.

2015/01/03

مجامع اللغة العربية



مجامع اللغة العربية
للأستاذة الدكتورة وفاء كامل فايد
اللغة هي قوام الهوية وعماد الشخصية، وهي الراسمة لبناء القومية، المشكلة لهندسة هذا البناء على المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. واللغة هي الأمة أو القوم أو الجماعات أو الأفراد ممثلين في لسانهم. واللسان يستمد مادته وطاقاته الفاعلة من الفكر. وبين اللسان والفكر تفاعل يعد خاصة لازمة من خواص العملية اللغوية التي تعد تمثيلاً صحيحًا لحياة الإنسان وتكوينه. فللغة ثنائية تعدل وتطابق ثنائية الإنسان: اللغة فكر ولسان كما أن الإنسان روح وجسد، وهناك تطابق مادي بين اللسان والجسد، وتطابق معنوي بين الفكر والروح .

وكانت غاية الرواد الأوائل الذين أنشؤوا مجامع اللغة العربية خدمة الإنسان ورعايته من خلال خدمة اللغة ورعايتها، وبوصفها الأداة الأساسية الفاعلة في تنمية الفكر وصقله وتهذيبه وتثقيفه؛ حيث إن دراسة اللغة هي دراسة الإنسان نفسه، والنظر في مقوماته الحياتية: ثقافية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية، وسياسية أم سلوكية؛ فالكل يجتمع في اللغة اعترافًا بموقع اللغة في المجتمع .
نشأة المجامع العربية :
عرفت مصر أول مجمع لغوي في العالم العربي، فقد تأسس عام 1892م(1) (المجمع اللغوي للوضع والتعريب ) برياسة محمد توفيق البكري، وكان من أعضائه الإمام محمد عبده، والشيخ محمد محمود الشنقيطي. وكان حريصًا على أن يثبت أن اللغة العربية تحوي ذخائر تفي بكل احتياجاتها العلمية والحضرية الحديثة. ولم يعقد هذا المجمع إلا عدة جلسات – كان آخرها في 27/2/1893م (2) – حاول فيها أن يحدد أغراضه، وأن يعرض لطائفة من الألفاظ قدِّر لبعضها الحياة (3) وعطِّل بعد بضع سنوات، ثم أعيد، وبقي إلى ما بعد عام 1922م (4) .
وأنشئ في مصر عام 1917م (مجمع دار الكتب ) الذي اشتهر بنسبته إلى كاتب سره أحمد لطفي السيد. واقترح أن يتكون من ثمانية وعشرين عضوًا ، منهم خمسة وعشرون من العرب، وواحد من كل من الفرس والسريان والعبرانيين. واختير سليم البشري – شيخ الأزهر – رئيسًا لهذا المجمع،وكان من أعضائه أحمد الإسكندري، وحمزة فتح الله ، وحفني ناصف. وقد وضع طائفة من الألفاظ لاستعمالها في الحياة العامة، ولكن معظمها كان يتسم بالغرابة؛ فلم يقدر لها البقاء. ولم يعمر هذا المجمع طويلاً، فانفض في عام 1919م، ثم حاول العودة عام 1925م، ولكنه لم يعقد إلا جلسة واحدة (5)
وفي دمشق تألف ( المجمع العلمي العربي ) بدمشق عام 1919م من رئيسه محمد كرد علي وثمانية أعضاء. وقد وكل إليه النظر في اللغة العربية وأوضاعها العصرية، ونشر آدابها وإحياء مخطوطاتها، وتعريب ما ينقصها من كتب العلوم والصناعات والفنون من اللغات الأوربية، وتأليف ما تحتاج إليه من الكتب المختلفة المواضيع علي نمط جديد. وعني أيضًا بجمع الآثار القديمة، وبجمع الكتب المخطوطة والمطبوعة(6)، وتأسيس دار كتب عامة لها، وبإصدار مجلة خاصة به تنشر فيها أعماله وأفكاره (7) . وكانت مجلته شهرية في بدايتها، فظهر العدد الأول منها في أوائل عام 1921م، وكان المجلد الأول يحوي اثني عشر جزءًا، ومنذ عام 1931م صار المجلد مكونًا من ستة أجزاء، ثم منذ عام 1949م صارت المجلة فصلية (8) وما زال هذا المجمع يحرص في عمله علي وضع المصطلحات وتنقيحها، وينشر مجلته التي يبذل فيها جهدًا كبيرًا في تحقيق التراث ونشره وفهرسته ونقده .
وأسس في بيروت ( المجمع العلمي ) عام 1920م (9) ، وكانت الغاية منه المحافظة على اللغة العربية، ورفع شأنها، والعناية بالمباحث والأعمال المتعلقة بأصولها وآدابها، والمحافظة على الآثار، ودراسة تاريخ لبنان وجغرافيته. وأول رئيس له هو عبد الله بن ميخائيل البستاني(10) وقد صدر مرسوم بإلغائه بعد حوالي عامين من ميلاده، ولم يصل إلينا أي أثر من آثاره (11).
وفي ديسمبر 1932م صدر بالقاهرة مرسوم ملكي بإنشاء مجمع اللغة العربية، وبدأ عمله في 1934م. وقد سمي في البداية" مجمع اللغة العربية الملكي"، ثم غير اسمه في عام 1938م فصار ( مجمع فؤاد الأول للغة العربية ) ، ثم غير بعد ذلك إلى مجمع اللغة العربية (12) .
وحدد المرسوم (13) أغراض المجمع وهي :
1-
أن يحافظ على سلامة اللغة العربية، وأن يجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون في تقدمها، ملائمة لحاجات الحياة في العصر الحاضر،وذلك بأن يحدد في معاجم أو تفاسير خاصة، أو بغير ذلك من الطرق، ما ينبغي استعماله أو تجنبه من الألفاظ والتراكيب .
2-
أن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينشر أبحاثًا دقيقة في تاريخ بعض الكلمات، وتغير مدلولاتها.
3-
أن ينظم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة بمصر وغيرها من البلاد العربية .
4-
أن يبحث كل ماله شأن في تقدم اللغة العربية .
كما نص المرسوم على أن يصدر المجمع مجلة تنشر أبحاثه التاريخية وقوائم الألفاظ والتراكيب التي يقرها، وتفسح المجال لمناقشات الجمهور واقتراحاته.
وقد نص المرسوم على أن " تتخذ وزارة المعارف العمومية كل الوسائل التي تكفل اتباع قرارات المجمع في أمر اللغة العربية وألفاظها وتراكيبها، وذلك بإذاعتها إذاعة واسعة، وباستعمالها بوجه خاص في مصالح الحكومة، وفي التعليم والكتب الدراسية المقررة ".
ونص المرسوم على أن يتكون المجمع من عشرين عضوًا عاملاً، يختارون من بين العلماء المعروفين بتبحرهم في اللغة العربية، أو بأبحاثهم في فقه هذه اللغة أو لهجاتها (14) ، من غير تقيد بالجنسية .
وملاحظ أن مبدأ عدم التقيد بالجنسية، في اختيار أعضاء المجمع العاملين، جعل المجمع المصري مؤسسة علمية لا تحفل بالاعتبارات السياسية أو العنصرية، وهو مبدأ لم يسبقه إليه مجمع آخر فيما نعلم .
وقد نشر المجمع المصري محاضر جلساته في الدورات الأربعة الأولى مرة في كل عام بدءًا من عام 1936م، أما محاضر دور الانعقاد الخامس فتأخرت إلى عام 1948م، بسبب الحرب العالمية الثانية، ثم استأنف المجمع نشر محاضر جلسات المجلس التالية ابتداء من عام 1970م، كما نشر المجمع مجموعة البحوث والمحاضرات الخاصة بمؤتمره منذ الدورة الخامسة والعشرين عام 1960م حتى الدورة السادسة والثلاثين عام1971م. وابتداء من الدورة السابعة والثلاثين عام 1971م قسمت أعمال المؤتمر إلى قسمين: الأول منهما يشتمل على محاضر الجلسات، والثاني يختص بالبحوث، ونُشِر القسمان في مجلد واحد، ما عدا أعمال مؤتمر الدورة السابعة والثلاثين فقد نشرت في مجلدين .
أما مجلته فكانت الأعداد الأولى منها حولية : ظهر العدد الأول منها عام 1934م، والرابع عام 1937م، أما العدد الخامس فقد ظهر في عام 1948م. وصدر بعده ثلاثة أعداد حتى عام 1955م، ثم عادت إلى الظهور مرة أخرى في كل عام لمدة عامين، وظهرت بعد ذلك بمعدل عددين في العام، ماعدا عامي 1968م و 1970م فقد ظهر في كل منهما عدد واحد من المجلة .
وأنشئ المجمع العلمي العراقي عام 1947م، وتألف من عشرة أعضاء، وعقد أولى جلساته في 12/1/1948م (15). وكان أول رئيس له هو محمد رضا الشبيبي. ونصت المادة الثانية من نظامه (16) على أن يقوم :
أ-بالعناية بسلامة اللغة العربية، والعمل على جعلها وافية بمطالب العلوم والفنون وشؤون الحياة الحاضرة .
ب-بالبحث والتأليف في آداب اللغة العربية، وفي تاريخ العرب والعراقيين ولغاتهم وعلومهم وحضارتهم .
ج-بدراسة علاقات الشعوب الإسلامية بنشر الثقافة العربية .
د-بحفظ المخطوطات والوثائق العربية النادرة، وإحيائها بالطبع والنشر على أحدث الطرق العلمية .
هـ-بالبحث في العلوم والفنون الحديثة، وتشجيع الترجمة والتأليف فيها، وبث الروح العلمية في البلاد .
وعمل هذا المجمع على نشر التراث العربي. ومن أهم مطبوعاته :
1-
تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي ( ثمانية أجزاء ) .
2-
خريدة القصر للعماد الأصبهاني (أربعة أجزاء ).
3-
تاريخ الأدب العربي في العراق لعباس العزاوي ( جزآن ) .
4-
صورة الأرض للشريف الإدريسي.
5-
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور لضياء الدين بن الأثير .
6-
تاريخ علم الفلك في العراق لعباس العزاوي .
كما قام بطبع معاجم المصطلحات التي أقرها، ومنها: مصطلحات في علوم الفضاء، ومصطلحات في السكك الحديدية، وفي علم التربة، وفي القانون الدستوري وغيرها .
ولازال هذا المجمع يتابع نشاطه. وقد صار رأيه ملزمًا لكل الأجهزة المعنية في العراق، التي يجب عليها الرجوع إليه وفقًا لقانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية الذي صدر عام 1977م.
وكان التفاهم بين المجامع اللغوية العربية، وتوحيد مناهج عملها في شؤون اللغة، ضروريًّا لتحقيق نهضة شاملة في مختلف المجالات اللغوية، حتى تساير اللغة العربية العصر وتلاحق تطوره. وعلى هذا فقد أوصى المؤتمر الأول للمجامع اللغوية العلمية العربية، المنعقد في دمشق عام 1956م، بتأسيس اتحاد للمجامع اللغوية العلمية، ينظم الاتصال بين المجامع العربية، وينسق أعمالها(17) .
وانعقد في القاهرة الاجتماع الأول لهذا الاتحاد عام 1957م؛ من أجل النظر في وضع نظام أساسي له. وجاء بالنظام الأساسي لاتحاد المجامع اللغوية العربية أنه يختص بتنظيم وسائل الاتصال بين المجامع اللغوية العلمية العربية وتنسيق جهودها، ووضع المشروعات التي تحقق أهدافه، ودراسة المصطلحات الحديثة التي ترد من المجامع، واقتراح توحيد المختلف عليه منها، إلى جانب تنظيم عقد مؤتمرات دورية للدراسات العربية والإسلامية، يشترك فيها أعضاء المجامع والعلماء المتخصصون (18) .
وانبثق المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي عن مؤتمر التعريب الأول المنعقد بالرباط عام 1961م. فقد أوصى المؤتمر الأول للتعريب بأن " ينشأ له مكتب دائم مقره المملكة المغربية – تحت إشراف الجامعة العربية – تمثل فيه جميع الدول العربية " (19) ، وينسق جهودها في ميدان التعريب . وقد عين السيد عبد العزيز بنعبد الله مديرًا عامًّا للمكتب منذ عام 1962م. ومن أهداف المكتب العمل على متابعة حركة التعريب خارج حدود الوطن العربي، والسعي إلى توحيد المصطلحات العلمية، ونشرها، وتعميمها، وإقرارها، والعمل على كشف ذخائر العربية واستيعاب كنوزها، ومحاربة الدخيل،وإحلال اللفظ العربي الأصيل محله(20) وتنسيق التعاون بينه وبين المجامع اللغوية والهيئات العلمية المختصة، وشُعَب التعريب في كل بلد عربي (21) .
وقد أصدر مجلة ( اللسان العربي) ، التي ظهر عددها الأول عام 1962م، كما أصدر سلسلة من المعاجم العلمية تضم مجموعات من المصطلحات في مجالات متعددة ، وما زال المكتب يتابع نشاطه في مختلف الاتجاهات .
وصدر قانون مجمع اللغة العربية الأردني عام 1976م، وينص على ألا يزيد عدد أعضائه العاملين عن عشرين عضوًا. وباشر المجمع عمله رسميًّا في 1/10/1976م (22). وكان أول رئيس له هو عيسى الناعوري. وقد بدأ المجمع عمله بخمسة أعضاء، وأصدر مجلته عام 1978م. وأقر العمل في المشروعات التالية :
1-
حصر المفردات المستعملة في المرحلة الابتدائية، ضمن مشروع توحيد هذه المفردات في العالم العربي. وقد أنجز هذا العمل بالتعاون مع الجامعة الأردنية .
2-
ترجمة الكتب العلمية الجامعية، ضمن حملة مركزة لأجل تعريب التعليم الجامعي.
3-
تعريب المصطلحات العلمية والفنية الأجنبية المستعملة في مختلف الدوائر والمرافق الحيوية في الأردن (23).
وقد صدر العدد الأول من المجلد الأول من مجلة المجمع الأردني في أوائل 1978م .
وصدر قانون إنشاء المجمع الجزائري للغة العربية في 19 أغسطس عام 1986م، وتم تنظيم إدارة المجمع بموجب المرسوم المؤرخ في 30 يونيه 1987م، وتنصيب المكتب التنفيذي له في 21 سبتمبر 1998م، وعين عبد الرحمن الحاج صالح رئيسًا له فـي 7 أكتوبر 2000م (24) .
وأهداف المجمع هي :
1.
خدمة اللغة الوطنية بالسعي إلى إثرائها وتنميتها وتطويرها .
2.
المحافظة على سلامة اللغة العربية والسهر على مواكبتها للعصر، باعتبارها لغة اختراع علمي وتكنولوجي .
3.
المساهمة في إشعاعها باعتبارها أداة إبداع في الآداب والفنون والعلوم.
ويضم هذا المجمع ثلاث لجان دائمة: إحداها للمعاجم والمصطلحات، والثانية للتأليف والترجمة والنشر، والأخيرة للتوثيق والتنشيط والاتصال .
وتقرر أن يصدر المجمع الجزائري مجلة دورية ينشر فيها إنتاج المجمع من مصطلحات وبحوث ودراسات تتعلق باللغة العربية وآدابها وفنونها وتراثها ومستجداتها، إلى جانب المقالات والمداخلات والمناقشات التي تجري خلال المؤتمرات والندوات العلمية والمتعلقة باللغة العربية (25).
وتم إعلان قيام مجمع اللغة العربية في الجماهيرية الليبية العربية الديمقراطية عام 2002م.
وعضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة لها شروط مميزة من حيث الكفاية العلمية والخبرة العميقة، ومن حيث مسوغات الترشيح للعضوية. ويتم الترشيح بتزكية كتابية من عضوين في الأقل، يشار فيها إلى الموقع العلمي للمرشح، ومجمل نشاطه وإنجازاته في إطار اهتمامه، وكل ما من شأنه أن يؤهل هذه التزكية للنظر. ويطرح الترشيح على المجلس للتصويت السري .
وتنقسم العضوية في مجمع القاهرة وغيره إلى عضوية عاملة و عضوية بالمراسلة، ولا تمنح هذه أو تلك إلا إذا تحققت شروط الترشيح والقبول المشار إليهما، وتعطى العضوية بالمراسلة للمواطنين وغيرهم. ولم يحدد قانون مجمع القاهرة سنًّا معينة للعضوية، ولم يفرق بين الرجال والنساء. وعلى الرغم من ذلك لم ينل العضوية إلا البالغون ستين سنة فما فوق إلا نادرًا، ولم يحظ العنصر النسائي حتى الآن بعضوية واحدة في هذا التاريخ الطويل.
وللعضو المراسل الحق في حضور المؤتمر السنوي العام والاشتراك في فعالياته، وله الحق في طرح بحوثه وأفكاره على المجمع أو لجانه ( دون حضوره) ، وفي نشر ما يود نشره بمجلة المجمع .
ويبلغ عدد الأعضاء العاملين الآن أربعين عضوًا من المصريين إلى جانب الأعضاء من غير المصريين. ويتم عمل المجمع من خلال لجان متخصصة، بلغ عددها ستًا وعشرين لجنة، ويعقد مؤتمرًا عالميًّا سنويًّا، يناقش المواد التي أعدتها اللجان في مختلف العلوم والفنون لإقرارها من أعضاء المؤتمر، في جلسات مغلقة ومقصورة على أعضاء المؤتمر.
ويحدد المجمع كل عام موضوعًا عامًّا ذا علاقة وثيقة بمسؤولياته في اللغة والثقافة، وذا نسب قريب بسياق الأحداث العلمية والفكرية والثقافية الجارية في المدة الزمنية التي تنتظم انعقاد المؤتمر. تقدم فيه بحوث ودراسات من المشتركين في هذا المؤتمر. وتناقش معظم البحوث والدراسات في الجلسات المغلقة، وقليل منها ما يحظى بعمومية الطرح على الجماهير في قاعة المحاضرات العامة، وكان الموضوع المختار هذا العام 2002 هو :" التأثير المتبادل بين الثقافات العربية والأجنبية " وجاء اختياره انعكاسًا لما يثار حول قضية (صراع الحضارات والثقافات ) .
وتجري التقاليد في مجمع اللغة العربية بالقاهرة على رصد جائزتين كل عام: إحداهما في الأدب وفنونه، والأخرى في تحقيق التراث العربي بكل ألوانه. وفي ذلك تشجيع للدارسين على الدرس والبحث العملي الجاد، إلى جانب التقاط كنوزنا العلمية والثقافية المطمورة في طيات التاريخ، وإخراجها إلى النور؛ لتستشف منها الأجيال الخبرة، وتقف على ما يحسب بمعيار العلم ثروة فكرية ذات خطر وبال. فضلاً عما يتحقق من توثيق الصلة بين المثقفين ومجمع اللغة العربية .
أما مسؤوليات المجمع فيمكن إجمالها فيما يلي :
1.
تنمية الثروة اللغوية لجعل اللغة قادرة على التعبير عن المصطلحات العلمية الحديثة، ومعطيات الحضارة وألفاظها، ومستجدات الفكر. وذلك في إطار المحافظة على سلامة اللغة العربية، وعدم الخروج على أبنيتها وأطرها العامة .
2.
دراسة اللهجات، وإعداد الأطالس اللغوية .
3.
العناية بالقضايا التعليمية والتطبيقية، كتيسير النحو والصرف، وتيسير الكتابة والإملاء. وبناء على ذلك اندرجت جهود المجمع ضمن أربعة أبواب رئيسة هي :
أ-محاولة الوفاء بحاجة اللغة العربية إلى المعاجم المتطورة، الوافية بما استقر في اللغة من الأوضاع المحدثة والتقنيات المعجمية الحديثة .
ب-وضع المصطلحات العلمية والحضارية والفنية .
ج- إحياء التراث القديم .
د-تيسير متن اللغة، وقواعدها وكتابتها.
التنمية اللغوية في نشاط المجامع العربية :
1-
الأبنية والتراكيب :
ساعد مجمع اللغة العربية المصري على زيادة الثروة اللغوية العربية بإقرار صيغ قياسية جديدة لبعض المعاني(26) ، والموافقة على توسيع قواعد الاشتقاق (27) والقياس (28) والتضمين(29) ، وإرساء مبدأ تكملة المواد اللغوية، التي وردت غير مكتملة في المعاجم (30)، بمصادر أخرى هي كتب الأدب والعلم والتاريخ، إلى جانب الاحتجاج بلفظ الحديث النبوي(31) في أحوال خاصة، مما كان له أكبر الأثر في اتساع حدود اللغة، وطواعيتها للتعبير عما يحتاج إليه العرب في حياتهم الحديثة .
ولم تنفرد المجامع اللغوية العربية الأخرى بإصدار قرارات علمية. وقد يرجع هذا إلى اكتفاء تلك المجامع بالاشتراك الفعلي لأبرز أعضائها في مجمع القاهرة، حيث يشتركون في مناقشة قراراته وإصدارها .
2-
المصطلحات العلمية :
كرست المجامع العربية جهودًا كبيرة لخدمة المصطلحات العلمية لتطويع اللغة للوفاء بحاجات العلم والحاجات العصرية والحضارية المختلفة، ولمعاونة الباحثين في التأليف العلمي باللغة العربية؛ حتي يمكن السير في طريق تعريب العلم، والدراسة العلمية باللغة العربية .
وقد كرس مجمع القاهرة 70% من نشاطه لجمع المصطلحات ومناقشتها وإقرارها.
أما المجمع السوري فقد اكتفى بجهود أعضائه الفردية، ولم يقم بتشكيل لجنة دائمة لدراسة المصطلحات إلا عام 1977م.
ونهج المجمع العراقي نهج المجمع المصري فوجه جهودًا كبيرة إلى المصطلحات.
وتركزت جهود مكتب تنسيق التعريب على هذا المجال، سواء في نشر المصطلحات أو المعاجم المتخصصة، التي أنجز عددًا كبيرًا منها .
3-
ألفاظ الحضارة :
صرف مجمع القاهرة جانبًا كبيرًا من وقتهفي البداية – في إيجاد كلمات عربية فصيحة، في ميدان الشؤون العامة، يحلها محل الكلمات الأجنبية الدخيلة، أو الألفاظ التي لا ترجع إلى أصل عربي فصيح، في ميدان الشؤون العامة – مثل الكلمات: (الطربال، الصرح، الأطم) التي أقر المجمع استخدامها للدلالة على كل بناء عالٍ، كالعمارات الشاهقة، وبخاصة ناطحات السحاب (32) ونشر قوائم المصطلحات الخاصة بشؤون الحياة العامة في الأعداد الأولى لمجلته ومحاضر جلساته، كما نشر بعضها في الصحف، حتى يطلع عليها الجمهور فيستخدمها بديلاً لما شاع من الألفاظ غير الفصيحة. ولكن ألفاظه لم تجد بين أفراد الشعب ما كان مقدرًا لها من الشيوع؛ فقد رفض الناس موقف المجمع الذي تمثل في مراقبة ما يدور على ألسنتهم، ثم إحلال كثير من الألفاظ المهجورة محل الكلمات التي تشيع بينهم. ولم يأبه الشعب بألفاظ المجمع على الرغم من فصاحتها، فلم يكتب لها الانتشار. ولم يجد المجمع بدًّا من ترك هذا الميدان.
ولكن كثيرًا من الكتاب لم يهملوا المصطلحات الحضارية، ولم يستسيغوا استعمال الأسماء الأجنبية لها، فوضعوا مقابلات عربية لتلك الأسماء. وهكذا نشأت كلمات فصيحة لتكافح كلمات أجنبية أو عامية كان سلطانها متغلبًا على أقلام الكتاب (33).
ثم كان للمجمع موقف آخر: فقد مال – بعد ذلك – إلى أن يسجل ما شاع من ألفاظ الحضارة ويجعلها من مظانها، ثم يهذبها ويقرَّ منها ما يرتضيه.وما لا سبيل إلى إقراره يدعه للزمن والاستعمال؛ كي يصلح من شأنه، ويقوِّم من عوجه (34). وكان من أعضائه الذين ارتبط اسمهم بألفاظ الحضارة محمود تيمور، الذي دأب على تسجيل ما استخدم من تلك الألفاظ في وسائل الإعلام أو الكتب، ثم تهذيبها وصقلها وعرضها على مؤتمر المجمع. وقد بدأ هذا المنهج في الدورة الثامنة عشرة عام 1952م، وعاد إليه في الدورة الحادية والعشرين عام 1955م، ثم دأب على ذلك سنويًّا بدءًا من مؤتمر الدورة الثالثة والعشرين عام 1957م حتى الدورة الثامنة والثلاثين عام 1972م. وقد ضم بعض ما جمع وصقل من ألفاظ الحضارة في معجمه الذي صدر عام 1961م، بعنوان ( معجم الحضارة ).
4-
دراسة اللهجات :
وفقًا لنص مرسوم إنشاء المجمع المصري شكلت- منذ بداية عمل المجمع – لجنة خاصة باللهجات، حددت ضمن أهداف عملها استقراء الألفاظ والتراكيب الدائرة على الألسنة في الأقطار العربية، وتسجيلها في معاجم وأطالس لغوية، واستقراء الروايات التي وردت من اللهجات العربية القديمة في أمهات الكتب العربية، وكذلك الدراسة المقارنة بين اللهجات العربية الحديثة. ولم تشر مطبوعات المجمع إلا إلى عدد من الدراسات والجهود الفردية في هذا المجال، مثل البحث الذي قدمه كارل نلينو عن ( دراسة اللهجات وأهميتها)، وبحث عيسى إسكندر المعلوف عن ( اللهجة والعامية في لبنان وسوريا)، وبحث خليل عساكر عن ( الأطلس اللغوي)، وبحث محمد فريد أبي حديد، بعنوان (موقف اللغة العربية العامية من اللغة العربية الفصحى)، وبحث عبد العزيز مطر عن ( خصائص اللهجة البدوية في إقليم ساحل مريوط)، وبحث أحمد علم الدين الجندي وعنوانه ( التميميون ومكانتهم في العربية )، ودراسة رمضان عبد التواب عن (اللهجة العامية المصرية في القرن الحادي عشر الهجري).
أما المجمع السوري فلم يحتوِ ( المنشور العام ) الذي صدر بتشكيله على إشارة لدراسة اللهجات؛ لذا نجده قد أهمل دراسة اللهجات، وعارض بعض أعضائه دراستها – عند بحث الموضوع في مجمع القاهرة – ويلحظ في تعليق أعضائه الاستخفاف باللهجات (35) .
ولم ينص قانون المجمع العراقي على دراسة اللهجات، ولم يكن بين اللجان التي شكلها لجنة لبحث اللهجات. ويبدو أنه كان يرى البحث في اللهجات عملاً لا يدخل ضمن أعمال المجمع، رغم إقرار أعضائه بفائدة هذه الدراسة للفصحى نفسها، واشتراك بعضهم (36) في إلقاء بحوث عن اللهجات (37).
أما مكتب تنسيق التعريب فقد أنشئ لغرض محدد، وليس من أهدافه دراسة اللهجات، وإن كان قد نشر بعض البحوث التي تعالج هذه الدارسة.
5-
القضايا التعليمية والتطبيقية :
أ-تيسير النحو والصرف:
كان لاتصال النحاة بالعلوم المختلفة أثر في تعقيد الدراسات النحوية والصرفية؛ فقد أخذ النحويون بأساليب غيرهم من العلماء، كالفقهاء والمناطقة، وغالوا في فلسفة النحو مما أدى إلى صعوبته .
وحاول عدد من المفكرين الإسهام في تيسير النحو بتأليف كتب، أو بوضع قواعد أساسية بسيطة لـه، ومنهم حفني ناصف (38)، وعلي الجارم(39)، وإبراهيم مصطفى (40) ، ومحمد كامل حسين (41) ، وتمام حسان (42) .
كما حاولت وزارة المعارف العمومية التصدي لقضية تيسير النحو، فألفت عام 1937م لجنة للبحث في تيسير قواعد النحو والصرف والبلاغة. ووضعت اللجنة تقريرًا يتضمن اقتراحاتها بشأن هذا التيسير وبعثت الوزارة هذا التقرير إلى المجمع، الذي تولى بحثه وأصدر قرارات وافق عليها مؤتمر المجمع، مع التنبيه على أن تؤلف الوزارة كتابًا يطبق فيه التيسير المقترح، ويعرض على مجلس المجمع لمراجعته واستكمال النقص فيه. وبعث المجمع بتقريره إلى الوزارة، مصحوبًا بدعوته إلى تأليف الكتاب، فلم تستجب الوزارة إلى دعوته، وألفت كتبًا لم تعرض على المجمع، وقامت بتدريس النحو الميسر في مصر وسوريا – أيام الوحدة – نحو عامين، ثم عدل عنه (43) .
وشكل المجمع لجنة لوضع كتاب في النحو على أساس قواعد التيسير التي أقرها مؤتمره، على أن يعرض الكتاب على المؤتمر قبل نشره، ولم تخطُ اللجنة أي خطوة في اتجاه تأليف الكتاب.
ولم تُشِرْ مطبوعات المجمع السوري إلى أنه اشترك في محاولات تيسير النحو .
أما المجمع العراقي فقد أسهم في تلك المحاولات بأن شكل لجنة أصدرت عددًا من التوصيات، تتصل مجموعة منها بالمبادئ التي ترتكز عليها محاولة التيسير، وتتعلق المجموعة الأخرى بمفردات المنهج النحوي وطريقة التأليف فيه (44) .
ولم يشترك مكتب تنسيق التعريب في محاولات التيسير إلا بطريق غير مباشر، حين نشر بعض البحوث التي تناولت هذا الموضوع (45) .
ب-تيسير الكتابة والإملاء :
ربط علماء العربية كتابة الحروف بعلم الصرف، كما في رسم الألف المقصورة، فقد رأوا أن الألف الثالثة تكتب ألفًا إذا كان أصلها واوًا، وتكتب ياء إذا كان أصلها ياءً، كما رأوا أن الألف الزائدة عن ثلاثة تكتب ياء. كما ربطوا الكتابة العربية بعلم النحو في عدد من المسائل، منها اتصال (لا) النافية بـ ( إنْ) الشرطية، نحو ( إلاَّ تفعلوه)، وبـ ( أنْ ) الناصبة، في مثل ( ألاَّ يتخذوا من دوني وكيلا ). وعدم اتصالها بـ (أنْ) المفسرة أو المخففة من الثقيلة، نحو ( أن لا تعلو عليَّ)و( أن لا تخافوا ولا تحزنوا). ومنها زيادة الألف بعد واو ضمير الجماعة في مثل (ضربوا) وعدم زيادتها بعد واو جمع المذكر السالم عند إضافته، مثل ( مسلمو المدينة ) .
وربط الكتابة العربية بعلمي الصرف والنحو يشكل صعوبة فيها؛ إذ يفترض في متعلم الكتابة معرفة الأصل الاشتقاقي للكلمة، أو معرفة معنى الحرف الذي يكتبه؛ حتى يمكنه أن يتبين الوجه الصحيح في الكتابة .
ومن أوجه صعوبات الكتابة العربية كتابة الهمزة: إذ يتشكل رسمها باختلاف موقعها من الكلمة وحركتها أو حركة ما قبلها. ومن أوجه صعوباتها أنها لا تعبر عن الحركات في بنية الكلمة، وتلجأ إلى الشكل لضبط الكلمات التي تؤدي إلى اللبس، مما يؤدي إلى حدوث الخطأ في القراءة إذا تغير موقع الحركة.
ومن صور اختلاف النطق عن الكتابة – مما يوقع الطفل في اللبس - الواو التي تثبت كتابة لا نطقًا، مثل (أولئك) و( عمرو) – إلا في حالة نصبه – وكذلك الواو التي تثبت نطقًا لا كتابة كما في مثل ( داود ) و (طاوس ) و ( هاون ) .
شغل مجمع القاهرة منذ إنشائه بتيسير الكتابة العربية، وتقدم ثلاثة من أعضائه بمقترحات حول هذا الموضوع. فقدم عبد العزيز فهمي – في يناير عام 1944م – مشروعه الخاص وهو استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية (46) . وفي فبراير عام 1944م عرض على الجارم مشروعه الخاص بتيسير الكتابة(47)، الذي اقترح فيه إبقاء صور الحروف العربية على حالها، ومحاولة تصوير الكلمة كما تنطق، بإضافة زوائد تكتب في بنية الكلمة للدلالة على الحركات. وفي مؤتمر يناير عام 1951م، اقترح محمود تيمور تسهيل شكل الكتابة المطبعية(48)، بالاقتصار على صورة واحدة للحروف، هي التي تقبل الاتصال من أول الكلمة، وذلك في الحروف التي تتصل بغيرها .
وأقرت لجنة تيسير الكتابة عام 1959م عددًا من القواعد لضبط الكلمات بالشكل في الكتب المدرسية. كما اتفق على أن تقوم طريقة تيسير الكتابة على أساسين :
1-
اختصار صور الحروف، بتمثيل الحرف بصورة واحدة، أيًّا كان موقعه من الكلمة .
2-
الاحتفاظ بطبيعة الخط العربي،
وتجنب المباعدة بين القديم والجديد .
كما شكل مجمع القاهرة لجنة للإملاء، حاولت معاجلة الصعوبات التي يواجهها المبتدئ في تعلم الإملاء، في تقرير عرض في عام 1948م على مؤتمر المجمع، الذي وافق على قواعد رسم الهمزة، وعلى فصل الأعداد من ثلاث إلى تسع عند إضافتها إلى مئة .
ج-كتابة الأعلام الأجنبية بحروف عربية :
انفرد مجمع القاهرة بتوجيه اهتمامه إلى هذه المشكلة، وذلك منذ أوائل سنيه، فشكل لجنة لبحثها(49)، وضعت قرارات أقر المجمع عددًا منها، ولم يؤخذ بهذه القرارات، ولم يلتزم بها إلا بعض المترجمين أحيانًا. ثم اقترحت قواعد(50)، وافق عليها المؤتمر، تفادت معظم المآخذ التي لوحظت على القرارات السابقة. وقد سار التعريب على هذه القواعد إلى حد كبير .
منجزات المجمع المصري :
يمكن أن نرصد منجزات المجمع فيما يلي :
أولاً – المعاجم اللغوية العامة :
1-
المعجم الوسيط. 2-المعجم الوجيز.
3-
معجم ألفاظ القرآن الكريم .
4-
المعجم الكبير ( صدر منة خمسة أجزاء ) .
5-
مقدمة المعجم اللغوي التاريخي (مع بداية حرف الهمزة ) لفيشر .
ثانيًا - المعاجم العلمية المتخصصة:
1-
المعجم الفلسفي .
2-
المعجم الجغرافي .
3-
معجم الفيزيقا النووية .
4-
معجم الفيزيقا الحديثة .
5-
معجم ألفاظ الحضارة والفنون .
6-
المعجم الجيولوجي .
7-
المعجم البيولوجي.
8-
المعجم الطبي .
9-
معجم الهيدرولوجيا ( علم المياه ).
10-
معجم علوم الأحياء والزراعة .
11-
معجم الصيدلة .
12-
معجم علم النفس .
13-
معجم الهندسة .
14-
معجم الحاسبات .
15-
معجم الموسيقا .
16-
معجم مصطلح الحديث النبوي.
17-
سلسلة من ( مجموعة المصطلحات العلمية والفنية والقانونية) التي أقرت في المجمع .
ثالثًا: إحياء التراث :
أصدر المجمع عددًا من الكتب في مجال إحياء التراث، هي :
1-
عجالة المبتدي وفضالة المنتهي للحازمي الهمداني .
2-
التكملة والذيل والصلة للصاغاني (ستة أجزاء ) .
3-
ديوان الأدب للفارابي ( أربعة أجزاء ).
4-
كتاب الأفعال للسرقسطي ( أربعة أجزاء ).
5-
كتاب الجيم للشيباني(أربعة أجزاء). 6-التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح لابن بري .
7-
كتاب غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام .
8-
التكملة والذيل والصلة للزبيدي .
رابعًا - القرارات العلمية :
أصدر المجمع قرارات في مختلف شؤون اللغة العربية، تضمنتها .
1-
مجموعة القرارات العلمية .
2-
في أصول اللغة ( ثلاثة أجزاء ).
3-
الألفاظ والأساليب ( ثلاثة أجزاء).
4-
مجموعة القرارات العلمية التي أصدرها المجمع في خمسين عامًا.
خامسًا - مجلة المجمع :
وهي دورية استقر أمرها على أن تكون نصف سنوية، صدر منها حتى الآن سبعة وثمانون عددًا.
ولا يخفى علينا أن معظم هذه الأعمال تحتاج إلى جهد دؤوب مخلص لإنجازها: فصناعة المعجمات اللغوية مثلاً تحتاج إلى معرفة واسعة وخبرة عميقة، لا يتحقق وجودهما إلا في خاصة الخاصة العارفين الذين يشكلون فيما بينهم منظومة عمل متناسقة الأدوار والمسؤوليات؛ حتى يخرج العلم وافيًا بالغرض، ملبيًا حاجة أصحاب اللغة في سهولة ويسر .
وصناعة المعجمات الاصطلاحية تحتاج إلى عمق معرفة بمختلف العلوم والفنون، إلى جانب القدرة على التعامل بصدق مع التخصصات المختلفة بلغاتها الأصلية، ذلك أن المصطلحات العلمية التي ينشغل بها المجمع أكثرها أجنبي، وليس التعامل معها مقصورًا على مجرد ترجمتها أو تعريبها، وإنما يمتد الأمر فيها إلى شرح مفاهيمها وتفسيرها تفسيرًا علميًّا دقيقًا، يفي بدلالاتها الخاصة في إطار موضوعها، وبتقريب هذه الدلالات نفسها إلى القارئ العربي، وتلك مهمة بالغة الصعوبة .
ومعاجم المصطلحات ذات أهمية كبيرة لخدمة التعريب، وخاصة في مجال التدريس الجامعي في كليات الطب وغيرها، وليس بخافٍ أن دراسة العلم باللغة القومية تسهل على الطالب استيعاب المادة العلمية؛ إذ تزيح عن كاهله عبء ترجمة المادة المقدمة له باللغة الأجنبية إلى لغته الأم أولاً، كي يستطيع فهم محتواها. والانشغال بالترجمة أولاً ثم الفهم، مما لا يتيح له التميز والنبوغ الذي يكون في مقدوره إذا ما درس المادة بلغته الأم.
وفي هذا العصر الذي تزاحم فيه اللغات الأجنبية اللغة العربية في عقر دارها، في كل مجالات الحياة : في التعليم العام، والجامعي، وفي الإعلام المسموع والمنظور والمقروء، وفي التدفق المتسارع لفيض المعلومات الناتج عن الثورة المعلوماتية، وفي لافتات الشارع، نجد أن مسؤولية المجامع اللغوية تتضاعف؛ كي تواجه طوفان هذا الزحف الأجنبي على أهم مقومات هويتنا وكياننا. وتحفظ لغتنا من الذوبان في هذا التيار الجارف .
والمجمع المصري يبذل جهدًا كبيرًا في ملاحقة ذلك التيار الدائم من الكلمات والعبارات المترجمة التي تشيع على الألسنة بعد دورانها في لغة الإعلام، ويبذل وسعه في تسجيل الظواهر اللغوية المحدثة، ثم يتتبع أقوال العلماء القدماء بصدد هذه الظاهرة، لكي يجد فيها منفذًا لإقرارها. ويتبع ذلك بإحصاء الأمثلة المروية لهذه الظاهرة من المعاجم المطولة . ثم يحاول جاهدًا إقـــرار الصيغة التي يأنس إليها الجمهور؛ حتى لا يصدم أبناء العربية في حسهم اللغوي .
ولاشك أن هذا العمل المتواصل غير المنقطع يحتاج إلى عدد كبير من شباب الباحثين الجادين، يشكلون فريق عمل متكاملاً متناغمًا، ترصد له المكافآت المناسبة؛ كي يبذل ما في طاقته لملاحقة التطور المتسارع في اللغة، وينفي عن المجمع تهمة البطء الشديد في العمل، التي كثيرًا ما توجه إلى المجمع .
وعدد الأعضاء العاملين، الذي لا يزيد على أربعين عضوًا قليل بالقياس إلى عدد لجان المجمع الذي يبلغ ستًا وعشرين لجنة. وزيادة عدد الأعضاء لازمة كي يتاح لهم الإشراف الفعلي على عمل اللجان، والمتابعة الجادة لعملها، وتفعيل هذا العمل وسرعة إنجازه .
التوصيات :
1.
العمل على أن تكون قرارات المجمع ملزمة للوزارات والهيئات والجامعات، عن طريق إصدار قانون يلزم الجهات المسؤولة بالأخذ بقرارات المجمع، كلاًّ فيما يخصه، والحرص على تفعيل هذا القانون .
2.
توسيع دائرة نشاط المجمع بحيث يتصل اتصالاً مباشرًا بالجهات المعنية والوزارات – وبخاصة وزارات التربية والتعليم، والتعليم العالي، والإعلام – ونقابة المعلمين، وهيئات التدريس؛ لصناعة جسور علمية تسهم في حل المشكلات اللغوية والأدبية .
3.
توثيق أواصر الصلات بين المجمع والهيئات والمؤسسات العلمية المهتمة باللغة العربية وقضاياها خارج الوطن.
4.
العمل على إصدار ( المعجم اللغوي التاريخي )، الذي نص مرسوم إنشاء المجمع على وضعه.
5.
تعزيز دور الإعلام في محاولة التقريب بين المجمع والمؤسسات الثقافية والجماهيرية، من خلال التعريف بجهود المجمع وأعماله، وتوسيع دائرة التعريف بأعمال المجمع من خلال موقع له على الشبكة العالمية "الإنترنت ".
6.
إنشاء مطبعة خاصة بالمجمع، وزيادة ميزانيته وإمكاناته، والعمل على استقلاله ماديًّا وإداريًّا.
7.
توسيع دائرة العضوية بالمجمع، وفتح الباب أمام الدماء الشابة والعنصر النسائي، وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية لأعضاء المجمع.
8.
إنشاء لجنة مستقلة للترجمة والتعريب، وتوسيع دوائر عمل اللجان حتى يمكن الاتصال بالمؤسسات الإعلامية لحثها على رصد أعمال المجمع والتعريف بها، ومتابعة تنفيذ القرارات ومعالجة أوجه القصور .
9.
العمل على توزيع مطبوعات المجمع أولاً بأول على الجماهير؛ لتوثيق صلته بهم، وتوسيع دائرة نشاطه الثقافي من خلال المحاضرات العامة والندوات، وطرح القضايا اللغوية والأدبية والثقافية العامة.
10.
زيادة الاهتمام بمجلة المجمع، وجعلها ربع سنوية، وتوسيع دائرة نشرها وتوزيعها.
هوامش البحث
(1)(
عيسى إسكندر المعلوف : المجامع العلمية في العالم ) – مجلة المجمع العلمي العربي – المجلد الأول -ص 104.
(2) (
اللغة العربية وعلوم العصر : عائشة عبد الرحمن ) –اللسان العربي – المجلد 13ص23 – "أبحاث ودراسات "-1976م.
(3)(
عبد القادر المغربي: مجامعنا اللغوية وأوضاعها )- محاضر جلسات مجمع اللغة العربية بالقاهرة – الدورة 14-ص381 – 2، وأيضًا مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة : ج7 – ص125، مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا – إبراهيم مدكور – ص 15.
(4)
عبد الله الجبوري : المجمع العلمي العراقي – ص 15 .
(5)
إبراهيم مدكور : مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا ( ماضيه وحاضره) – ص 16-17، محاضر جلسات مجمع اللغة العربية – الدورة14 – ص383.
(6)
من المنشور العام الذي صدر باسم رئيس المجمع العلمي في شهر أيلول عام 1919م – تاريخ المجمع العلمي العربي : أحمد الفتيحص 11.
(7)
المنشور العام السابق – تاريخ المجمع العلمي العربي : أحمد الفتيحص14-15، ومجلة المجمع العلمي بدمشق – المجلد الأول ص 6.
(8)
أحمد الفتيح : تاريخ المجمع العلمي العربي – ص 171، 175.
(9)(
عيسى إسكندر المعلوف: المجامع العلمية في العالم ) – مجلة المجمع العلمي العربي – المجلد الأول – ص105.
(10)(
محمد شمام: تاريخ المجامع اللغوية في العالم العربي )- ( اللسان العربي – المجلد 14-ج1ص 196 .
(11)
المرجع السابق : ج 1 – ص 197.
(12)
لم تعثر الباحثة على مرسوم بتغيير الاسم، ولكن المجلة صدرت بالاسم الجديد ابتداء من العدد السابع، المطبوع عام 1953 م.
(13)
مجلة مجمع اللغة العربية الملكي – ج1:ص6 ، 7.
(14)
مرسوم إنشاء المجمع،: مجلة مجمع اللغة العربية الملكي –ج1 –ص 6،7.
(15)
عبد الله الجبوري : المجمع العلمي العراقي – ص 44 .
(16)
مجلة المجمع العلمي العراقي- المجلد الأولص 3، وأيضًا المجمع العلمي العراقي – عبد الله الجبوري – ص 37.
(17)
مجلة المجمع العلمي بدمشق – المجلد 32 – ج1-ص222، مجلة المجمع العلمي العراقي – المجلد 4-ج 2ص738.
(18)
مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق – المجلد 32 –ج3 – ص 553-555، مجلة المجمع العراقي – المجلد 4 – ج2 – ص 743 وما بعدها.
(19)
مجلة اللسان العربيالمجلد 10 –ج2 – ص 23.
(20)
مجلة اللسان العربي – المجلد 10-ج2ص24.
(21)
المرجع السابق : المجلد 9- ج1-ص470.
(22)
مجمع اللغة العربية الأردني في عامه الأول ( من منشورات مجمع اللغة العربية الأردني ) : ص6 –7، اللسان العربيالمجلد 15-ج3 –ص21.
(23)
مجمع اللغة العربية الأردني في عامه الأول : ص10 –11.
(24)
النظام القانوني للمجمع الجزائري للغة العربية : صورة مرسلة بالناسوخ ( الفاكس ) .
(25)
المرجع السابق .
(26)
كما في صيغ اسم الآلة : مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا – مجموعة القرارات العلمية: ص34 –35، البحوث والمحاضراتمؤتمر الدورة 29 : ص 240، 256.
( 27)
محاضر الجلسات – دور الانعقاد الأول: ص 356، والثاني: ص 10.
(28)
محاضر جلسات الدورة 15 – ص 498، مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا – مجموعة القرارات العلمية : ص11، مجلة مجمع اللغة العربية : ج7ص302.
(29)
محاضر الجلسات – دور الانعقاد الأول – ص 236، مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا: مجموعة القرارات العلمية: ص 5.
(30)
مجلة مجمع اللغة العربية – ج3ص 211 وما بعدها، مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا – مجموعة القرارات العلمية : ص18 – 20 ، مجلة مجمع اللغة العربية الملكي –ج2 – ص32.
(31)
محاضر جلسات الدورة الرابعة – ص 433، 434، ومجلة مجمع فؤاد الأول : ج4-ص7.
(32)
محاضر الجلسات – مجمع اللغة العربية الملكي – الدورة الثانية : ص 30.
(33)
محمود تيمور : معجم الحضارةص6.
(34)
إبراهيم مدكور: مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا : ماضيه وحاضرهص 59 – 60.
(35)
مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق: المجلد 52- ص 466 .
(36)
منهم محمد رضا الشبيبي الذي نشر( أصول ألفاظ اللهجة العراقية) ببغداد عام 1956 م.
(37)
محاضر الجلسات – مجمع القاهرة – الدورة 15:ص449 .
(38)
الذي ألف كتبًا لتعليم النحو تحت عنواني (الدروس النحوية) عام1886م، و(قواعد اللغة العربية) عام 1891م.
(39)
الذي ألف مع مصطفى أمين كتاب ( النحو الواضح ) من ثلاثة أجزاء، في أواخر العقد الثالث من القرن العشرين.
(40)
الذي ألف كتاب ( إحياء النحو ) في عام 1936م.
(41)
حاول أن ييسر دراسة النحو بوضع قواعد بسيطة له ، ضمنها بحثه (النحو المعقول) : مجلة مجمع اللغة العربية – ج 27 – ص 24 –59.
(42)
الذي ألف كتاب ( اللغة العربية معناها ومبناها ) .
(43)
مجمع اللغة العربية: ماضيه وحاضرهص80.
(44)
مجلة المجمع العلمي العراقي – المجلد 27 – ص317 –318.
(45)
منها بحث تمام حسان المشار إليه: اللسان العربي – المجلد 11 –ج1-ص285 .
(46)
محاضر الجلسات – الدورة 10 – ص 275 – 312 ، محاضر الجلسات – الدورة 19 – ص80، 360.
(47)
محاضر الجلسات – الدورة 19 – ص80، 360.
(48)
محاضر الجلسات – الدورة 17 – ص513 –517 .
(49)
من الشيخ الإسكندري، والأب أنستاس ماري الكرملي، والأساتذة ماسينيون، ونلينو، وليتمان / محاضر الجلسات – دور الانعقاد الثالث – ص32 ، 37 .
(50)
البحوث والمحاضرات – مؤتمر الدورة 30 – ص236 – 238.
* * *

ثبت المراجع
أولاً - الكتب المطبوعة :
-
إبراهيم بيومي مدكور :
مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا ( ماضيه وحاضره )- الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميريةالقاهرة – 1964 م.
أحمد الفتيح :
تاريخ المجمع العلمي العربي (مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق ) – مطبعة الترقي – 1956م.
تمام حسان :
اللغة العربية معناها ومبناها – الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1973م.
عبد الله الجبوري :
المجمع العلمي العراقي – مطبعة العاني – بغداد 1965 م.
علي الجارم :
النحو الواضح – مطبعة المعارف – القاهرة – ط2 –1931 م.
محمود تيمور :
معجم الحضارة – المطبعة النموذجية – القاهرة – 1961م.
ثانيًا - الدوريات :
اللسان العربي :
-
المجلد 9- ج 1- المكتب الدائم لتنسيق التعريب – الرباط –1972م.
-
المجلد 10 – ج 2 – المكتب الدائم لتنسيق التعريب – الرباط –1973م.
-
المجلد 11 – ج1 – المكتب الدائم لتنسيق التعريب – الرباط –1974م.
-
المجلد 13 – " أبحاث ودراسات " – المكتب الدائم لتنسيق التعريبالرباط –1976 م.
-
المجلد 14 – ج 1 – المكتب الدائم لتنسيق التعريب – الرباط – 1976م.
-
المجلد 15 – ج 3 – المكتب الدائم لتنسيق التعريب – الرباط – 1977م.
-
مجمع اللغة العربية الأردني في عامه الأول – مطبعة التوفيق – عمان – ب. ت .
-
مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق – المجلد الأول – الطبعة الثانية – دمشق 1969م.
-
مجلة مجمع العلمي العربي بدمشق – المجلد 32 – دمشق 1957م.
-
مجلة المجمع اللغة العربية بدمشق : المجلد 52 – ج 2 – دمشق 1977 م.
-
مجلة المجمع العلمي العراقي – المجلد الأول – بغداد – 1950م.
-
مجلة المجمع العلمي العراقيالمجلد 4 – ج 2 – بغداد – 1953 م.
-
مجلة المجمع العلمي العراقي- المجلد 27مطبعة العلمي العراقي – بغداد 1976 م.
مطبوعات مجمع اللغة العربية بالقاهرة :
-
البحوث والمحاضرات – مؤتمر الدورة 29 – القاهرة 1964م.
-
البحوث والمحاضراتمؤتمر الدورة 30 – القاهرة 1965م.
-
مجلة مجمع اللغة الملكي – ج 1- المطبعة الأميرية – القاهرة 1935م.
-
مجلة مجمع اللغة العربية الملكي– ج2 – المطبعة الأميرية – القاهرة 1936م.
-
مجلة مجمع اللغة العربية – ج 3 – المطبعة الأميريةالقاهرة 1937م.
-
مجلة مجمع فؤاد الأول : ج4 –المطبعة الأميرية – القاهرة 1939م.
-
مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة : ج7 – مطبعة وزارة المعارف العمومية 1953م.
-
مجلة مجمع اللغة العربية – ج27 – الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميريةالقاهرة 1971 م.
-
مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا ( مجموعة القرارات العلمية) – مطبعة الكيلاني – ط 2 – القاهرة 1971م.
-
محاضر الجلسات – دورة الانعقاد الأولى – المطبعة الأميرية – القاهرة 1936م .
-
محاضر الجلسات – دورة الانعقاد الثانية – المطبعة الأميرية – القاهرة 1937م.
-
محاضر الجلسات – دورة الانعقاد
الثالثة – المطبعة الأميرية – القاهرة 1938م.
-
محاضر الجلساتدورة الانعقاد الرابعة – دار الطباعة المصرية – القاهرة 1939م.
-
محاضر الجلساتدورة 10 – مطبعة الكيلاني – 1970 م.
-
محاضر الجلسات – دورة 14 – الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية – القاهرة 1972 م.
-
محاضر الجلسات – دورة 15 – الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية – القاهرة 1973 م.
-
محاضر الجلسات – دورة 17الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية – القاهرة 1975 م .
-
محاضر الجلسات – دورة 19 – الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية – القاهرة 1977 م.
-
النظام القانوني للمجمع الجزائري للغة العربية .
وفاء كامل فايد
كلية الآداب - جامعة القاهرة

ليست هناك تعليقات: