.

2015/01/04

لهجات وحوارات - علي الخزيم

من مقومات اعتزاز الشعوب بذاتها تمسكها بلغتها وتعلقها بمفردات لهجات تجمعاتها السكنية المتفرعة عن اللغة الأصلية للدولة أو الدول التي تجمعها لغة واحدة كالدول العربية, ومعروف أن دولاً تبالغ كثيراً بهذا الاتجاه من حيث لغة التخاطب مع الآخرين لا سيما ممن يزورون بلادهم فلا يحيدون عن لغتهم وإن استطاعوا الحديث بلغة الزائر وهذا لدفعه لتعلم ولو مفردة من لغتهم, والمفردة ستجعله يحاول تركيب جملة وهكذا قد تتراكم المفردات في ملكات عقله فيستطيع خلال أيام بناء جمل تخاطبية ليجاري أهل البلاد لقضاء مصالحه دون الاستعانة بترجمان
, وهذا الاعتزاز ينسحب على اللهجات فكثير من الأقاليم والمناطق تعتز بلهجتها المحلية ولا تتحدث بغيرها حتى مع أهالي المناطق التي قد لا تفهم بعض مفرداتهم وجملهم ليقينهم أنه بالإمكان التفاهم بالتكرار غير الممل وإعادة صوغ الجمل لتوضيح المقصود دون اللجوء لمخاطبة المتحدث بلهجته هو، فكما أنه يرى أن لهجته واضحة فإن الطرف الآخر يرى الشيء نفسه, وهو لا ينقصه الاعتزاز والاعتداد بلهجته كما أنه لا يؤاخذ الآخرين إن هم ثابروا على الإحاطة بلهجة الآباء والأجداد, هناك قواسم مشتركة بين المناطق الحدودية للدول من بينها تشابه اللهجات بين المدن والقرى الواقعة على ضفتي حدود البلدين, وكنت ذات مرة في أحد أقصى حدود الوطن ولاحظت أن لهجات بعض القوم تماثل لهجة دول مجاورة, فاستفهمت فقيل لي إنهم من أبناء البلد ولكن التمازج بين القبائل الحدودية والتقارب بالمصاهرة والأنشطة التجارية ونحوها قد حافظ على لهجة موحدة أو مشتركة بين هذه التجمعات الحدودية شبه المتعادلة المتماثلة بالعادات والتقاليد والثقافة واللغة وبالتالي تماثل اللهجة, وهكذا تجد كل المناطق الحدودية على هذا النحو من حيث فهم اللهجة حتى أن دولاً تختلف لغاتها الأصلية نجد أن مناطقها الحدودية كل منها يعرف لغة الآخر دون صعوبة في الحوار والتفاهم, مع اعتزاز كل طرف بلغته وثقته بنفسه ولهجته, ومن تجاربي لاحظت أن أقواماً في بعض المناطق قد ينتابهم شعور بالاختلاف حين يتحدثون بلهجتهم المحلية مع أشخاص أو مجموعات من مناطق أخرى، وربما خالجهم إحساس غير مبرر بغرابة لهجتهم على أسماع الآخرين أو الشعور بأن مناطقهم مغيبة بعض الشيء عن أضواء وإشراقات الثقافة المحلية العامة وبالتالي فإن لهجتهم قد لا تكون مفهومة بالصورة الكافية, وهذا يتضح في النقاشات أثناء الاجتماعات واللجاوالحوارات المتلفزة ونحوها التي تضم أعضاء من مناطق مختلفة, وهنا تبرز ملاحظة في رأيي أنها هامة لفهم لغة الحوار، وذلك حينما يصر أحدهم على الحديث بلهجته المحلية أو المناطقية الصرفة وبعبارات وألفاظ متقعرة في تلك اللهجة بدعوى أنه من المعتزين بها المحافظين عليها وينسى أن بعض المشاركين معه لا يفهمون له قولاً, وقد يماثله بالخطأ من يرى أن لهجته غير مفهومة فيأخذ الحديث بلهجات مستعارة متعثرة تشتت الأذهان وتبدد الفهم, وقد يكون الأصوب (والحالة هذه) أن نتحدث بلهجة معتدلة منتقاة من مفردات وجمل مفهومة لكل الأطياف تؤدي الغرض من إيصال الرسالة للمتلقي بوضوح، فمخاطبة الاجتماعات واللجان والمؤتمرات الجامعة تحتاج لمهارات تختلف عن تلك التي نتعامل بها في محيط بيئتنا الضيقة.

ليست هناك تعليقات: