.

2015/01/04

اللغة المندائية




  
 ـ   الصابئة المندائيون تاريخاً ولغة
  
- اللغــــة الـمنـدائيــّة تاريخها وحاضرها       د. قيس مغشغش السعدي
·     الكتابة المندائية ونصوصها
·     من جماليات الخط المندائي
الصابئة المندائيون تاريخاً ولغة
 الصابئة المندائيون، من الطوائف العراقية الاصيلة، وهم يقطنون منذ القدم في أهوار جنوب العراق وكذلك الاحواز التي تعتبر إمتداداً طبيعياً جغرافياً وسكانيا وتاريخياً لجنوب العراق، رغم تبعيتها الآن الى ايران. لقد ورد ذكر الصابئة في القرآن الكريم في ثلاث سور، هي (البقرة، المائدة، سورة الحج
.
تعتبر المندائية، من العقائد الروحانية العرفانية الخالصة. فأن تسميتهم نفسها (مندائي) تحمل هذا المعنى، حيث اشتقت الكلمة من (مندا، أومندع) وجذرها باللغة الآرامية ـ السريانية (دعي) وتعني (علم، معرفة)(1)، وكذلك بالعربي (دعا) منها (دعوة وداعية ودعاية) وتعني النشر والتعليم. أما كلمة الصابئة فهي مشتقة من الجذر (صبا) والذي يعني باللغة المندائية: اصطبغ، تعمد، غط أو غطس في الماء، وهي من أهم شعائرهم الدينية. بذلك يكون معنى (الصابئة المندائيين : المتعمدين العرفانيين)!

ما هي العرفانية ـ الغنوصية؟
لكي نفهم (المندائية) عقيدة وتاريخاً، علينا أن نفهم (العرفانية ـ الغنوصية) عقيدة وتاريخاً(2).
ان (العرفانية) بكل بساطة، هي العقيدة التي شكلت أساس الاديان (السماوية التوحيدية). فهي تعني : (الايمان بوحدانية الوجود، والتسليم بإله الخير والمحبة في ملكوت السماء والنور. واعتبار الحياة الدنيا والبدن المادي ملكوت الظلام والشيطان. وان الخلاص يكمن في الزهد والتقشف وكبح غرائز البدن من اجل التطهر والارتقاء بالنفس الى ملكوت النور(3).
بسبب تبعيتنا للتفسير الغربي (الاستشراقي) لتاريخنا، فقد تم في العصر الحديث عكس أصل (العرفانية)، بحيث اعتبرت التسمية اليونانية (الغنوصية ـ GNOSE) هي الاصل، بينما الحقيقة ان التسمية الآرامية العراقية ـ الشامية (دعيو ـ عرفان)، هي الاصل، واليونان هم الذين ترجموها، كما ترجموا فيما بعد تسمية (المسيحية). أن المذهب العرفاني وليد الشرق العراقي الشامي المصري. وأكبر دليل على مشرقية العرفانية، إن جميع المصادر التاريخية تتفق على انه في هذه البلدان (العراق والشام ومصر) ظهرت أولى أخبار العرفانية، وفيها نمت وتنوع واغتنت وانبثقت أديانها (المندائية والمانوية والمسيحية والاسلام) ومدارسها ومبدعيها وأنبيائها. وما المصادر اليونانية والايرانية والهندية إلاّ مكملة ومؤثرة مثل أنهار تصب في بحر عظيم. ففي القرون السابقة واللاحقة للميلاد، كان مذهب اليونان: المنطق، ومذهب الهند: الهندوسية،ومذهب ايران: الزرادشتية، وكلها صبَّت في مذهب (المشرق العراقي الشامي المصري): العرفانية(4) .
البعض يرجع جذور العرفانية الاولى الى (نبونيد) آخر ملوك بابل (556 -539 ق.م) الذي كان روحانياً زاهداً داعياً الى عبادة إله واحد هو (سين) إله القمر وأسرار الليل ورمز الانوثة والروحانيات. وهو الذي جعل من (حران) قبلة المؤمنين. وقد أمضى حياته معتكفاً مع أتباعه في البادية في (واحة التيماء) شمال السعودية حالياً(5).
إن العرفانية عقيدة انسانية روحانية حاولت أن تمزج بين العقائد والافكار الكبرى السائدة في العالم حينذاك. فبعد سقوط آخر دولة عراقية في القرن السادس قبل الميلاد على يد الفرس، واحتلال الشام ومصر من قبل الاغريق ثم الرومان، بدأ يتغلغل في الشرق الاوسط تياران دينيان جديدان: التيار الديني الآسيوي (الهندي ـ الزرادشتي) المتضمن (عقيدة وحدة الوجود وخلود الارواح الهندوسية، وثنائية الخير والشر الزرادشتية)، ثم التيار الفكري اليوناني (علم المنطق) عن طريق اليونان أنفسهم ثم الرومان. لقد امتزج هذان التياران الجديدان مع عقيدتي المنطقة الاصليتين: الديانة (العراقية ـ الشامية) القائمة على أساس تقديس الكواكب السبعة وانتظار المهدي المخلص (تموز) أو المسيح. ثم الديانة (المصرية) القائمة على أساس تقديس اله واحد هو(الشمس) والايمان بيوم الحساب والخلود الآخروي وبالجنة الموعودة). وكانت المحصلة النهائية لهذا المزيج، هو (التيار العرفاني ـ الغنوصي) الذي اعتبر أساس الديانات التوحيدية السماوية، وبالذات مذاهب الزهد الروحاني والرهبنة والتصوف.
تمثل هذا التيار العرفاني في عدة مذاهب وأديان، مثل (الافلاطونية الجديدة والهرمزية) في مصر التي كانت تميل أكثر الى المنطق الاغريقي. كذلك (الطوائف الروحانية المختلفة منها العيسانية) في فلسطين التي كان ينتمي اليها (يوحنا المعمدان) وهي التي هيأت لانبثاق المسيحية(6)، وربما لها علاقة مباشرة مع المندائية العراقية. علماً أن المسيحية تمثل ذروة العرفانية، حيث اعتبر السيد المسيح روح الله الذي أتى يخصب نفوس البشر (تموز المنقذ ـ العراقي) وينقذ أرواحهم الالهية (الحلولية الآسيوية) من سجن البدن ملكوت الشيطان (الثنائية الزرادشتية) الى خلود الآخرة حيث ملكوت السماء (الآخروية المصرية).
أما في العراق فقد ظهرت العرفانية من خلال (طائفة الصابئة) التي انبثقت منها فيما بعد (المانوية البابلية). أما بالنسبة لليهودية، فبعكس الاعتقاد السائد، فهي لم تكن في أساسها التوراتي ديانة سماوية توحيدية لأنها لم تكن عرفانية، بل اكتسبت العرفانية فيما بعد وخصوصاً مع مذهب(القبالة)(7). كذلك شكلت العرفانية أساس الاسلام لانه دين توحيدي سماوي، رغم الميل السائد في الاسلام الرسمي باعتبار (العرفانية) مذهب فلسفي زهدي متميز حمل مسميات عدة مثل (التصوف) و(الحلولية) و(الاشراقية) بالاضافة الى تسمية (العرفانية) السائدة في التشيع(8).
المندائية ديانة عرفانية (غنوصية)
من أبرز الجوانب العرفانية في المندائية، انها تؤمن بأن للانسان ثلاث مكونات: (الروح)، وهي نفحة نور الهي خالد تربط الانسان بملكوت السماء. ثم (النفس) وهي طاقة دنيوية تنشأ مع الانسان وفيها المشاعر والشهوات. ثم (البدن) وهو مقر الغرائز والحاجات والآثام. يكمن سر عذاب الانسان في معاناة روحه (نفحته الالهية) من سجن البدن وغرائزه ومغريات النفس وشهواتها. لهذا فان الخلاص يكمن في تحرير الروح النورانية من هذا البدن المظلم الفاني، عبر حياة الزهد والتقشف، حتى بلوغ الموت المحتم والخلاص الابدي.
ان كتاب (الكنزاربا) يتحدث عن عودة آدم إلى ملكوت النور: ((يا آدم.. أمرت أن أحرّرك من جسدك، وأخرجك من هذا العالم. أحرّرك من سجن البدن، من سلاسل الدم والعظام.. لأصعد بك إلى بيت أبيك، بيت النور والسلام.. حيث لا بُغض ولا ظلام)).
في الحياة الآخرى أي بعد التحرر من البدن، فأن (النفس) هي التي تتحمل وزر الآثام وتخضع للعقاب والثواب، فتمر عبر المطهرات، وهي مراحل تؤدي بالتدريج إلى عالم النور. أما الروح فبما انها نفحة نور الهي، فأنها تظل بريئة طاهرة نقية فترجع مباشرة إلى ملكوت النور.
وهم يعتقدون بـ (عالم الشبيه أو النظير)، أي عالم أمثل يشبه دنيانا ولكنه بلا مغريات ولا آثام . وان لكل انسان في هذه الدنيا نظير له في العالم الامثل. وتوزن الأرواح بعد الوفاة بميزان يسمى ميزان (أواثر) وهذا اسم أحد الملائكة، وهو الذي يزن الأرواح مقارنة بروح نبي الله (شيتل برآدم) أي شيت ابن آدم. وشيتل تعني النبتة الطيبة التي وهبها الله لآدم بعد أن قتل قابيل أخاه هابيل. فمن ثَقُلتْ روحه عن وزن شيتل كان عقابه بقدر هذه الزيادة، ولا ترتقي روح إلى روح شيتل إلاّ أرواح الأنبياء والأصفياء. وهذا يذكر بـ (نبتة الخلود) التي حاول (كلكامش) أن يمتلكها، لكن الخلود هنا يتحقق في الحياة ألاخرى.
أصل الصابئة
مشكلة المندائيين انهم مثل كل الجماعات العراقية، قد فرض عليهم هذا السؤال المفتعل :
من أين أتوا؟ وهذا السؤال لا يفرض بهذا الألحاح والحدة إلاّ على الجماعات العراقية. وكأن العيش لقرون وحتى آلاف الاعوام لا تكفي لكي تنتمي الجماعة للعراق، بل عليها دائماً أن تبحث عن موطنها السابق المفترض حتى لو كانت قد هجرته قبل مليون عام! فهذه مثلاً مشكلة (أصلالسومريين) المفتعلة.
ضمن هذا السياق، فإنه كان من الاجباري البحث عن (وطن أصلي) آخر غير العراق، وقد افترض الباحثون الى أن أصل الصابئة يعود الى احتمالين:
1- الصابئة الحرانية
نسبة الى مدينة (حران) الواقعة شمال بلاد النهرين، وقد أصبحت جزءاً من جنوب تركيا في القرن العشرين وتقع عند الحدود مع سوريا. وهذه المدينة معروفة تاريخياً بأنها مركز للثقافة السريانية المسيحية، وكذلك هي المدينة التي استوطنها النبي ابراهيم (ع) بعد هجرته من (اور) في طريقه الى (فلسطين). وقد عرفت حران في العصر العباسي بـ (الصابئة الحرانيين)، وحسب (ابن النديم) بأن هؤلاء الصابئة هم في الحقيقة (كلدانيون من عبدة النجوم البابلية)، وقد ادعّوا بأنهم (صابئة) أمام الخليفة (المأمون) لكي لا يقال عنهم بأنهم زنادقة(9). وقد دلَّت البحوث الحديثة عن وجود فوارق عديدة بين صابئة الجنوب العراقي وصابئة حران. لكن في كل الاحوال أن هؤلاء الحرانيين كانوا (عرفانيين) لهذا فأن ادعائهم بأنهم (صابئة) لم يكن اختياراً اعتباطياً بل لأنهم كانوا فعلاً يشتركون معهم بالايمان الروحاني العرفاني وتقديس الكواكب السبعة التي كان يقدسها العراقيون القدماء. وقد أشتهر صابئة حران بأنهم قدموا للحضارة العربية الاسلامية الكثير من الشخصيات المبدعة، مثل (الطبيب ثابت بن قرة) و(أبو إسحاق الصابي) و(البتاني) الذي سميَّ المرصد الفلكي العراقي باسمه، وغيرهم.
2- طوائف فلسطين الروحانية
هنالك من يعتقد بأن أصل الصابئة يعود الى الطائفة العرفانية العيسانية (الاسينيون) الفلسطينية، وإنهم هاجروا منها قبل الميلاد الى جنوب العراق بسبب الاضطهاد الذي لحقهم على أيدي المؤسسة اليهودية الرسمية ومن قبل الحكام الرومان. وقد رفض غالبية المؤرخين اعتبار هذه الطائفة من (اليهود) بل هم من الآراميين العرفانيين(10).
ان الخلاصة العقلانية التي يمكن بلوغها رغم كل هذه الفرضيات الخارجية، هي :
ان الصابئة المندائية، هم من أول الطوائف العرفانية العراقية، ولغتهم الاصلية ولغة كتبهم هي الآرامية الشرقية العراقية. وبما أن مذهبهم يميل الى الزهد والروحانية وتقديس التعميد بالماء، فأنهم اعتزلوا المدن ولجأوا الى الاهوار حيث السلام الروحي ووفرة المياه. وغالبية تقاليدهم وطقوسهم ورموزهم المقدسة، لها أصول عراقية قديمة.
بلاد النهرين
لقد اتفق الكثير من المؤرخين على إن معتقدات الصابئة المندائية برزت لأول مرة في جنوب العراق. ويعتقد ان هنالك مؤثرات واضحة من الديانة العراقية القديمة(11). وهنالك عدة مشتركات بين المندائية والعقيدة العراقية القديمة (السومرية الآشورية البابلية)، منها:
ـ التعميد والوضوء بالماء(12) وتقديسه / حمل الاشخاص أسم ديني خاص مختلف عن الاسم المعلن من اجل الحماية من الشر. / تقديس الشمس / وارتداء الثياب البيضاء، وأمور أخرى عديدة(13).    


كتبهم المقدسة

هذه بعض من الكتب الاساسية وهي جميعها مدونة باللغة الآرامية المندائية، وقد ترجم بعضها الى العربية :
·         الكتاب المقدس (كنزا ربـا) : ويعني الكنز العظيم ويعتقدون أنه يجمع صحف (آدم وشيت وسام) ويقع في 600 صفحة وهو بقسمين، أولهما يتضمن سفر التكوين وتعاليم (الحي العظيم) والصراع الدائر بين الخير والشر والنور والظلام وكذلك هبوط (النفس) في جسد آدم، كذلك تسبيحاً للخالق وأحكام فقهية ودينية. أما الثاني، فيتناول قضايا (النفس) وما يلحقها من عقاب وثواب.
          السيدرا : وهو كتاب عملي يعنى بالطقوس الدينية، ويشمل بعض المعلومات الزراعية (مواعيد الزراعة، ومواعيد المطر... الخ).
·        أسفر ملواشا : أي سفر الأرواح أو الأسماء الروحية حيث أن لكل صابئي أسم ديني بجانب أسمه المتعارف عليه مأخوذ من ساعة الولادة ويومها مضافاً إلى اسم الأم. وهو كتاب فلكي يعنى بمسيرة الفرد أو سفره خلال الحياة، ويعتقدون أنه علم مأخوذ عن النبي (إدريس)(ع).
كتاب النياني : وهو خاص بطقوس التعميد والوفاة.
القلستا : ويعنى بشؤون الزواج.
حران كويثا : أو حران السفلية ويشرح في كثير من فصوله هجرة الصابئة من فلسطين إلى تخوم العراق.
ادراشة يهيا : أي تعاليم يحيى، وهو محاضرات كان يلقيها يوحنا على تلاميذه.
·اتسرسر الف شياله : أي كتاب ألف واثنا عشر سؤالاً، ويحتوي على الاسئلة الفقهية الخاصة بالصابئة.
أركان الديانة(14)
ترتكز الديانة المندائية على خمسة أركان هي :
1- التوحيد (سهدوثا اد هيي) : وهي الاعتراف بالحي العظيم (هيي ربي) خالق الكون. حيث جاء في كتاب المندائيين المقدس كنزا ربا {لا أب لك ولا مولود كائن قبلك ولا أخ يقاسمك الملكوت ولا توأم يشاركك الملكوت ولا تمتزج ولا تتجزأ ولا انفصام في موطنك جميل وقوي العالم الذي تسكنه}.
2- التعميد أو الصباغة (مصبتا) : يعتبر من أهم أركان الديانة المندائية وهو فرض واجب ليكون الإنسان مندائياً ويهدف للخلاص والتوبة وغسل الذنوب والخطايا والتقرب من الله. ويجب أن يتم في المياه الجارية والحية لأنه يرمز للحياة والنور الرباني. وللإنسان حرية تكرار التعميد متى يشاء حيث يمارس في أيام الآحاد والمناسبات الدينية وعند الولادة والزواج أو عند تكريس رجل دين جديد. وقد حافظ طقس التعميد على أصوله القديمة حيث يعتقد بأنه هو نفسه الذي ناله عيسى بن مريم (المسيح) (ع) عند تعميده من قبل يحيى بن زكريا (يوحنا المعمدان).
3- الصلاة (براخا) : وهي فرض واجب على كل فرد مؤمن يؤدى ثلاث مرات يومياً ( صباحاً وظهراً وعصراً) وغايته التقرب من الله. حيث ورد في كتابهم المقدس {وأمرناكم أن اسمعوا صوت الرب في قيامكم وقعودكم وذهابكم ومجيئكم وفي ضجعتكم وراحتكم وفي جميع الأعمال التي تعملون}. يتجهون في صلاتهم نحو جهة الشمال لاعتقادهم بأن عالم الأنوار (الجنة) يقع في ذلك المكان المقدس من الكون الذي تعرج إليه النفوس في النهاية لتنعم بالخلود إلى جوار ربها، ويستدل على اتجاه الشمال بواسطة النجم القطبي. ويسبق الصلاة نوع من طقوس الاغتسال يدعى (الرشما) وهو مشابه للوضوء عند المسلمين حيث يتم غسل أعضاء الجسم الرئيسية في الماء الجاري ويرافق ذلك ترتيل بعض المقاطع الدينية الصغيرة. فمثلاً عند غسل الفم يتم ترتيل ( ليمتلئ فمي بالصلوات والتسبيحات) أوعند غسل الأذنين (أذناي تصغيان لأقوال الحي).
4- الصيام وله نوعان : الصيام الكبير (صوما ربا) وهو الامتناع عن كل الفواحش والمحرمات وكل ما يسيء إلى علاقة الإنسان بربه ويدوم طوال حياة الإنسان. حيث جاء في كتابهم {صوموا الصوم العظيم ولا تقطعوه إلى أن تغادر أجسادكم، صوماً كثيراً لا عن مأكل ومشرب هذه الدنيا .. صوموا صوم العقل والقلب والضمير}. ثم الصيام الصغير وهو الامتناع عن تناول لحوم الحيوانات وذبحها خلال أيام محددة من السنة تصل إلى 36 يوماً لاعتقادهم بأن أبواب الشر مفتوحة تكون عندها مفتوحة على مصراعيها فتقوى فيها الشياطين وقوى الشر لذلك يسمونها بـ (الأيام المبطلة).
5- الصدقة (زدقا) : ويشترط فيها السر وعدم الإعلان عنها لأن في ذلك إفساد لثوابها وهي من أخلاق المؤمن وواجباته تجاه أخيه الإنسان. حيث جاء في كتابهم {أعطوا الصدقات للفقراء واشبعوا الجائعين واسقوا الظمآن واكسوا العراة لأن من يعطي يستلم ومن يقرض يرجع له القرض} كما جاء أيضاً {إن وهبتم صدقة أيها المؤمنون، فلا تجاهروا إن وهبتم بيمينكم فلا تخبروا شمالكم، وإن وهبتم بشمالكم فلا تخبروا يمينكم كل من وهب صدقة وتحدث عنها كافر لا ثواب له}.
بعض معتقداتهم
مثل كل الاديان، فإن للمندائية معتقدات وطقوس خاصة بها، منها :
·        الايمان بعدد من الأنبياء وأن الله قد أوحى لهم بتعاليم المندائية وهم : آدم ، شيت بن آدم (شيتل)، سام بن نوح، يحيى بن زكريا (يهيا يوهنا). ولكن اسمهم ارتبط بالنبي (إبراهيم الخليل) الذي عاش في مدينة أور السومرية ـ مدينة الهة القمر نانا ـ منتصف الالف الثالث قبل الميلاد.
·        الماء هو مصدر الحياة ذاتها. ففي الوضوء أو ما يسمونه بـ (الرشامة) التي تجري عند النهر الجاري يقول المندائيين (أبرخ يرد نه آدميه هيي مشبه ماري كشطة سنخون). وتعني (تبارك الماء العظيم ماء الحياة سبحان الهي احفظ عهده) كذلك يقولون في الوضوء (مللين ابملالي اد زيوه وازهي طن بصري دنهور) وتعني (لينطقا بكلام النور وليكن ضميري نقياً مؤمناً بالصلاح). وكذلك يطهر المندي سنوياً وفق طقوس خاصة بالماء.
ارتبطت طقوسهم وبخاصة طقوس التعميد، بمياه النهرين فاعتبروا نهريها (ادگـلات وپـورانون ـ دجلة والفرات) أنهاراً مقدسة تطهر الارواح والاجساد فاصطبغوا في مياهها كي تنال نفوسهم النقاء والبهاء الذي يغمر آلما د نهورا (عالم النور) الذي اليه يعودون .
الصوم 36 يوماً متفرقة في السنة عن الروح أي (اللحوم).
لهم نوع من أماكن التعبد تسمى (بيت مندا ـ بيت المعرفة) وهي على ضفاف الانهار لعبادة (مار اد ربوثا ـ السيد الرب).
·اتخذوا من الشمال (اباثر) قبلة لهم لوجود عالم النور (الجنة).
·لهم لباس التعميد الأبيض (الرستة).
يحرم على رجال الدين المندائيون حلق لحاهم وشعر رؤوسهم.  
أعيادهم
السنة المندائية تنقسم إلى 360 يوماً، تضاف خمسة أيام نهاية السنة تكون عيد الخليقة.
·البرونايا، وهو عيد الربيع : ويسمى باللهجة العامية (البنجه) وهي خمسة بالفارسي وفي هذه الأيام المقدسة تجري الطقوس ليلاً ونهاراً. وهو يعتبر العيد الأول في ( 22ـ23 ) آذار، وهناك العيد الصغير وهو يوم واحد ويصادف في شهر (تشرين الثاني).
·العيد الكبير : ويسمى عيد (الكرصه) أي الاختباء في البيوت، حيث يبدأ العيد مع اختفاء ضياء اليوم الأخير من السنة وبداية نهار اليوم الأول من السنة الجديدة. وفي اليوم الثاني يخرج الناس لمعايدة بعضهم بعضاً.
·يوم الأحد : هو اليوم المقدس لدى الصابئة.
·هناك أيام محددة تجري فيها طقوس التعميد (يوم التعميد الذهبي) دهفه ديمانا ـ ويوم كنشيوزهلي، وهو يسبق مساء العيد الكبير.
ـــــــ
الهوامش
1) قاموس اللالئ : سرياني ـ عربي / ـجوزيف الاسمر/ص113
2) عن علاقة المندائية بالعرفانية راجع :عزيز .سباهي ـ أصول الصابئة (المندائيين) ومعتقداتهم الدينية ـ المدى ـ  دمشق 1996، ص 170 كذلك الحوار مع المؤرخ السوري فراس السواح ـ موقع إيلاف 30/11/2008
3) Catholic Encyclopedia > G > Gnosticism
4) من الذين ناقشوا أصل العرفانية بصورة واضحة ودافعوا عن أصلها المشرقي، المفكر السوري: جورج طرابيشي / مذبحة التراث / دار الساقي / بيروت 1993/ ص 73 ــ 129/ في هذا الكتاب رد طرابيشي بصورة مفصلة وناجحة على المفكر الجابري الذي نجح كثيراً بتفصيل العرفانية، لكنه احتقرها واعتبرها يونانية فارسية. طالع: محمد عابد الجابري / بنية العقل العربي / المركز الثقافي / الدار البيضاء 1986ـ القسم الثاني فصل خاص بالعرفانية.
5) آرام دمشق/  فراس السواح/ ص 276 ـ 278
6) غسان دمشقية/  لاهوت التحرير/ دار الأهالي / دمشق1990 .
7) لمزيد من المعلومات حول هذه الاشكالية راجع القسم الاول (ملف الآرامية اليهودية) من هذه الموسوعة.
8) ـ الغنوصية في الاسلام / هاينس هالم/ المانيا / دار الجمل 2003م.
9) فهرست ابن النديم / مادة الحرانية
10) يبدو ان هنالك شك بحقيقة وجود هذه الطائفة التي تم الاعتقاد بوجودها بعد اكتشاف وثائق كهف قمران في فلسطين قبل أكثر من ستين عام. فقد صرحت (رايتشل إليور)، أستاذة التصوف اليهودي فيالجامعة العبرية بالقدس، إن هذه الطائفة التي تنسب اليها مخطوطات قمران، ما هي إلاّ تلفيق من قبلالمؤرخ الروماني اليهودي، فالفيوس جوسفوس، خلال القرن الأولالميلادي.(مارس 2009 ـ وكالات انباء ـ تل ابيب).
11) أصول الصابئة ومعتقداتهم الدينية /عزيز اسباهي / ص 55
12) الليدي دراور / الصابئة المندائيين ترجمة نعيم بدوي وغضبان رومي ص 219
13) دراسة: حول أصل الصابئة المندائيين/ حيدر رضا / مجلة ميزوبوتاميا / بغداد / نيسان 2006
14) بالنسبة للمعلومات عن كتب المندائية وأركان ديانتهم ومعتقداتهم، اعتمدنا أساساً على دراسة حيدر رضا /المصدر السابق
 المصادر
ــ الغنوصية في الاسلام / هاينس هالم / المانيا / دار الجمل 2003
ــ محمد عابد الجابري / بنية العقل العربي / المركز الثقافي / الدار البيضاء 1986 ـ القسم الثاني فصل خاص بالعرفانية.
ــ طرابيشي، جورج / مذبحة التراث / دار الساقي / بيروت 1993
ــ دمشقية، غسان / لاهوت التحرير/ دار الأهالي / دمشق1990
ــ عزيز سباهي / أصول الصابئة (المندائيين) ومعتقداتهم الدينية / دار المدى / دمشق 1996
ــ حيدر رضا / حول أصل الصابئة المندائيين / دراسة في مجلة ميزوبوتاميا / بغداد نيسان 2006
ــ ابن النديم / الفهرست / مكتبة خياط / بيروت / ص 201 وبعدها.
ــ قاموس اللالئ / سرياني عربي / جوزيف الاسمر / سوريا 1991
 ــ حوار مع المؤرخ السوري فراس السواح / موقع إيلاف 30/11/2008
ــ Catholic Encyclopedia > G > Gnosticism
ــ آرام دمشق / فراس السواح / منشورات علاء الدين / دمشق 1995

ليست هناك تعليقات: