.

2015/01/01

سكان الجزيرة العربية الاوائل ليسوا ساميين



رغم ان مناطق جنوب الجزيرة العربية وسواحلها كانت مأهولة بالسكان منذ آلآف الاعوام إلاّ أنه حتى الآن وفي كل انحاء الجزيرة العربية لم يعثر على أي أثر أو كتابة يدل على وجود (جماعات ناطقة بالسامية) قبل الالفية السابقة للميلاد، حيث ظهرت أقدم حضارات اليمن (الدولة السبئية) وهي اولى الحضارات في الجزيرة وناطقة بلغة سامية. وهذا يعني ان أول ظهور سامي واضح في الجزيرة قد تأخر عن مثيله في الهلال الخصيب أكثر من ألفي عام!ان التاريخ الشعبي العربي يحدثنا عن وجود ثلاث طبقات متعاقبة تاريخياً من سكان الجزيرة العربية :

(العرب البائدة)، وهمأقدم الطبقات وقد سموا كذلك لانهم أبيدواوطويت صفحات تاريخهم. ثم (العرب العاربة) او العرباء او القحطانيون وهم عرب الجنوب او اليمن. ثم(العرب المستعربة) وهم العدنانيون،بنو اسماعيل بن ابراهيم الخليل وهم عرب الشمال أي الحجاز.
بغض النظر عن مدى جدية هذه الحكايات الشعبية، إلاّ أنها قد تعبر عن بعض الحقائق التاريخية المخفية، مثل جميع الحكايات والاساطير. يبدو ان تشكل العرب كجماعة عرقية ولغوية يشبه الى حد بعيد تشكل غالبية الجماعات العرقية الكبرى في العالم، أي انه نتيجة تراكم عدة طبقات عرقية كل منها تكونت فوق السابقة واستوعبتها. أو مثل البحيرة التي تجتمع فيها مياه عدة سواقي وأنهار وأمطار، لتشكل مياهاً موحدة. بالنسبة لسكان الجزيرة العربية  فهنالك ثلاث طبقات:
الطبقة الاولى (العرب البائدة)، وهم السكان الاصليين الاوائل: تخمن البحوث ان السكان الاوائل للجزيرة ما كانوا من الساميين (أشكال البحر المتوسط)، بل من الجنس الاسمر المماثلين لسكان سواحل المحيط الهندي. اذا تتبعنا الشريط البحري الممتد من سواحل الهند مروراً بسواحل ايران وسواحل البصرة والخليج العربي حتى اليمن، فاننا نلاحظ سيادة جنس أسمر واحد يمكن تسميته بـ (جنس المحيط الهندي)، رغم كل تنوعهم الاقوامي : هنود وبلوش وفرس وعرب([16]). هذا الجنس هو الذي شكل الطبقة الاولى من سكان جنوب الجزيرة العربية، ولكن لم يتمكن من ترك أية آثار حضارية وكتابية، لأنه ظل يعيش في العصر الحجري حتى الالف السابق للميلاد، أي حتى قدوم الساميين. وهم قد (ابيدو) ليس بالمعنى البدني، بل بالمعنى الحضاري. فهذا الجنس الاسمر يلاحظ وجوده بكثرة في جنوب وسواحل الجزيرة، وبعضه ممتزج بجنس البحر المتوسط السامي الابيض.
الطبقة الثانية (العرب العاربة)، وهم الجماعات السامية الاولى القادمة من الهلال الخصيب. خلال الفي عام من ظهور الحضارة في العراق والشام، ظل التواصل مع الجزيرة العربية محدوداً بسبب عدم اكتشاف الجمل الذي من دونه كان من الصعب اقتحام صحارى الجزيرة العربية.لهذا فأن البحر ظل وسيلة الاتصال الوحيدة بين الساميين في الشمال وسكان الجزيرة. فمن ناحية الخليج ظل العراقيون والكنعانيون الشاميون على تواصل مع سواحله وأسسوا لهم قواعد بحرية ومستعمرات تجارية عديدة في البحرين وقطر وعمان حتى اليمن. بالنسبة لـ (قطر) انها كانت مأهولة بالسكان منذ الألف الرابع قبل الميلاد، ولها علاقة مباشرة مع الحضارة العبيدية في جنوبي العراق. كذلك إن الكنعانيين أول من سكن قطر في مطلع تاريخها الحضاري في الفترة 825-484  ق.م، بل ان تسميتها نفسها كنعانية! أما بالنسبة لـ (عمان) فأن السومريين أسسوا لهم قواعد تجارية فيها، وأطلقو عليها تسمية (مجان) أو جبل النحاس. وقد وردت عمان تحت هذا الاسم (مجان) في مئات النصوص العراقية بالخط المسماري. ويبدو أن الفينيقيين كان لهم وجود على ساحل عمان وأجزاء من الخليج العربي ومنهم من كان في الفجيرة وخور فكان وصور العمانية. كما كانوا في البحرين وجزيرة تاروت السعودية حيث قيل أنها سميت هكذا تبعاً لإلهة الفينيقيين عشتاروت بمعنى (عش تاروت) أو بيت تاروت. كذلك (البحرين) الذي ذكرت باسم (دلمون) في الاساطير العراقية([17]) . ان الدور العراقي والكنعاني في نقل العنصر والثقافة واللغة السامية (الاكدية والكنعانية) الى الجزيرة يتضح من خلال الناحية التالية: ان أول الحضارات المعروفة التي نشأت في الجزيرة (الحضارة السبئية) في اليمن، حوالي الف سنة قبل الميلاد. أي بعد أكثر من الفي سنة من حضارة العراق وسوريا. وقد استغرب العلماء من انتقال اليمن فجأة من العصر الحجري الى عصر البناء والكتابة من دون أي تطور معقول، وهذا يعني قدوم شعب متحضر الى اليمن ساهم بهذه النقلة السريعة. على هذا الاساس يعتقد ان السبئيون في نظر الكثير من العلماء جاءوا الى اليمن من الشمال (العراقي ـ السوري). فالدكتور فرتزهومل يقول : ان الفترة السابقة لتاريخهم الحقيقي بدأت خارج اليمن، ويرجح هذا الوطن الخارجي أنه كان في الأصل في شمال بلاد العرب. ومثل هذا سبق أن أوصى به سترابر حين ربط  بين الأنباط والسبئيين لكونهم أول من سكن العربية السعيدة. وتمشياً مع هذا الرأي اقترح الأستاذ و. ف. البرايت تاريخاً لهجرتهم حوالي 1200 ق. م ذاهباً في نفس الوقت إلى أن هجرتهم تلك تأتي بعد هجرة القبائل الأخرى (معين وحضرموت وقتبان) والتي حدثت في تقديره حوالي 1500 ق. م([18]).
لهذا يمكن القول ان حضارة ولغة اليمن القديمة، التي تعتبر احدى أصول اللغة العربية، هي بالحقيقة مزيج من لغة الشعب (الاسمر) الاصلي المجهولة التاريخ مع اللغة الاكدية والكنعانية التي جلبها المهاجرون الشماليون.
الطبقة الثالثة، (العرب المستعربة) وهي الهجرة (الآرامية) الكبرى التي أتت من الشمال العراقي الشامي، بعد شيوع استخدام الجمل. في هذه الحقبة شرع خصوصاً سكان بادية الشام (العراقي السورية) يتجرأون أكثر على الخروج من باديتهم ويسيحوا بقبائلهم نحو حواضر العراق والشام. بل بلغت بهم الجرأة انهم راحوا يغوصون جنوباً في صحارى الجزيرة العربية، نحو سواحل الخليج وواحات الحجاز ليؤسسوا اولى معاقل الاستيطان، مثل (يثرب) و(مكة). وليس بالصدفة ان هاتين المدينتين واقعتين على الطريق التجاري الذي يربط جنوب الجزيرة مع الشمال العراقي الشامي. ان البادية الغربية العراقية السورية، مع اكتشاف الجمل أخذت تطلق بسهولة أكثر الموجات من المهاجرين الذين راحوا يستعينون بالجمال بالتنقل وفي السيطرة الحربية.
ان فرضية هجرة الساميين من الشمال، يفسر لنا هذا الفرق (الاجناسي ـ الشكلي) الواضح بين نوعين من الاجناس: غالبية سكان شمال ووسط الجزيرة (أشكال البحر المتوسط الفاتحة البشرة) وهم (العرب المستعربة) أو القيسيين ـ المضريين ـ الاسماعيليين القادمين من المشرق. ثم غالبية سكان الجنوب والسواحل ذوي البشرة السمراء وشكل المحيط الهندي، وهم السكان الاصليين والذي اطلق عليهم تسمية (العرب البائدة).

ليست هناك تعليقات: