.

2015/01/08

علم اللغة - الاصمعي

علم اللهجات:
تعريفه:
اللهجات علم من علوم اللغة, وإن لم يذكره القدماء ضمن علومها, وهو على ما قرره مجمع اللغة العربية بالقاهرة: (علم يدرس الظواهر والعوامل المختلفة المتعلقة بحدوث صور من الكلام في لغة من اللغات)([1]).
موضوعه:

من خلال التعريف السابق يتبين لنا أن علم اللهجات يتناول الظواهر اللغوية, التي تحدث في لغة من اللغات بسبب اختلاف اللهجات, أو التي يكون اختلاف اللهجات سببًا رئيسًا فيها, وذلك كالإبدال في اللغة العربية, والفك الإدغام, والهمز والتسهيل, وقضايا المشترك والمتضاد والمترادف...إلخ.
كما يتناول علم اللهجات انقسام لغة ما إلى عدّة لهجات, مرتبطة بها, قلّت أو كثرت, والأسباب التي تؤدي إلى ذلك, والصلة بين اللغة الأم وبين ما تفرع عنها من لهجات فرادي ومجتمعه, وبين كل لهجة وشقيقتها, وخصائص كل هذه اللهجات في مستويات التحليل اللغوية, ومن أصوات, وبنية, تركيب, ودلالة, ما يعرض لهذه اللهجات في صراعها وتفاعلها من قوة أو ضعف, وانزواء أو انتشار, وموت وحياء, وما يكون من سيادة إحداها على سائرها كما حدث للهجة قريش-مثلا-, وبيان أسباب تلك السيادة, وقد تتحول إحدى اللهجات إلى لغة, عندئذ يتناول علم اللهجات أسباب ذلك, كما يدرس آثار كل لهجة في صاحبتها, ومدي تأثرها بها, ثم استنباط القوانين التي سارت عليها اللغة في ذلك كله([2]).
أهمية علم اللهجات العربية:
دراسة اللهجات العربية لها أهمية كبيرة, تتمثل فيما يلي([3]):
1- نحتاج في عصرنا هذا إلى الوقوف على مراحل تطور اللغة العربية, ومعالم كل مرحلة في تاريخها المديد, في الأصوات, والمفردات, صيغة ودلالة, وفي الجمل والتراكيب, ولنصبح على فهم أفضل للغتنا, ونتمكن من تقديم حلول دقيقة أو أقرب ما تكون إلى الدقة في كثير من قضاياها على مختلف المستويات, فنعرف لماذا أماتت أصوات, وتحورت أخري, وننفي عنها شبه الاضطراب والفوضي التي رميت بها في كثير من ظواهرها ومباحثها, كالاشتراك اللفظي, والمتضاد, والمترادف, واختلاف الضبط, وكثرة المصادر والجموع السماعية, وظواهر الشذوذ المختلفة, كل ذلك ونحوه تقدم لنا فيه دراسة اللهجات حلولاً نابعة من صميم اللغة ومنهجها.
2- اللهجات العربية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالقراءات القرآنية, التي تمثل اللهجات جانبا كبيرا منها, ودراسة اللهجات دراسة واعية تفيد كثيرا في عزو هذه القراءات اللهجية إلى أصحابها, وهي خدمة جليلة للقرآن الكريم الذي قامت الدراسات العربية له وبه.
3- تفيد دراسة اللهجات القديمة في الإجابة عن السؤال التالي: هل العربية الفصحى ولغة الشعر, عبارة عن حصيلة لهجات عدة, أم أنها لهجة قبيلة معينة, سادت واتخذها الشعراء قالباً, ينظمون فيه أشعارها؟
فدراسة اللهجات تقدم تحليلا علميَّا للتكوين اللغويّ للغة العربية, حيث إنها تثبت أن الفصحى عبارة عن خليط من لهجات شتي, أسهمت كل قبيلة في صنعه بقدر قد يزيد أو ينقض, بحسب ظروف كل قبيلة ومكانتها.
4- تفتقر اللغة العربية إلى معجم تاريخي, شأنها في ذلك شأن غيرها من لغات متقدمة, بل هي إليه أشدّ حاجة, للارتباط الوثيق بين حاضرها ومستقبلها وبين ماضيها, ودراسة اللهجات القديمة والحديث من أهم أسس وضع مثل هذا المعجم ويوضح الرافعي علة إهمال القدماء تدوين اللهجات العربية وأثر ذلك على الدلالة التاريخية في اللغة فيقول: «ولابد لنا من التنبيه على أن الرواة والعلماء لم يدوِّنوا اللهجات على مناطق العرب قبل تهذيب قريش للغة, ولكنهم تناقلوا من ذلك أشياء كانت لعهد الإسلام, وأشياء أصابوها في أشعار العرب مما صحت روايته قبيل ذلك, أما سواد ما كتبوه, فقد شافهوا به العرب في بواديها وسمعوه منهم, وهم بلا ريب من بقايا اللهجات الأولي التي كانت لعهد الجاهلية.
على أنهم لم يدوِّنوا من كل ذلك إلا كفاية الحاجة القليلة في تصاريف الكلام, أو ما تنهض به أدلة الاختلاف بين العلماء المتناظرين:
كالبصريين والكوفيين, أما تدوين اللهجات على أنها أصل من أصول الدلالة التاريخية في اللغة, فهذا لم ينتبه له أحد فيما نعلم, لأن أكبر غرضهم من جمع اللغة وتدوينها يرجع إلى علوم القرآن والحديث ولغتها قرشية, وهذه يقلّ الاختلاف فيها, لأنها حضرية مهذبة, والتحضر شيء ثابت فكأنها في حكم المدوَّنة»([4]).
وفي موطن آخر يوضح الفوائد التي كان يمكن تحصيلها لو أن علماء اللغة أعطوا اللهجات المنتشرة في الجزيرة العربية اهتماما أكبر, فقال: «ولو أن منهم نصب نفسه لجمع هذه الاختلافات, وإفرادها بالتدوين بعد استقصائها من لهجات العرب, وتمييز أنواعها بحسب المقاربة والمباعدة, والنظر في أنساب القبائل, التي تتقارب في لهجاتها تاريخها والتي تتباعد, وتعيين منازل كل طائفة من جزيرة العرب, والرجوع مع تاريخها إلى عهدها الأول الذي يتوارث عِلْمَهُ شيوخ القبيلة وأهلُ أنسابها, لخرج من ذلك علمٌ صحيح في تاريخ اللغة وأدوار نشأتها الاجتماعية, ويُرْجَعُ إليه على تطاول الأيام, وتقادم الأزمنة, ولكان يُعَدُّ أصلاً فيما يمكن أن يسمي تاريخ آداب العرب, يفرّعون منه, ويحتذون مثاله في الشعر وغيره من خروب الأدب.
ولكن القوم انصرفوا عن هذا وأمثاله, لاعتقادهم أصالة اللغة, وأنها خلقت كاملة بالوحي والتوقيف, وأن أفصح اللهجات إنما هي لهجة إسماعيل عليه السلام, هي العربية القديمة الجيدة كما قال سيبويه.
والرجوع بالتاريخ اللفظي إلى عهد إسماعيل ضرب من المحال, ومن تكلم فيه فقد أكبر القول, لأن الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم عن الأمم وسيرهم: (مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) (غافر:78).وعلى هذا اعتبروا لهجات العرب لعهدهم كأنها أنواع منحطة خرجت عن أصلها القرشيّ, بما طرأ عليها من تقادم العهد وعبث التاريخ, فلم يجيئوا ببعضها إلا شاهداً على الفصاحة الأصلية في العربية, وخلوها من التنافر والشذوذ, وتماماً على الذي جمعوه من أصول العربية, وتفصيلا لكل شيء إلا التاريخ»([5]).
5- الدراسة المكتملة للهجات قديمها وحديثها تمكنها من اكتشاف القوانين التي سارت عليها العربية في تطورها, والعوامل التي وجهت هذا التطور وأثرت فيه, وارتباط كل ظاهرة بمسبباتها في المكان أو الزمان.
6- دراسة اللهجات في عصرنا الحاضر- خصوصا- لها فوائد عملية, كما في المجال العسكري, في أعمال التجسس, وبث الشائعات, والدعايات المختلفة والحرب النفسية, وكذلك لدي رجال الشرطة حين يريدون أن يتسللوا إلى جماعة ما, أو تنظيم ما, أو عصابة مثلاً فلابد للجاسوس ولرجل الشرطة من دراسة لهجة المنطقة التي يجمع منها المعلومات دراسة دقيقة, وإلا افتضح أمره وفشل في مهمته. كما أنها ضرورية في مجال الإذاعات الموجهة.
7- تكشف لنا دراسة اللهجات العربية الحديثة عن احتفاظها بعناصر لغوية كثيرة من اللهجات القديمة, مثل كسر أحرف المضارعة كما في نشرب, وتخفيف الهمزة في ريس وغير ذلك.
فالبحث في اللهجات الحديثة يتبين منه أنها ترجع في كثير من الحالات, إلى اللهجات العربية القديمة, أكثر من رجوعها إلى اللغة الفصحي (الأدبية, أو المشتركة).
8- تفيد دراسة اللهجات الحديثة في تحديد الأماكن التي استقرت فيها القبائل العربية بعد الفتوح الإسلامية, حيث إن كل منطقة نطقت العربية بلهجة من نزل بها من العرب.
9- دراسة الهجات تمكننا من نسبة أقوام متفرقين في أماكن مختلفة إلى أصل واحد «فإذا اشترك قوم من الشام وقوم من المغرب في جملة خواص لقبيلة واحدة, بحيث تكفي تلك الخواص للتمييز, وحُكم بأنهم من أصل واحد, ولسبب من الأسباب الكونية قضي الزمان بتفرقهم وتشتيتهم في النواحي»([6]).
10- دراسة اللهجات ضرب من المعرفة المجردة, فإن ساغ لأحد أن يغفلها, فلن يسوغ ذلك لدارس اللغة, والمهتم بأمرها.
صعوبات دراسة اللهجات القديمة:
دراسة اللهجات العربية القديمة تواجه بصعوبات عديدة, فدراستها لم تكن بالأمر الهيّن, وذلك لما يلي: ([7])
1- دراسة اللغة بصفة عامة تقتضي السماع من أفواه أصحابها, وهذا لا يتحقق عند دراسة اللهجات القديمة, ولا سبيل إليه الآن, لذا يكون الاعتماد في دراستها على ما دَوَّنه السابقون عن هذه اللهجات, وحينئذ يكون من الضروري الإطلاع على أكثر التراث العربي, من كتب اللغة, والتفسير والحديث, والأدب, والتاريخ, والطب وغيرها, لأن الاهتمام بالمسائل اللغوية- قديما- لم يكن مقصورا على اللغويين وحدهم, فقد نجد كثيرا من المسائل اللهجية القيمة عند الجغرافيين, والمؤرخين والأطباء وغيرهم.
2- إهمال اللغويين في كثير من الأحيان نسبة اللهجات إلى أصحابها, واكتفاؤهم بعبارة «وهي لغة».
ويضاف إلى ذلك اختلاف اللغويين أحيانا في نسبة اللهجة إلى قبيلة معينة, فهذا ينسبها إلى قبيلة, وذاك ينسبها إلى أخري, صحيح قد تكون اللهجة مما تنطقها هذه وتلك, ولكن ذلك لا يلزم دائماً,
وعلى ذلك فمن الضروريّ جدا محاولة عزو اللهجات المجهولة, والتوفيق بين أوجه الخلاف السائدة بين اللغويين العرب في نسبة لهجة من اللهجات إلى قبائل عدّة.
3- من الصعوبات- أيضا- ما ترتب على تحديد النطاق المكاني, للقبائل التي تؤخذ عنها اللغة, كما جاء في قول أبي نصر الفارابي:
«والذين نُقلت عنهم اللغة العربية, وبهم اقْتُدي, وعنهم أُخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس, وتميم, وأسد, فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظم, وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف, ثم هذيل, وبعض كنانة, وبعض الطائيين, ولم يؤخذ عن غيرهم ما سائر قبائلهم»([8]).
وبهذا الصنيع طرح اللغويون باقي اللهجات العربية, واعتدوها مرغوبا عنها, ووصفوها بأوصاف مختلفة, فهي ضعيفة أو رديئة, أو شاذة, أو منكرة....إلخ, وتنتج عن ذلك ضياع كثير من الثروة اللغوية, قال أبو عمرو بن العلاء: «ما انتهي إليكم مما قالت العرب إلا أقلُّه, ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير»([9]).
4- شلوُّ بعض اللغويين في بعض الصور النطقية أهي لهجة أم لثغة, صعوبة تضاف إلى الصعوبات السابقة التي تواجه دارس اللهجات القديمة, ففي المحكم لابن سيده: «والمَرْمَرِيسُ: الداهي من الرجال.... وقد قالوا: مّرْمَرِيتُ, فلا أدري ألغة أم لثغة»([10]).
ويقول الجوهري: «الجِنْثُ: الأصل, يقال: فلان من جنثك وجنسك, أي من أصلك, لغةٌ أو لثغةٌ»([11]). أي أنه لا يدري هل الجنث- بالثاء- من قبيل اللهجات, أو من قبيل اللثغات.
ويقول أيضاً: الوَطْثُ: الضرب الشديد بالرِّجل على الأرض, لُغَةٌ في الوطس أو لُثْغَة»([12]).
وإذا كان اللغويين القدماء قد شَلُّو في مثل هذه الألفاظ مع توافر أدوات البحث لديهم, من مشافهة الأعراب, أو قرب عهدهم بهم, فإن الأمر بالنسبة لنا أشد صعوبة, ويحتاج إلى طول إطلاع, ودقة بحث.
5- التصحيف والتحريف اللذان ابتليت بهما الكتابة العربية, طمسا كثيرا من المعالم الصحيحة, لبعض اللهجات العربية, التي رُويت لنا من ذلك قول الفيروز آبادي: لا وبها سُؤْدَة- بالضم- أي بقية من الشباب»([13]) وهذا تصحيف سؤرة, لأن مادة (س.أ.د) لا تناسب هذا المعني([14]).
وقوله: «رد الرَّوْذَةُ: الذهاب والمجيء»([15]), وهذا تصحيف الرودة (بالدال المهملة) من راد يرود, بمعني: ذهب وجاء.([16])
وقوله: «غلام أُفْلُودٌ- بالضم- تامُّ, محتلمٌ, سَيْطٌ, ناعمٌ, سمين»([17]) وهو تحريف الأُمْلُود- بالميم([18]).
مصادر دراسة اللهجات:
تعتمد دراسة اللهجات القديمة والحديثة على عدة مصادر, تستقي منها مادتها, وهذه المصادر منها ما هو خاص باللهجات القديمة, ومنها ما هو خاص باللهجات الحديثة, ومنها ما هو مشترك بين القديمة والحديثة على السواء, ومن هذه المصادر:
1- القراءات القرآنية:
وهي أهم مصادر اللهجات القديمة وأوثقها جميعاً, وذلك لما يلي:
أ- أن القرآن الكريم نزل على أفصح الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (الشعراء:195) ولغة عربية فصحي منتقاة, من لهجة قريش ولهجات قبائل عربية أخري, تأليفا لقلوب العرب أجمعين, وجمعًا لهم على كلمة واحدة, وعلى هذا فالقراءات القرآنية قد أتت ممثلة لهذه اللهجات, لأن قُرَّاء القرآن الكريم كانوا من جزيرة العرب التي اشتملت على هذه القبائل جميعا, وبذلك تتوطد الصلة بين القراءات واللهجات, خاصة وأن بعض العلماء يفسر المراد «بسبعة أحرف»في الحديث المشهور: «إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ» بسبع لهجات.
ب- أن العلماء وضعوا للقراءة الصحيحة شروطا ثلاثة لابد من توافرها فيها, وإلا لم تعدّ صحيحة, وهي: أن تكون متواترة, وأن توافق الرسم العثماني, وأن توافق العربية ولو بوجه, وهذا الشرط الأخير (موافقة العربية ولو بوجه) هو ما يمكن تفسيره هنا بصحة القراءة بلهجة العرب على اختلافها, يقول ابن خالويه: «فإني تدبرت قراءة الأئمة السبعة من أهل الأمصار الخمسة([19]), والمعروفين بصحة النقل, وإتقان الحفظ, المأمونين على تأدية الرواية واللفظ, فرأيت كلاًّ منهم قد ذهب في إعراب ما انفرد به من حرفة مذهبا من مذاهب العربية لا يُدْفع, وقصد من القياس وجهًا لا يُمْنع, فوافق باللفظ والحكاية طريق النقل والرواية, غير مؤثر للاختيار على واجب الآثار»([20]).
ج‍- وثاقة منهج نقل القراءات القرآنية, فهو يختلف في طريقة نقلها عن الطريق التي نقلت بها المصادر الأخرى كلها, كالشعر, والنثر, بل اختلفت طريقة نقلها عن طريقة نقل الحديث الشريف, إذا كانت ولا زالت تعتمد على التلقي والعرض([21]).
2- المأثور عن العرب مما حفظته لنا بطون الكتب:
فالقدماء لم يتركوا لنا مؤلفا مستقلاً في اللهجات, وإنما جاءت إشارات عنها متناثرة في بطون كتب التراث من لغة, وأدب, وتفسير, وتاريخ, ونحو, ومعاجم, وكتب الطبقات والتراجم, بل في كتب الجغرافيا, والطب وغير ذلك من كتب التراث المختلفة, كما نجد مادّة لهجية في كتب أو رسائل اللغات, سواء أكانت في القرآن, أم في لغات القبائل, فهي على قلتها من المصادر النافعة المباشرة.
فمن المعلومات اللهجية المهمة, تلك التي قدّمها- عفوًا أو قَصْدًا- فريق من العلماء من اللغة المستعملة في أيامهم, أمثال الجاحظ (ت 255ه‍) في «البيان والتبين», و»البخلاء» وغيرهما من مؤلفاته, مثل: الهمزاني (ت 334ه‍) في «صفة جزيرة العرب», والمقدسي (ت 375ه‍) في «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم», وابن خلدون (ت 808ه) في مقدمته, وغيرهم.
كذلك نجد مادة لهجية مهمة في الكتب التي ألفت في التنقية اللغوية, ولحن العامة, مثل: «ما تلحن فيه العامة» للكسائي (ت 189هـ), و»إصلاح المنطق» لابن السكيت (ت 244ه‍), و»أدب الكاتب» لابن قتيبة (ت 276ه‍) و»درّة الغواص في أوهام الخواص» للحريري (ت 516هـ)([22]).
3- في اللهجات الحديثة حقائق عن اللهجات القديمة:
إن دراسة اللهجات المعاصرة تكشف لنا حقائق عن اللهجات العربية القديمة, وذلك أن كثير من العاميات في لهجاتنا الحديثة يتفق مع لهجات عربية قديمة, ومن ذلك أن لهجة الحجازيين تقول في اسم المفعول إذا صيغ من الثلاثي الأجوف كقال وباع, مقول, مبيع, أما التميميون فيعلون اسم المفعول من الأجوف الواوي يقولون مقول, ويتمّون اسم المفعول من الأجوف اليائي يقولون: مبيوع, وعلى هذه اللهجة نقول الآن. في لهجتها العامية: فلان مديون, وهذا الشيء مبيوع أو معيوب....إلخ([23]).
وفي عاميتنا ما يتفق في اللفظ والمدلول مع الفصحى, مثل الوكس بمعني البخس في الثمن, وتشل اللحم ينشله عامية وفصحى, والعباية التي هي ضرب من الأكسية, وفي العامية والفصحى سواء([24]).
4- ما كتبه المستشرقون والغربيون عامة:
فهؤلاء كتبوا عن اللهجات العربية القديمة والحديثة, سواء أكان ذلك عن حسن نية, بهدف الدراسة العلمية, واحتذاء لما يفعلونه بلغاتهم أم عن سوء نية, ابتغاء القضاء على الفصحى, وإحلال العاميات محلها([25]).
وممن كتبوا عن اللهجات العربية القديمة: تشيم رابين, وكتابه بعنوان: «اللهجات العربية في غرب الجزيرة العربية» وترجمته إلى العربية الدكتور عبد الكريم مجاهد, كما ترجمه من قبل الدكتور عبد الرحمن أيوب, وكتب عن اللهجات الحديثة كثير من المستشرقين منهم: جوستون, وكتابه بعنوان: «دراسات في لهجات شرقيّ الجزيرة العربية» ترجمه إلى العربية الدكتور أحمد محمد الضُّبَيْب.
5- ما كتب عن اللهجات بأيدي علماء العربية:
فقد اتجهت عناية كثير من علماء العربية في العصر الحديث إلى الكتابة في علم اللهجات, فكتبوا عن اللهجات القديمة والحديثة على السواء, وكانت لهم دراسات ذات قيمة كبيرة في هذا المجال, وبعض هذه الدراسات نال بها أصحابها درجة «الماجستير» وبعضها الآخر نال بها أصحابها درجة «الدكتوراه» كما أن بعضها كان دراسات لم يقصد بها أصحابها نيل درجة علمية.
6- من مصادر اللهجات الحديثة خصوصاً: السماع, وهو أفضل وسيلة لدراسة اللهجات, ويحتاج إلى فطنة, وتوقِّد ذهن, ويستعين الدارسون بآلات التسجيل, ليتمكنوا من سماع ما تمّ تسجيله أكثر من مرّة, وفي أيّ وقت شاءوا.
كما يمكن الاستعانة في دراسة اللهجات الحديثة بما كتب بها «في مصر وغيرها, وما صدر بها من أعمال أدبية في القصة أو المسرحية أو الشعر أو الفكاهة أو غيرها, في كتب أو دوريات»([26]).
نشأة الدراسة اللهجية
يتوقع منك عزيزي الدارس بانتهائك من هذا الموضوع أن تحقق الأهداف التالية:
1- أن تقف على نشأة الدراسات اللهجية.
2- أن تعرف الأدلة التي يستدل بها على وجود اللهجات.
3- أن تعرف أنواع اللهجات.
4- أن تدرك مظاهر اختلاف اللهجات وأمثلتها.
أولاً عند العرب:
أشرنا من قبل إلى أن علماء العربية القدامى لم يتركوا مؤلفا مستقلاًّ في اللهجات العربية, ولكن ليس معني ذلك أنهم لم يهملوها بالكلية, فقد ألف كثير منهم كتبًا أطلقوا عليها اسم «اللغات» من هؤلاء: يونس بن حبيب (ت 283ه‍), والفراء (ت 207ه‍), وأبو عبيدة (ت 210ه‍), والأصمعي (ت 212ه‍), وأبو يزيد الأنصاري (ت 215ه‍), وغيرهم.
كما ألفوا في «لغات القرآن» من ذلك «اللغات في القرآن» رواية ابن حسنون المقرئ المصري بإسناده إلى ابن عباس- رضي الله عنهما-([27]), وكتابه: «ما ورد في القرآن الكريم من لغات القبائل» لأبي عبيد القاسم بن سلام([28]).
وقد وردت إشارات كثيرة في كتب التراث على اختلاف اهتماماتها, إلى اللهجات العربية.
كما وردت موضوعات خاصة باللهجات في كتب الأقدمين, ففي «الخصائص» لابن جني (ت 392ه‍(, «باب في الفصيح يجتمع في كلامه لغتان فصاعدا»([29]), و»باب في تركيب اللغات»([30]), و»باب اختلاف اللغات وكلها حجة»([31]), و»باب في العرب يسمع لغة غيره أيراعيها ويعتمدها, أم يلغيها ويطّرح حكمها»([32]).
وفي «الصاحبي» لابن فارس (ت 395ه‍(, و»باب القول في اختلاف لغات العرب»([33]), و»باب اللغات المذمومة»([34]), و»باب انتهاء الخلاف في اللغات»([35]).
وفي «المزهر في علوم اللغة وأنواعها» للسيوطي, نجده قد خصص النوع العاشر لمعرفة الضعيف والمنكر والمتروك من اللغات([36]), والنوع الحادي عشر لمعرفة الرديء المذموم من اللغات([37]), والسادس عشر لمعرفة مختلف اللغة([38]), والسابع عشر لمعرفة تداخل اللغة([39]).
وفي العصر الحديث نمت دراسة اللهجات العربية وازدهرت, على الرغم من صعوبتها, فكانت أول دراسة للهجات, الرسالة التي ألفها المرحوم: حفني ناصف بعنوان «مميزات لغات العرب, تخريج ما يمكن من اللغات العامية عليها, وفائدة علم التاريخ من ذلك» وقد ألقاها في مؤتمر المستشرقين الذي انعقد في فينا سنة 1886م‍ , ثم جاءت بعد ذلك الدراسة القيمة للمرحوم الدكتور: إبراهيم أنيس تحت عنوان «في اللهجات العربية» وتعدّ هذه الدراسة مصدرًا مهمّا لكل من كتب عن اللهجات في العصر الحديث.
كما ألفت رسائل جامعية خاصة في اللهجات العربية, وأهمها جميعًا «اللهجات العربية كما تصورها كتب النحو واللغة» للدكتور: أحمد علم الدين الجندي- دكتوراه سنة 1965م, وقد طبعت تحت عنوان: «اللهجات العربية في التراث».
وقد خصص مجمع اللغة العربية بالقاهرة للدراسات اللهجية لجانًا خاصة, تضم عددًا كبيرًا من المتخصصين في هذا الشأن, وما ذلك إلا لأهمية هذا النوع من الدراسات, كما خصص لها الجامعات المصرية مساحات في مناهجها الدراسية([40]).
ثانيا: عند الغربيين:
لم تلق الدرسات اللهجية عند الغربيين اهتماما يذكر إلا في نهاية القرن الثامن عشر, حيث بدأت تدور بين العلماء «مناقشات تتعلق بمستوي الصواب اللغوي, وبمشكلة انقسام اللغة إلى لهجات, ومشكلة اللهجات الطبقية»([41]).
وعلى الرغم من هذه المناقشات إلا أنها لم تكن بالقدر الكافي, فقد كان العلماء حتى ذلك الوقت عازفين عن دراسة اللهجات وذلك للأسباب الآتية([42]):
أ- اتساع مجال البحث في اللغة الفصحى, فلم يكن لديهم متسع لدراسة اللهجات.
ب- نظرة العلماء في ذلك الوقت- إلى دراسة اللهجات على أنها مصدر خطر على الأدب, ولذا ينبغي الاقتصار في الدراسة على الفصحى.
ج‍- دراسة اللهجات تتطلب الأسفار والرحلات, للوقوف على مصادرها من أصحابها, وذلك يتنافى مع طبيعة علماء اللغة في ذلك الوقت, فقد كانوا يؤثرون الراحة.
وفي القرن التاسع عشر «كانت النتائج ذا قيمة كبيرة, حيث تركز الاهتمام على الصيغ اللهجية, وعلى أنواع من الكلام لم يكن يُنظر إليها حتى تلك اللحظة إلى على أنها لغات تافهة لا تستحق الدراسة, وحيث إن اللهجات لم تكن من جميع جوانبها- مسجلة في خلال تطورها التاريخي, فقد أدي هذا إلى توجه الاهتمام إلى اللغات الحية, ولهجاتها المتشعبة»([43]).
ثم واصلت دراسة اللهجات تقدمها في القرن العشرين, على هذا فهي من العلوم الحديثة, يقول الدكتور: إبراهيم أنيس: «تعد دراسة اللهجات من أحدث الاتجاهات في البحوث اللغوية, فلقد نمت هذه الدراسة بالجامعات الأوربية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين, حتى أصبحت الآن عنصرا هامًّا بين الدراسات اللغوية الحديثة, وأُسِّستْ لها في بعض الجامعات الراقية فروع خاصة بدراستها, تعني بشرحها, وتحليل خصائصها, وتسجيل نماذج منها تسجيلا صوتيًّا يبقي على الزمن»([44]).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن دراسة اللهجات تقدمت تقدمًا واضحًا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين, على يد مجموعة من علماء اللهجات الغربيين من أمثال: جاستون باريس, وأنطوان توماس الفرنسيين, وكورنو, وأسكولي الإيطاليين ومن أشهر المشتغلين بتلك الدراسة «الأب روسلو», الذي اهتم بالناحية الصوتية في اللهجات, و«جيليرون», الذي درس اللهجات من ناحيتها الدلالية([45]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) في اللهجات العربية: د/ محمد أحمد خاطر ص‍ ‍5, نقلا عن: مجموعة المصطلحات العلمية والفنية: 4/93.
([2]) السابق نفسه- ص‍ 5.
([3]) انظر: فصول في فقه العربية ص‍73, في اللهجات العربية د/خاطر ص‍8.
([4]) تاريخ آداب العرب 2/108, 109.
([5]) تاريخ آداب العرب 2/116, 117.
([6]) مميزات لغات العرب, لحفني ناصف- ص‍9.
([7]) انظر: مقدمة في اللهجات العربية د/ الموافي الرفاعي البيلي- ص‍211, فصول في فقه العربية- ص‍74.
([8]) المزهر 1/211, الاقتراح, ص‍56.
([9]) طبقات فحول الشعراء, 1/25, الاقتراح, ص‍62.
([10]) المحكم 8/326 (م.ر.س).
([11]) الصحاح 1/245 (ج.ن.ث).
([12]) السابق 1/260 (و ط ث).
([13]) القاموس المحيط 1/296 (س أ د).
([14]) الجاسوس على القاموس ص‍184.
([15]) القاموس المحيط 1/350 (ر و ذ).
([16]) الجاسوس ص‍185.
([17]) القاموس المحيط 1/321 (ف ل د).
([18]) الجاسوس ص‍186.
([19]) هي: المدينة: وبها قرأ نافع, ومكة: وبها قرأ ابن كثير, والبصرة: وبها قرأ أبو عمر, والكوفة: وبها قرأ عاصم وحمزة, والكسائي, والشام: وبها قرأ ابن عامر.
([20]) الحجة في القراءات السبع لابن خالويه- ص‍62,61.
([21]) انظر: دراسات في اللهجات العربية, د/ فتحي الدابولي- ص‍10,9.
([22]) انظر في اللهجات العربية د/ خاطر – ص‍11, 12.
([23]) دراسات في اللهجات العربية- ص‍11.
([24]) السابق نفسه ص‍7.
([25]) انظر في اللهجات العربية د/ خاطر ص‍13.
([26]) انظر في اللهجات العربية د/ خاطر ص‍13.
([27]) حققه ونشره د/ توفيق محمد شاهين مكتبة وهبة بالقاهرة 1995م‍.
([28]) طبع مع تفسير الجلالين- دار القلم 1966م‍.
([29]) الخصائص: 1/371.
([30]) السابق: 1/375.
([31]) السابق: 2/12.
([32]) السابق: 2/12.
([33]) الصاحبي: ص‍ 28.
([34]) السابق: ص‍ 35.
([35]) السابق: ص‍ 67.
([36]) المزهر: 1/214.
([37]) السابق: 1/221.
([38]) السابق: 1/255.
([39]) السابق: 1/262.
([40]) انظر: دراسات في اللهجات العربية- ص‍4.
([41]) أسس علم اللغة- ص‍231.
([42]) انظر: اللهجات العربية نشأة وتطورًا- ص‍388, 389, دراسات في اللهجات العربية, ص‍5.
([43]) أسس علم اللغة- ص‍234, 235.
([44]) في اللهجات العربية- ص‍9, 10.
([45]) انظر اللهجات العربية د/هلال: ص‍390

ليست هناك تعليقات: