.

2015/01/30

مِنْ خصوصيَّة الفُصْحَى

محمد بن هادي المباركي
الجمعة 28/11/2014

مِنْ خصوصيَّة الفُصْحَى
اللُّغة العربيَّة ليست مجرد وسيلةٍ من وسائل التَّعبير عمَّا في النَّفس، بل هي جزءٌ من ديننا، ارتبطت بالرِّسالة السَّماويَّة الخالدة، وبنزول القرآن الكريم على المبعوث رحمةً للعالمين صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال عزَّ وجلَّ في محكم كتابه: "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" وقد أدرك العرب والمسلمون منذ عهد الرِّسالة الأوَّل أهمِّيَّة لغتهم وارتباطها بالقرآن الكريم، فبادروا إلى جمعها ودراستها، والوقوف على أسرارها، ومكامن الإبداع اللُّغوي فيها، وليست المعاجم اللُّغويَّة بدءاً بمعجم "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي، ومروراً بالصِّحاح للجوهري، ومعجم مقاييس اللُّغة لابن فارس، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، واللسان لابن منظور، وتاج العروس للزَّبيدي وغيرها من المعاجم سوى مرحلةٍ حاسمةٍ في استقراء ثراءِ هذه اللُّغة، وبيان ما تتمتَّع به العربيَّة من ثراءٍ عَزَّ نظيرهُ في معظم اللُّغات الأخرى، وبقاء تلك المفردات وخلودها مع تقادم السِّنين، فلا يزال الموروث اللُّغوي محفوظاً لم يندثر أو تضيع معالمه، وهو ما لاحظه كثيرٌ من الدَّارسين، الذين أشاروا إلى أن خصوصيَّة العربيَّة تكمن في نشأتها، ويُسرها، وثباتها، وخلودها مع طول العهد. يقول المستشرق الفرنسي "كان رينان" في حديثه عن اكتمال اللُّغة، وسلاسة عباراتها، وثراء مفرداتها: "لقد جاءت العربيَّة سلسةً أيَّ سلاسة، غنيَّةً أيَّ غنىً، كاملةً لم يدخلها منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا أيُّ تعديل مهم، فليس لها طفولةٌ ولا شيخوخةٌ، إذْ ظَهرت لأول مرَّةٍ تامةً مستحكمة".
وهذا القول لا يبعُد في تصوُّري عمَّا قاله الأُدباء والنُّقاد عن الشِّعر الجاهليِّ في أنَّه بدأ مكتملاً ناضجاً في قمَّة الفَنِّيَّة العالية، وهي نقطةٌ تُسجَّل كملمح من ملامح عظمة هذه اللُّغة منذ بداياتها الأولى، وما تُشكِّله من مقدرة عجيبة على التَّعبير عن كلِّ قديم وحديث ، وهو ما لاحظه المستشرق الفرنسي "ماسينيون" في قوله: "وباستطاعةِ العرب أن يُفاخِروا غيرَهم مِنَ الأُمَمِ بما في أيديهم من جَوَامِع الكَلِمِ التي تحمل من سُموِّ الفِكْرِ وأمَارَاتِ الفُتَوَّةِ والـمُروءَةِ ما لا مثيلَ له". أمَّا المستشرق الأمريكي: "وليام ورل" فبعد أن درس خصائص الفصحى، ورأى ثراءها، قال: "إن اللُّغة العربيَّة من اللِّين، والمرونة ما يُمكِّنها من التَّكَيُّف وفق متطلَّبات العصر..".
وكم تكشف الدِّراسات اللُّغويَّة إلى يومنا كثيراً من خصائص هذه اللُّغة، وكنوزها، وأسرارها العجيبة التي يقف المرء أمامها مُنبهراً !! كما أن الملتقيات اللُّغويَّة والمؤتمرات الخاصَّة باللُّغة الفصحى تُفصح عن هذا الجانب وتتابع مسيرة العربيَّة الخالدة، وتُوصِي ببعض التَّوصيات التي فيها حفاظٌ على مسيرة العربيَّة، واستثمارٌ لطاقاتها، ومعرفة أسرارها وكنوزها.

ليست هناك تعليقات: