.

2014/12/29

اللهجات في البحرين: الأصالة في الأفعال الرباعية

« مبادئ تحقيق الألفاظ العاميةا للهجات في البحرين: المخالفة التي لا تشمل عملية الإقلاب »
اللهجات في البحرين: الأصالة في الأفعال الرباعية
الوسط – حسين محمد حسين

اختلف اللغويون حول قضية تأصيل الفعل الرباعي في اللغة العربية فقد ذهب البصريون إلى أن أصل الكلمة العربية متعدد؛ فأقروا أصالة كل من الثلاثي، والرباعي من الأفعال والأسماء، والخماسي من الأسماء؛ وبذلك يصبح مفهوم الفعل الرباعي المجرد,
عندهم, كل فعل كانت أحرفه الأربعة أصلية, والحرف الأصلي هو الحرف الذي يلازم الكلمة في مختلف التصاريف مثل دحرج, وجعلوا له بناء واحداً وهو(فعلل). أما الكوفيون فقد ذهبوا إلى أن كل اسم زادت حروفه على ثلاثة أحرف ففيه, وقد أختلفوا على زنته (حمد 2011).

طور ابن فارس (المتوفي العام 1004م) في معجمه “مقاييس اللغة” نظرية حول أصول الألفاظ التي تزيد عن ثلاثة أحرف مفادها أن تلك الألفاظ أما أن تكون منحوتة من أكثر من لفظ أو أنها مشتقة من أصل ثلاثي بواسطة إضافة حروف معينة (الخماش 2010, ص 18). وقد أثبتت الدراسات التي أجريت على الأفعال الرباعية في اللهجات العامية المعاصرة أن العديد من هذه الأفعال لا توجد في معاجم اللغة بصورتها الرباعية المتعارف عليها عند العامة بل توجد بصورة فعل ثلاثي؛ مما يدل أن عدداً من الأفعال الثلاثية التي وردت في معاجم اللغة تطورت صورتها عند العامة لتصبح رباعية. ومن أقدم تلك الدراسات التي وضعت قواعد لطرق اشتقاق الأفعال الرباعية في اللهجات العامية هو بحث “أنيس فريحة” الذي نشره في مجلة المقتطف في العام 1937م, وذلك أثناء عمله على معجم الألفاظ العامية اللبنانية, وقد انتهى فريحة لصياغة قواعد معينة مفادها إن هذه الأفعال التي لم تذكر في المعاجم العربية هي أفعال مشتقة إما من أفعال أو أسماء غير عربية أو من أفعال ثلاثية. وقد أوضح فريحة أن الفعل الرباعي يشتق من الفعل الثلاثي بإحدى طريقتين إما عن طريق التضعيف أو بإضافة إحدى الحروف التالية للفعل الثلاثي: ب, ت, ح, د, ر, س, ش, ط, ع, ق, ل, م, ن, ھ, و, ي. وتكون هذه الزيادة في بداية الفعل الثلاثي (سابقة) أو وسطه (وسطيه) أو في آخره (لاحقة) (فريحة 1937). وبذلك أوجد فريحة عدد من الأوزان المختلفة التي تصاغ عليها الأفعال الرباعية في اللهجات العامية.

وقد أقتبس الباحثون اللاحقون فكرة الاشتقاق تلك عن فريحة, من مثل رفائيل نخلة اليسوعي في العام 1958م, ومراد كامل في العام 1962م, وكذلك إبراهيم السامرائي في العام 1983م وذلك في كتابه “الفعل زمانه وأبنيته”, وقد طبق تلك القواعد على الأفعال الرباعية في اللهجة العراقية. وكل باحث من أولئك يعدل ويضيف طرق جديدة, إلا أن الفكرة الأساسية واحدة. وفي عام 2010م نشر سالم الخماش كتابه “أصول جذور الأفعال الرباعية في لسان العرب”, ويتضح من كتابه أن طرق اشتقاق العرب للأفعال الرباعية هي ذاتها الموجودة عند العامة.

الأفعال الرباعية في اللهجات في البحرين

          رصد Clive Holes أثناء دراسته للهجات في البحرين عدد كبير من الأفعال الرباعية والتي وثقها في معجم عن الألفاظ العامية في شرق الجزيرة العربية والذي نشره في العام 2001م وهو المجلد الأول من موسوعته Dialect, Culture and Society in Eastern Arabia. وفي العام 2004م نشر بحثاً مفصلاً حول طرق اشتقاق الأفعال الرباعية في شرق الجزيرة العربية, وكانت غالبية تلك الأفعال التي درسها هي أفعال خاصة باللهجة البحرانية. وقد وضع Holes طرق معينة لاشتقاق الأفعال الرباعية في شرق الجزيرة العربية, وقد قمت بتحوير طرق الاشتقاق تلك وإضافة طرق أخرى إليها وذلك بحسب الطرق التي وردت عند فريحة والسامرائي.

طرق تطور الأفعال الرباعية في اللهجات في البحرين

 يمكن تصنيف طرق التطور الصوتي للأفعال الرباعية في اللهجات في البحرين (وبالخصوص اللهجة البحرانية) تحت عنوانين رئيسيين: التطور الصوتي البسيط الذي يشمل عمليتي الإقلاب والإبدال, والمخالفة التي تشمل عدة عمليات منها الإقلاب وفك تضعيف وتكرار الحروف, وإضافة حروف.

التطور الصوتي البسيط

           وسوف نتناول في هذا الفصل عمليتي القلب المكاني والإبدال التي ربما تكون تطور تركيبي أو تطور إتفاقي.

1 – قلب الهمزة عين

          تقول العامة في البحرين “طَعطَع” بمعنى انحنى وانثنى, والشيء يتطعطع أي يتثنى, وأصل الفعل طأطأ بالهمزة. وقلب الهمزة عين ظاهرة صوتية معروفة في اللهجات العربية القديمة وتعرف بالعنعنة وقد اشتهرت بها قبيلة تميم وأسد وقيس عيلان (خلف 2007, ص 74).

2 – قلب الدال شين

تقول العامة في البحرين, وبالخصوص اللهجة البحرانية, “فلان شِخدِب” أي سمين أو غليض ومنها الفعل شَخدَب أي سَمُن وغَلُض, وأصل الللفظ في الفصحى “دخدب” بالدال؛ جاء في معجم لسان العرب مادة (دخدب): “جارِيةٌ دِخْدِبَة ودَخْدَبَة بكسر الدَّالين وفتحهما مُكْتَنِزَة”. ولم يذكر فيما أعلم إبدال الدال شين في كتب اللغة المتقدمة منها أو المتأخرة. والدليل على ان أصل الكلمة بحرف الدال أي “دخدب” هو أن العامة في البحرين تحرف هذا اللفظ بصورة أخرى فتقول “دخدخ” بمعنى سمن و”مدخدخ” أي سمين, وهذا نوع آخر من تطور الأفعال الرباعية يندرج تحت قانون التضعيف وسوف نتناوله في الفصل القادم.

3 – قلب القاف طاء

          تقول العامة في البحرين خربط الشيء ولخبط الشيء بمعنى أفسد نظامه, ويرجح أحمد رضا في كتابه “رد العامي إلى الفصيح” أن اصل هذا اللفظ من الفصحى “خربق” فقلبت القاف طاء؛ والقاف والطاء يتعاقبان في الفصيح مثل أحاط به العذاب وحاق به, ويقال أيضاً خلبط بقلب الراء لام ولخبط بالإبدال والقلب المكاني (رضا 1981, ص 150). وفي اللهجة البحرانية لازال يستعمل الفعل خربق بمعنى أفسد نظام الشيء ومنه يقال “فلان خربوگ” بمعنى الغبي والغير منظم أو الذي يفسد الأمور بغبائه.

4 – القلب المكاني

          هناك عدد من الأفعال الرباعية التي تطورت بالقلب المكاني إلا أن التطور حدث منذ القدم وتم توثيقه في المعاجم, من مثل لفظة بحلق وقد ذكرت هذه اللفظة في تاج العروس وقيل هي لفظة عامية, والبعض يرجع أصلها إلى حملق وقد تطورت بالإبدال والقلب المكاني. كذلك تقول العامة في البحرين “درعم الرجل” أي دخل بسرعة وبدون استئذان, وفي الفصحى يقال درعم ودعرم (بالقلب المكاني), والدِّرْعِمُة والدَّعْرَمَة هي “قصر الخَطُوِ وهو في ذلك عَجِلٌ” (معجم لسان العرب المواد درعم ودرمع).

قانون المخالفة

          المخالفة (أو التخالف) هي أحد قوانين التطور الصوتي وهي خاصة بعملية التخلص من الحروف المضعفة في الكلمة بغرض التخلص من الثقل أو التكلف في النطق, وتتم هذه العملية عن طريق حذف أحد الحروف المضعفة أو استبداله أو تكرار حروف معينة من الكلمة (العبيدي 2007, ص 169 – 170). وفي اللهجة البحرانية أمكننا تحديد خمس طرق مختلفة من المخالفة, وقد أدت هذه الطرق, في الغالب, لإنتاج كلمات ذات جذر رباعي بينما كانت في الأصل, بحسب ورودها في المعاجم العربية, ذات جذر ثلاثي. ولهذه الطرق عدة مسميات في كتب اللغة فمنهم من يجمعها تحت مسمى المخالفة ومنهم من يجمعها تحت عنوان فك التضعيف, ومنهم من يخص أنواع منها باسم “التكرار” وأخرى بمسمى فك التضعيف, وسنعتمد في تقسيمنا لأنواع المخالفة التي وثقت في اللهجات في البحرين على كتاب “لحن العامة” لعبد العزيز مطر وكتاب “معجم الصوتيات” لرشيد العبيدي وكتاب “التطور النحوي” لبرجشتراسر. وبحسب هذا التقسيم يمكننا أن نقسم الطرق الخمس للمخالفة في اللهجات في البحرين إلى ثلاث مجموعات كما هي موضحة في الجدول المرفق.

نوع المخالفة

مثال

أولاً: مخالفة لا تشمل عملية الإقلاب

1 – التكرار البسيط

أ – تحويل الصيغة فعَّ إلى فعفع

طَمطَم: من طَمَّ

ب – تحويل فعَّل إلى فعفل

حَلحَس: من حلس

2 – التكرار مع الحذف

أ – تكرار الحروف الصحيحة

بَچبَچ: من بكى

ب – تكرار حرفين لخاصيتها التعبيرية

چنچن: من دكن

ثانياً: مخالفة منفصلة

1 – التكرار مع الإقلاب

ساسر: من أسرّ

2 – تحويل الصيغة أفّعل أو أفعلعل إلى فوعل أو أفعوعل

خوضر: من أخضر

ثالثاً: مخالفة متصلة

إضافة الحروف (ا, ب, ج, د, ر, ع, ل, م, ن, و, ي) للفعل الثلاثي أو الثلاثي المضعف


صرقع: صقع

ليست هناك تعليقات: