اللاذقية عام 2003، لكن عند استعراض كلمات هذا المعجم نرى أنه يقع في المطب نفسه الذي وقع فيه سلفه، فهو يعتبر كلمات كثيرة أنها دخيلة على العامية، ويذكر اللغة التي وفدت منها، بينما هي عربية أصيلة. فإذا أخذنا بدايات المعجم مثالاً نراه يعتبر كلمة (الآسي) بمعنى (الطبيب) دخيلة من اللغة السومرية، وكلمة (الآصر) بمعنى (العهد) من النبطية، وكلمتي (إوزة) و(باز) الطائر المعروف من الفارسية و(بتول) من الآرامية، و(البركة) بمعنى حوض الماء من السريانية و(البستان) من الفارسية و(التاريخ) من العبرية، و(التبن) من الآرامية و(تلميذ) من السريانية إلى آخر ما هنالك. ‏

والحقيقة أن جميع هذه الكلمات عربية أصيلة وفصيحة ومنصوص عليها في المعاجم العربية القديمة مثل: تاج العروس ولسان العرب. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية نراه يضع في معجمه كلمات مجهولة المعنى ولاندري كيف أقحمها في اللغة العامية المحكية مثل: (الإبريهيد- أوجودان- ارمغان- اسكمبيل- أفنس- اكنحي) وهذا منه كثير. ‏

مصطلحات علمية عالية المستوى ‏

لكن الغريب أن يضع في المعجم كلمات يعتبر أن العامة تتكلم بها، وهي –في حقيقتها- مصطلحات علمية عالية المستوى لاتستعمل إلا في الندوات العلمية والمجامع الأكاديمية المتخصصة. فإذا ذهبت إلى (سوق الهال) أو (سوق الجمعة) مثلاً، هل يمكن أن تسمع هناك ألفاظاً تدور على ألسنة الناس مثل (اتموسفير) بمعنى (الجو) و(اثيمولوجيا) علم أصل الكلمات و(الأرمثيولوجيا) علم العمارة، و(استرولوجيا واسترونوميا) بمعنى علمي التنجيم والفلك و(الاستيتيكا) علم الجمال و(الإمبريولوجيا) علم الأجنة، و(الانتروبوغرافيا) علم الإنسان الوصفي. ‏

وإذا اعتبرنا أن هذا الكم مقتبس من بدايات (حرف الألف) في المعجم، فيمكن لنا أن نتصور كيف تضمن هذا المعجم قرابة أكثر من (2000) كلمة اعتبرها (عامية) ‏

جهد ضائع ‏

أنا لاأريد في هذه المقالة الصحفية أن استمر في النقد، لكنني اتخذت هذين المعجمين مثالاً ينطبق على جميع المعاجم العامية، مثالاً ينسجم مع ماأريد إثباته. ‏

وجميع هذه المعاجم موجودة في (المكتبة البريطانية) ومكتبة (الكونغرس الأمريكية). ويمكن الرجوع إلى فهارس هذه المكتبات التي تحتوي على كل مايطبع في العالم وبلغاته الأصلية عبر الانترنت. لذلك أبلغ تحياتي للسيد (كلود سلامة) وأقول: إن العمل على تأليف معجم خاص باللغة المحكية هو جهد ضائع، وقد سبقك إليه كثيرون، وإن النتائج التي توصل إليها من عمل قبلك من المستشرقين بالرغم ما يحملونه من إمكانات مادية هائلة كانت محبطة ومخيبة جداً لآمالهم ما جعلهم يتوقفون عن العمل في هذا الاتجاه، ولم تعد تصدر أي معاجم للغة المحكية أو العامية في أي بلد غربي. ‏

مابين الأصيلة والدخيلة ‏

ثانياً: ما اللغة المحكية وماطبيعة بنيتها؟ ‏

عمل المستشرقون على دراسة اللغة المحكية لمنطقة بلاد الشام، فجمعوا في البداية مفردات هذه اللغة المحكية، لكنهم سرعان ماتوصلوا إلى نتيجة صاعقة، وهي أن 85% من مفردات اللغة المحكية في بلاد الشام هي عربية أصيلة وموجودة في المعاجم العربية القديمة، وخاصة في معجمي (تاج العروس) و(لسان العرب) إلخ.. وإن الخمس عشرة بالمئة الباقية هي ألفاظ دخيلة انتقلت في كل منطقة إلى العامية من الشعوب التي مرت عليها، فمثلاً في الساحل السوري (حيث مملكة أوغاريت القديمة) نجد في اللغة العامية طبقة من مفردات اللغة الأوغاريتية ترسبت في اللغة المحكية هناك، بينما في الساحل اللبناني نجد طبقة من اللغة الفينيقية. أما في منطقة دمشق فنجد طبقة من المفردات الآرامية ترسبت في اللغة المحكية هناك حين أنشأ الآراميون ممالك هامة، وما زالت هذه اللغة محكية في ضواحي دمشق في قرى جبعدين ونجعا ومعلولا، تأتي بعد ذلك طبقة من الألفاظ اليونانية، ترسبت اللغة المحكية في بلاد الشام بعد أن غزا الإغريق ومن بعدهم الرومان سورية لكن اليونانية بقيت لغة المستعمر، بينما كان الشعب في سورية يتكلم السريانية وقد انتقل إلى اللغة المحكية في تلك الفترة الكثير من الكلمات السريانية لكن عندما فتح العرب سورية انتشرت اللغة العربية الفصحى، وأصبحت منذ ذلك التاريخ اللغة الرسمية واللغة الشعبية التي يتكلم بها السكان وعندما أتى الأتراك بقيت اللغة التي يتكلم بها الناس العربية، لكن تساقطت فيها في تلك الفترة طبقة من المفردات التركية وقليل من الفارسية، وعندما أتى الاستعمار الأوروبي (الانكليزي- الفرنسي) كانت اللغة العربية قد تجذرت بعمق في وجدان الناس وحريتهم خاصة وأنها لغة القرآن الكريم والصلوات والدعاء الخ.. لذلك نكاد لا نرى أثراً لهاتين اللغتين في اللغة العامية السورية تقريباً، أما ما دخل لاحقاً من أسماء مخترعات حديثة مثل الراديو والتلفزيون والتلفون والسندويش والشوكولا والبسكويت الخ.. فلا علاقة للعامية بها فهي اصطلاحات موجودة في كل لغات العالم. ‏

إحصاء دقيق ‏

في ضوء ما تقدم يمكن القول: إن جميع الطبقات اللغوية غير العربية التي تتالت على سورية وتركت كثيراً أو قليلاً من كلماتها في اللغة المحكية، كل حسب المدة الزمنية التي بقيت فيها كل لغة حسب قبول المزاج الشعبي لها، نقول: إن جميع هذه الكلمات قد تم إحصاؤها ودراستها بدقة، وربط كل واحدة بلغتها الأصلية التي ترسبت منها من قبل علماء اللغات وهي مطبوعة وموجودة ولكن ليس عندنا –للأسف- وإنما في جامعات أوروبا وبالمقابل قام علماء اللغات بالعمل نفسه بالنسبة للكلمات التي تساقطت من اللغة العربية الفصحى في اللغة المحكية، لذلك فإن القول: إن خمساً وثمانين بالمئة من الكلمات التي تدور على لسان العامة هي عربية فصيحة ليس قولاً اعتباطياً، لكن قام اللسان العامي (بتدوير صوتي لتليين زوايا هذه الألفاظ) وذلك بتسهيل استعمالها وسرعة نطقها. ‏

اللسان العامي والمقاطع الصوتية ‏

لقد رأى اللسان العامي أن وجود الحركة في أول وفي آخر الكلمة العربية يزيد مقطعين صوتيين وبالتالي يطيل زمن خروج اللفظة من الفم، وهذا لا يتناسب مع سرعة الحركة في الشارع والسوق خاصة في أثناء البيع والشراء وغيره، فقاموا بحذف الحركة من أول الأسماء ومن آخرها فقالوا: (كْتاب) بدل (كِتاب) و (حْصانْ) أو (حِصان) أو (حْمارْ) بدل (حِمار) الخ.. بتسكين الحرف الأول والحرف الأخير ولذلك حذفوا مقطعين صوتيين دون أن يتأثر معنى الكلمة كذلك قالوا في أفعال الأمر (كتوب) بدل (اكتب) و(ضروب) بدل (اضرب) (شراب) بدل (اشرب) الخ.. أي بحذف المقطع الأول (همزة الأمر) واستبدل بها حرفاً ساكناً. ‏

ومن هذا القبيل دمجوا الفتحة قبل الواو وحولوا المقطعين الصوتيين إلى مقطع واحد طويل فقالوا: (يُوم) بدل (يَوم) و(قُوم) بدل (قَوم) و (صُوت) بدل (صَوت) كذلك فعلوا مع الياء المفتوح ما قبلها فقالوا: (طِير) بدل (طَير) و(بِيت) بدل (بَيت) و (ليلْ) بدل (لَيلٌ) الخ.. ‏

أما في حالة الأفعال التي تحدد الحركة الأخيرة معناها فقد حذفوا هذه الحركة واستعاضوا عنها بتنقل النبر داخل الكلمة ففي حالة الفعل (سمعت) مثلاً قالوا (سْمِعتْ) بدل (أنا سَمِعْتُ) و(سِمعِتْ) بنبر الميم بدل (سَمِعَتْ) وهكذا، إضافة إلى تسهيل لفظ بعض الحروف الصعبة المخرج كالتاء والذال الخ.. ‏

باستبدالها بأقرب الحروف لها فقالوا: توم بدل ثوم ودنب بدل ذنب الخ.. ‏

منحوتات و إدغامات ‏

كذلك نراهم في الأعداد المركبة يقومون بعملية نحت، فيحولون ثلاثة عشر إلى تْلَتَّعْشرْ) و سبعة عشر إلى سَبعتعشر الخ.. ‏

وعملية هذه المنحوتات أو الإدغامات التي قام بها اللسان العامي في أثناء الكلام هي نوع من الموسيقا الصوتية جنح إليها معظم اللغات المحكية في العالم. ‏

كنت أجلس مع زميلة لي في أحد المقاهي في لندن، فتقدمت النادلة وسألتني بالإنكليزية (كوفي- أور- تيلا) فقلت لمضيفتي: أعرف أن كوفي تعني القهوة لكن هل أصبح عندكم شراب جديد اسمه تيلا، فأجابتني: إن عبارة (كوفي- أورتيلا) هي إدغام أو نحت لفظي قام به اللسان العامي لعبارة أطول هي (كوفي أور. تي. يولايك) أي القهوة أو الشاي تحب (coffe or Tea you like) وهذه أمثلة تعطي فكرة عما أريد قوله وهي ليست حصرية لأن هذا المقال لا يتمتع بالصفة الاختصاصية لأنه لم يكتب لينشر في مجلة علمية متخصصة تفرد لكاتبها ما يريد من عدد الصفحات. ‏

اللغة المحكية كعامل ‏

تمهيدي قبل التعريب ‏

أما القول: إن اللغة المحكية تتطور وتتغير، فهذا غير صحيح بل الصحيح أن اللغة المحكية لديها القدرة على استيعاب المصطلحات العلمية وأسماء المخترعات الجديدة التي تتدفق عليها كالسيل مثل الكمبيوتر والإنترنت الخ.. بينما تكون العربية الفصحى (مازالت) تفكر في ترجمة هذه المصطلحات أو تعريبها وخلال هذه الفترة يكون المصطلح قد انتشر بين الناس وانغرس في لسان العامة وأصبح جزءاً من تفكيرهم وسرعة بديهتهم في التعبير لكنها تظل كلمات دخيلة معروفة الأصل كما في كل لغات العالم. ‏

قماشة اللغة المحكية.. ‏

عربية فصيحة ‏

مما سبق يمكن القول: إن قماشة اللغة المحكية هي عربية فصيحة بمجملها لكن العامة نحتت ألفاظها وعملت فيها إعلالاً وإبدالاً لسهولة استعمالها وسرعته أي حذفت بعض المقاطع الصوتية ودمجت بين مقاطع أخرى من دون المساس بمعانيها وبذلك تكون تسميتها لغة محكية باعتبارها لغة قائمة بذاتها لها كيانها المستقل ونحوها وصرفها وكلماتها تسمية غير دقيقة المحتوى، وعلى الذين يعملون في هذا الحقل البحث عن تسمية أخرى لها وهذا يقودنا إلى المحور الثالث ‏

ثالثاً: هل النقاش حول اللغة المحكية نقاش علمي أو ايديولوجي: ‏

إن أول من افتتح النقاش حول قضية اللغة المحكية أو اللغة العامية وتوثيقها وتأليف القواميس للحفاظ عليها هم المستشرقون الأجانب، كما أشار السيد محمود مفلح البكر في مقالة في جريدة تشرين 9 كانون الثاني 2011 تحت عنوان فرعي «بدايات اهتمام العرب بالتراث الشعبي» لكن فات السيد البكر أن يكتشف أن طرح المستشرقين لا يخلو من البراءة ربما لأنه لم يرجع إلى التاريخ أو بالتحديد إلى الفترة وإلى الظرف الذي انطلقت فيه هذه الدعوات لتوثيق اللغة المحكية وصنع القواميس لها في العالم العربي. ‏

أصابع الاستعمار ‏

في 6 أيار عام 1916 جرى توقيع اتفاقية سايكس بيكو السرية بين الانكليز والفرنسيين التي تنص على تقسيم العالم العربي بينهما فقسمت سورية إلى خمس دويلات لكل منها وزارة مستقلة وأصبح مطلوباً من كل مواطن أن يمنح إخلاصه للقطعة الصغيرة التي حددها له الاحتلال الأوروبي وسماها (دولة) وأخذ يزرع في نفوس الناس بأسلوب علمي منظم قداسة التاريخ القديم السابق على التاريخ العربي، واتخاذه أساساً لتدعيم التجزئة الجديدة للعالم العربي ولتكريس قداسة هذه الأوطان المستحدثة في نفوس الشباب، فارتفعت صيحات في البلاد العربية تدعو إلى إحياء التاريخ (الفينيقي في لبنان) و(الآشوري في العراق) و(الفرعوني في مصر) الخ.. وكانت أصابع الاستعمار واضحة في تدبيرها وإذكائها بعد أن هاله بروز فكرة الدولة العربية الواحدة بعد الثورة العربية الكبرى في عام 1916 بهذا الشكل وما ستسببه من مشاكل خاصة بعد تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو. ‏

وشغلت الصحف بالكلام عن الكشوف الأثرية الجديدة، وما تدل عليه من حضارات الحثيين والبابليين والآشوريين والفينيقيين والآراميين والفراعنة الخ.. وكانت أصابع الاستعمار واضحة في كل هذه الجهود وملأت أبصار قارئي الصحف وأسماع مشاهدي الندوات الدعائية لها. ‏

أمثلة من الصحف ‏

ويمكن مراجعة بعض الأمثلة لاشتغال الصحف بمثل هذه البحوث في مجلات المقتطف والهلال بالرجوع على سبيل المثال إلى مجلة المقتطف في أعداد آب 1920 هناك مقال بعنوان ماضي سورية ومستقبلها (ص124-127)، ومقال (سكان سورية الساميون) (128-136) وسلسلة مقالات عن الحثيين (لجبر ضومط) تبدأ من عدد كانون الثاني 1928 وسلسلة مقالات عن الصناعات في سورية ولبنان تبدأ من مارس 1922 ص 260-267، ومقال بعنوان «خرائب بيسان» عدد نيسان 1922 ومن أكثر البحوث اصطباغاً بالنعرة الفينيقية مقال لوليم كاتسفليس بعنوان روح الشرق في نهضة الغرب عدد حزيران 1925ص 27-33 وراجع كذلك انموذجاً لما كان يقال في تدعيم الوطنية اللبنانية في محاضرة (لسعيد شقير) ألقاها في الاحتفال السنوي في الجامعة الأمريكية في بيروت سنة 1925، وهي منشورة في مجلة المقتطف في عددي تموز وآب سنة 1925... ‏

نزعة فرعونية ‏

أما في مصر فقد بدا أن المستعمر يقود نزعة فرعونية وغزوا ثقافياً منظماً ومدروساً فاتخذ النحات محمود مختار رأس أبي الهول شعاراً لنهضة مصر واتخذت كل كلية من كليات الجامعة المصرية شعاراً لها من معبودات الفراعنة وكذلك نقل رفات سعد زغلول بعد وفاته بثلاث سنوات إلى ضريح بني على طراز فرعوني. ‏

وقد تزعم محمد حسين هيكل هذا الاتجاه في جريدة السياسية الأسبوعية التي كان يرأس تحريرها فجاء في مقال له على سبيل المثال عدد 27 تشرين الثاني: ‏

إن ما يتوهمه بعض الناس من تغير اللغة في مصر من الهيروغليفية إلى العربية قد قطع ما بين مصر الحديثة ومصر القديمة من صلات ليس إلا وهماً من الأوهام، وإن الحقيقة العميقة هي أن هذه الصلة قائمة لا شك فيها بيننا وبين أجدادنا الفراعنة إلى أن يقول: فمن حق المصريين ومن الواجب عليهم أن يستشيروا دفائن الفراعنة جميعاً وأن يربطوا حاضرهم وماضيهم رباطاً ظاهراً لكل عين... وأخذ الشعر في تلك الفترة يغذي هذا الاتجاه ويدعو له فكتب أحمد شوقي أربع مطولات تطل منها النزعة الفرعونية حتى إن القارئ يحس بأنه لم يعد لمصر من تاريخ غير تاريخ الفراعنة، ولم يبق لها من أمجاد إلا أمجادهم بل لم يعد لشوقي من أجداد إلا توت عنخ أمون وبقية فراعنة مصر وكان مطلع القصيدة الأولى: ‏

ففي يا أخت يوشع خبرينا أحاديث القرون الغابرينا ‏

وقد نشرتها جريدة الأهرام في عدد 3 كانون الثاني 1923 كذلك نشرت القصائد الثلاث الباقية وغيرها في الأعداد (15 نيسان 1923 و 15 آذار 1924 و 1925 حتى إن شوقي وقف أمام روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية عندما زار مصر ليقول له ولمن معه أن يخفضوا الطرف ويخلعوا النعل ويقفوا خاشعين أمام آية الدهر: ‏

أيها المنتحي بأسوان داراً ‏

كالثريا تريد أن تنقضا ‏

اخلع النعل واخفض الطرف ‏

لا تحاول من آية الدهر غضا ‏

إلى أن يقول: إن الفراعنة هم الذين مهدوا السبيل للأديان التي أتت بعدهم ‏

أين الفراعنة الألى استذرى بهم ‏

عيسى ويوسف والكليم المصعق ‏

والموردون الناس منهل حكمة ‏

أفضى إليه الأنبياء ليستقوا ‏

نبش اللغة المحكية ‏

في هذه الفترة نبشوا اللغة المحكية وحاولوا تدعيمها بشتى الطرق وتسليط الضوء عليها وكان الهدف من كل ذلك أن يكون لكل بلد صنعته معاهدة سايكس بيكو تاريخه الخاص ولغته المحكية الخاصة به للوصول إلى الهدف الذي كان يسعى المستعمر له وهو ضرب كل انتماء عربي، لذلك جهد المستشرقون أن يقنعوا الناس، ومنهم من اقتنع وصدّق ربما لأنه لم يقرأ التاريخ، أن اللغة المحكية هي جزء من التراث الشعبي الذي شكل في المراحل المظلمة درعاً لحماية الأمة والحفاظ على وحدتها الخ ولا ندري كيف؟! ‏

جهل بالتاريخ ‏

أنا لا أقول إن هذا هو هدف القائمين على الدرا



ليست هناك تعليقات: