.

2015/02/12

اللهجة والهوية الثقافية

 (مادة مرشحة للفوز بمسابقة كاتب الألوكة الثانية)

تَوطِئةٌ:
يُعالِج هذا المقالُ اللَّهجَة والهُوِيَّة الثقافية، أو الطريقة التي تعشق بها اللغة في حياة الجماعة الإنسانية، بحيث يتخلَّق من هذا التعشُّقِ هُوِيَّةٌ مميِّزةٌ للجماعةِ، ذات نموذجٍ صوتيٍّ مختلفٍ وحامٍ لها، من خلالِ سياج العادات الصوتية لأعضاء الجماعةِ - الذي هو اللهجة - ونَعرِض فيه للطريقِ الذي سلكته الاختلافاتُ الصوتيةُ لتُصبِح رموزًا للاختلافاتِ الثقافية، ويَطمَح المقالُ من خلالِ أقسامِه الثلاثة:  الاختلافات الصوتية والثقافية، والصوت والمعنى، واللهجة والثقافة، يَطمَح إلي إبرازِ أهميةِ النظرِ، من خلال النظرِ إلي اللهجة باعتبارِها مستوًى مغايرًا من مستوياتِ اللغة، وليس باعتبارِها انحرافًا عن المقياسِ الطبيعي الذي هو اللغة، وبوصفِها جزءًا من هُوِيَّة الجماعة الناطقةِ بها، وليس منفصلاً عنها.


1- الاختلافات الصوتية والثقافة:
التعريف الأوَّلي للغة يُشِير إلي أنها ليست عملاً تُنتِجه الأعضاءُ البيولوجيةُ في الجسمِ: الحنجرة والأحبال الصوتية، والحلق، والأنف، أو نحوٍ وصرفٍ ومعجم، إنما هي طاقةٌ "Energy"، كما يقول "فون هامبولت"، ومقدرةٌ إبداعيةٌ في عقلِ كلِّ متكلِّم، كما يَذهَب "ناعوم شومسكي"، أنها جانبٌ جوهريٌّ من جوانبِ الوجودِ البشريِّ؛ حيث تَنبَثِق من عمقِ المجتمعِ أو التجمُّع الإنساني، فهي ليست تلفُّظًا، بل هي توالُدُ ما يُسمَع عبرَ التبادُلِ الاجتماعيِّ بشِقَّيه: الفهم والتحدُّث، وهما وجها القابليةِ اللُّغَوِية، التي هي حضورٌ في النفس بكلِّ ما تَملِكه من نشاط، فاستيعابُ الكلماتِ أمرٌ مختلِف تمامًا عن إدراك الأصوات بوضوح، والحديثُ الجَمْعِيُّ شيءٌ مختلِف أيضًا عن الانتباهِ المشترَك من خلالِ السَّعة اللُّغَوِية المشتركة؛ فالقابِليَّة اللُّغَوِيَّة تتضمَّن اتفاقًا أكبرَ من مجرَّد صرخةِ أصواتٍ مشتركة الموضوعات.

فما إن يوجَد المرءُ حتى يوظَّف إنسانيًّا "Humanization" ولُغَوِيًّا، فهو يَنشَأ مع أقرانِه، وينظِّم العادات، ويَضَع لنفسِه القوانين، ولما كان ذلك يَحدُث بقصورٍ واضحٍ؛ فإن الأفرادَ والجماعاتِ تَخلُق ما تَرَاه محقِّقًا لنجاحِها، ومن ثَمَّ فقد تطوَّر المَنبَت الأساسي للإنسانِ، والمَطلَبُ الطبيعيُّ للإنسانية هو توظيفُ القُوَى الطبيعية للنشاط الإنساني؛ لذلك فإن إنتاجَ اللغة هو احتياجٌ بشريٌّ داخليٌّ، وليس وسيلةً خارجيةً للتواصلِ، بل ضرورة للطبيعةِ الإنسانية وضرورة لطاقتِها الروحيةِ، وأن اللغة بذلك تكون مقدرةً عامَّة لَدَى جماعتِها، ومهما أثمرت الأفعال الفردية الكلامية من تفصيلاتٍ، فإنها تبقى في حاجةٍ إلى نموذجٍ يَجعَلها مدرِكةً لنا جميعًا، وإذا كانت الكلماتُ هي التي تحقِّق للغة وجودَها الواقعي، كما يذهب "دوسوسير"، فإن النطق هو الذي يَهَبُ الكلماتِ: هيئتَها وأهميتَها وروحَها، ومتى كانت هناك ملائمةٌ بين الصوتِ وعملياتِ الروح؛ فإن اللغةَ تَمنَحُنَا إمكانيةَ تشكيلِ هذه الملائمةِ عن طريقِ عددٍ لا مُتَنَاهٍ من الأصواتِ، بحيث تَنسَجِم مع المشاعرِ والأعرافِ.

إن اللغة بذلك يُمكِن تقسيمُها إلى هيئتينِ:  الأولى خارجية "Outer Form"، والمقصود بها: المادَّة الخامُ، أو الأصواتُ التي تشكِّلها اللغاتُ المختلفة.

والثانية داخليةٌ "Inner Form"، والمقصود بها النموذجُ، أو البِنيَة الدِّلالية والنَّحْوية للغة بعينها، التي تَنهَض عليها الهيئة الأولى، وهذا النموذجُ أمرٌ مشترَك لَدَى الجنسِ البشري، وقائمٌ على المؤهِّلات العقليةِ للإنسان، غيرَ أن كلَّ لغةٍ تتميَّز وتتفرَّد بشكلٍ خاصٍّ من الهيئةِ الداخلية، وهو الشكلُ الذي يميِّزها عن بقيةِ اللغات، ويحدِّد ويحكم تركيبَها المقطعي، ونَحوَها، ومعجمَها، فهذه الهيئةُ الداخليةُ ثابتةٌ؛ لأنها تقدِّم النقطة التي صارت عندها اللغةُ منظمةً تمامًا، وهي صلبةٌ أيضًا؛ لأن الفردَ أقلُّ قوَّةً من أن يغيِّر عاداتِ الجماعةِ اللُّغَوِية التي يَنتَسِب إليها، تقابلُها هيئةٌ سائلةٌ من الأصوات تتشكَّل بفعلِ الأولى أفعالاً كلاميَّة دالَّة ومنمطةً في خبراتِ الأفرادِ بطريقةٍ لاشعوريةٍ؛ فالمتكلِّم إن كان يُدرِك صوتَه، فإنه لا يَعِي قوانين لغتِه، أو يشعر بمجرى العملية اللُّغَوِية، وإن كان يُدرِك سلوكه، فإنه لا يَعِي أيضًا تصنيفاتِ ثقافتِه، ومن ثَمَّ فإن هناك تمييزًا بين قوانينِ اللغةِ، والكلامِ الملفوظِ، وهناك تمييزٌ موازٍ بين تصنيفاتِ الثقافةِ، والسلوك المفرَدِ، بحيث تكونُ تصنيفاتُ الثقافةِ لاشعوريةً عبرَ القوانين اللاشعوريةِ للغة، التي تمثِّل الطريقة التي يُصبِح فيها العُرْف والعادةُ آليًا في الواقع، ولاشعوريًّا في العقول الفردية.

إن الصوت "Sound" هو الفاعلُ الرئيس الذي يَربِط بين اللغةِ والثقافةِ، والدالُّ الأوَّلُ على هذه العَلاقةِ، إنه يَحمِل الدلالاتِ والرموزَ الثقافيةَ، والعاداتِ اللُّغَوِيةَ الخاصَّةَ، ومن ثَمَّ فهو يَختَلِف  من لغةٍ لأخرى، ومن ثقافةٍ لأخرى؛ فكلُّ لغةٍ توظِّف عددًا محددًا من الأصواتِ لتشكيلِ نسقًا من "الفونيمات"، ويُنتَخَب هذا العددُ من توافقاتٍ لا نهائيةٍ للعناصر الصوتية، بحيث يَرتَبِط العددُ المنتَخَب من الأصواتِ بعددٍ محدَّدٍ مماثِلٍ من الأفكارِ الواضحةِ، وعلى الرغمِ من التنوُّعِ العظيم لمدى الخبرةِ الفردية؛ فإن العقلَ البشري يصنِّف الخبرات وفقًا لتشابهاتِها - رغم عدمِ وجودِ حالتينِ متطابقتينِ - في مجموعاتٍ عريضة أو ضيِّقة، تحدِّدها زوايا الرؤية الثقافية أو الاهتمامات الثقافية لشعب ما، ولما كان المدى الكليُّ للخبرةِ الفرديةِ - التي توضِّحها اللغة - متنوعًا للغايةِ، ومجالُ الخبرةِ الكلي يَنبَغِي أن يوضِّحه عددٌ محدَّد من المجموعاتِ الصوتيةِ؛ فمن الواضحِ أن التصنيفَ الوافي للخبراتِ يؤسِّس بالضرورةِ كلَّ الكلامِ الملفوظِ.

والعددُ المحدودُ من المجموعاتِ الصوتيةِ الذي يميِّز الأفكارَ، إنما هو تعبيرٌ عن حقيقةٍ سيكولوجية، وهي أن الخبراتِ الفرديةَ المختلفةَ كثيرٌ منها يَبدُو لنا كنموذجٍ لنفسِ الفئةِ من التفكيرِ.

2- الصوت والمعنى:
لقد نشأ الترابطُ الرَّمزِي بين الصوتِ والمعنى، عندما تحدَّدت دلالةُ الكلمةِ التي تُحِيل إلي الرمزِ في سياقٍ اتفاقي جَمْعِي علي عملية الإسنادِ، وفي حضورِ إمكانيةِ دَمْجِ التجارب اللانهائيةِ للمُسنَد إليه في وَحْدةٍ واحدةٍ، إن العَلاقةَ بين الكلمةِ ذات المعنى - أو بين "المورفيم" - والمعنى المستمرِّ المُضمَّن فيه، هي عَلاقة ثابتةٌ وغيرُ قابلةٍ للفصمِ، حيث تأتي في شكلِ منتجاتٍ يوظِّفها  متحدِّث اللغةِ في نَسَقٍ يُبنَى جماليًّا ووظيفيًّا على الإشباعِ الذي تحقِّقه تتابعاتُ الرمزِ خارجَ الوحداتِ نظريًّا؛ فاللغةُ ذاتُ بينةٍ دلاليةٍ تَنهَض علي الاختيارِ اللاشعوري لعددٍ ثابتٍ من المواقِف "الفوناتيكية"، أو وحدات الصوت، وفي كلِّ اللغات المعروفة تُبنَى "الفونيمات" علي التمييز والتوالي الاعتباطي، الذي يتَّخِذه فورًا المتحدِّثون كرموزٍ دالَّة للإسنادِ.

إن اللغة تحقِّق إسنادَها الدلالي عبرَ الارتباطِ التامِّ، أو الالتصاقِ الاعتباطي بين الوَحْدَات "الفونيمية" ونَسَق الرموز من ناحيةٍ، وبين الحقائقِ من ناحيةٍ مقابِلةٍ، فإذا كانت "الفونيمات" هي الوحدات الوظيفية في اللغةِ؛ فإن الوحداتِ الرمزيةَ هي تجمُّعاتٍ إصلاحيةٍ لهذه "الفونيمات"، هذا من ناحيةٍ، ومن الناحيةِ المقابِلةِ ليست هناك وَحداتٌ ممكنةٌ شكلاً ومضمونًا، متى لم يَنشَأ شعورٌ بترميزِ المعاني الحقيقية.

ومن ثَمَّ فإن الإسنادَ هنا يَدمِج بين الرمزِ والحقيقة، وبين الرمزِ و"الفونيم"، أو "الفونيم" والحقيقة، بحيث يُستدَلُّ من أحدِها على الآخرِ؛ إذ إن "الفونيم" يُحِيل إلى الرمز، والرمز يُحِيل إلي الحقيقة الموضوعية، وقوانينُ هذه البِنيَة الآلية متباينةٌ للغايةِ بين اللغات، وشروطُها محكومةٌ بالآلياتِ "الفونيمية" لكلِّ لغةٍ علي حِدَةٍ، ولذلك من الصعب على المرء أن يخلُقَ تمييزًا مكتملاً بين الحقيقةِ الموضوعيةِ ورموزنا اللُّغَوِية التي تشير إليها من ناحية، وبين المواقِف والأشياء والأحداث التي يَشعُر بها المرء وَفقَ مصطلحاتِها  من ناحيةٍ أخرى؛ فإن كلِّ خبرةٍ ظاهرة أو كامنةٍ،  تكون مُشبعَة باللفظيةِ.

إن الرمزَ يكون دومًا بديلاً لنمطٍ من السلوكِ، بحيث يَعنِي ذلك: أن كلَّ الرمزية تتضمَّن المعاني التي لا يمكن أن تَنطلِق مباشَرةً من سياقِ الخبرةِ. وقد أسِّست رموزُ الإسنادِ على الاتفاقِ الجَمْعِي على استنباطِها من الشيءِ الذي يُسنَد إليها، واتَّخذت قوَّتَها من الخاصِّيةِ العاطفيةِ، التي اكتسبتها وتشبَّعت بها، وتطوَّرت عبر التعقُّد المتزايدِ، والتجانس المتزايدِ للمادَّة الرمزية.

وعبر جوانبِ الخبرةِ المعقَّدة مع رموزِها الملائمةِ من الإسنادِ - يَنشَأ المجازً "Metaphor"، الذي هو إعادةُ تأويلِ الموقفِ الثقافي عبرَ رموزِ الإسناد، والكلامُ هو امتزاجٌ بين نماذجِ الإسنادِ ونماذجِ التعبيرِ "patterns of expression"؛ ذلك أن المضمونَ البحتَ للكلامِ لا يَكفِي لإقناعِ الآخرِ بمقصدِ المتحدِّث قدرَ ما يكونُ لنموذجِ التعبير؛ أي: إن ما يقال ليس بقدرِ الأهمية التي للكيفيَّة التي قيل بها، وفي نفسِ الوقتِ يَخضَع اختيارُ الكلماتِ لسياقِ المتحدِّث، بحيث يُمكِن القول: إن للرسالةِ الواحدةِ تأويلاتٍ متعدِّدةً ومختلفة، تَخضَع لهذا السياقِ النفسي والاجتماعي؛ فالكلام هو:  "نماذجُ شكليَّة تعبيريَّة مباشرة من: الأصواتِ، والكلماتِ، والصيغ النَّحْوِية، والعِبَارات، والجُمَل، القابِلة دومًا للإدراكِ، كتركيبٍ من الرموزِ التعبيرية المقصودةِ وغيرِ المقصودةِ.

ونفسُ الرسالةِ الخارجيةِ، قد تؤوَّل بطرقٍ مختلِفةٍ وفقًا لموقِف المتحدِّث في عَلاقاته الشخصية.

وعلى الرغمِ من الحقيقةِ القائلة: إن تقنياتِ الفهمِ الدالِّ بين البشر معقَّدةٌ داخلَ حدودِ كلِّ ثقافة، وإن بعضَ ضروبِ الاتصالِ المؤثِّرة تتمُّ دون كلامٍ؛ فإن اللغة هي النمطُ الأكثرُ وضوحًا للسلوكِ الاتصالي؛ ذلك لكونِها الجهازَ المرجعيَّ الكاملَ للرموزِ الصوتية، حيث تَحوِي كلَّ البيانات التي يُقِرُّها الإدراكُ.

فنَسَقها الرمزي والصوتي - الذي يشمَل الأداءَ الصوتي - يَرتَبِط عشوائيًا مع نَسَق حركي جَسَدي متَّفق على دَلالاتِه، بحيث يعمِّق الفاعلية التي قد تَنهَض على أحدِهما بمفردِه، غير أن العملياتِ الحركيةَ والمشاعرَ الحركيةَ المرافقةَ، ما هي إلا طرائقُ وأدواتٌ تؤدِّي إلى السيطرةِ على الإحساسِ السمعي عند المتكلِّم والسامع معًا، ويتمُّ الاتصال من خلالِ ترجمة الإحساسات السمعية عند السامعِ إلى تيَّارٍ مناسِب ومقصود من التخيلِ والتفكير، أو من كليهما، والتوافقُ بين التخيُّل السمعي الأوَّلي والإحساساتِ السمعية الأخيرة هو الكفيلُ الاجتماعي لإنجاح هذه العمليةِ، وبالطبع فإن هذه العمليةَ تتعرَّض دومًا لكثيرٍ من التعديلاتِ دون المَسَاس بشروطِها الأساسية.

إن تقليدَ السلوكِ الصريحِ هو الشرطُ الابتدائي لتمسُّكِ المجتمع،  ومن ثَمَّ فإن وظيفةَ اللغةِ هنا تتركَّز في إبرازِ وتسويغِ المحتوى الكلي لهذه السلوكياتِ في خبرةِ الفردِ الاجتماعية المتنامية.

إن التقليدَ يكون دومًا ذا قيمةٍ ارتجاعية لاتصالٍ ما؛ فعندما يتعلَّم المرء أن يَذهَب للمسجد أو للكنيسة، فذلك لأن بقيَّةَ أعضاءِ المجتمعِ يحافظون على هذا النوعِ من النشاط، فكأن اتصالاً ما قد تمَّ استقبالُه والرد عليه.

إن السببَ وراء هذا التفرُّدِ الذي تَختَصُّ به اللغةُ دون بقيَّة الأنساقِ الرمزية هو: أنها تُعلَّّم في السنوات المبكِّرة من الطفولة، وحيث كونُها تعدُّ العنصرَ المألوفَ الوحيدَ الأكثرَ فاعليةً في تنشئةِ الفرد، فإنها تَمُدُّه: بالقوَّةِ الأساسية للصوت، والنماذجِ الصوتية للكلامِ، وسرعةِ النطق ونعومتِه، والسلامةِ الأسلوبية، وسرعةِ استجابة الكلمات لشروط البيئة الاجتماعية؛ فتُصبِح بذلك رمزًا فذًّا للخبرةِ، بحيث يَصعُب تحقيقُ اتصالٍ اجتماعي دالٍّ بدونِها.

الأمرُ الذي يَجعَلُها رمزًا قويًّا للتضامنِ الاجتماعي يحقِّق الألفةَ بين الأعضاء - أعضاء كلِّ جماعةٍ من الجماعات - وجمعهم في وَحْدَة نفسية واحدة، وخلق الوسائلِ والتعبيرات البديلةِ لتحقيق قدرٍ أكبرَ من التكيُّف مع بيئتهم.

3- اللهجة والثقافة:
تَنقسِم الظاهرة اللُّغَوِية إلي ثلاثةِ مستويات: يأتي أولاً: المستوى الفيزيقي، الذي هو المستوى الأساسي العَمِيق للظاهرة الصوتية؛ أي: الوحدة الصوتية، إذ تُفعَّل موجات الصوت بكيفية تحقِّق مستوى من التنميط المعتاد، والآلي لتموُّج العضلاتِ وأعضاء الكلام.

ثم يليه المستوى "الفسيولوجي" الصوتي؛ أي: المستوي "الفونيمي".

ثم يَلِيه المستوى الصرفي، أو "المرفولوجي"، المسؤول عن تنميطِ مجموعةٍ من الأصوات الساكنةِ، واللينةِ، والنبراتِ... إلخ.

وإذ تتَّحِد بذلك كافَّة المستويات السابقة، وتَظهَر في هيئةِ كلماتٍ؛ فإن المعنى أو الإحساس لا يَنتُج عن الكلمةِ أو "المرفيم"، بل يَنتُج عن الروابطِ المنمطة، والخفيَّة بين الكلمات أو "المرفيمات"؛ فالكلماتُ أو "المرفيمات" هي مجرَّد انعكاسات حركية، أما الروابطُ بينها، فهي التي تَخلُق المقولاتِ، أو الوحدات النَّحْوِيَّة "Categories"، وتَخلُق أيضًا الأنماطَ التي يتحقَّق بها المعنى اللغوي؛ ذلك لأنها متوافِقة مع العملياتِ العصبية، ومع نمطٍ غيرِ حَرَكِي صامتٍ وخَفِي.

إن هذه الرابطةَ تكوِّن الجوهرَ الحقيقي للمعنى، مثلما تكوِّن الجوهرَ اللُّغَوِي، وقد شكَّل هذا المنظورُ أساسَ النسبية اللُّغَوِية كلِّها؛ فهو يُفضِي إلى أن التبايُنَ اللُّغَوِي إنما هو التباينُ في هذه الروابطِ القائمة بين الكلمات، وأن التباينَ الثقافي هو تباينٌ في معاني هذه الروابطِ ودَلالاتِها الثقافية.

وإذا كانت المعاني قد نمطت في الخبرة، وفقًا لتشابهاتِها كما ذهب "بواس"؛ فإن هذه التشابُهاتِ هي تشابهاتٌ صوتيةٌ، أو اصطلاحية، أو لُغَوِيَّة، ومن ثَمَّ فإن التحدُّث يَكمُن في تلك الروابط التي تشكَّلت في هيئةِ عاداتٍ كلامية وصوتيةٍ مرمَّزة في الخبرة، بحيث تتحقَّق العاداتُ الدِّلاليةُ العُرْفِية، من خلالِ التركيب الإجمالي لقولِ المتحدِّث، عندما تتفاعل المستويات اللُّغَوِية بالكيفيةِ التي يَستَطِيع بها المستَمِع - لاشعوريًّا - تفكيكَ رموزِها متخذًا الطريقَ العكسي لقول المتحدِّث وصولاً إلى المعنى الدالِّ لحديثِه.

يُفضِي هذا التحليلُ إلى أن اللغةَ هي الوسيطُ بين العُرْف والإنسان، أو بين الثقافةِ والفردِ، عن طريقِ تنميطِها اللاشعوري، لموضوعاتِ واهتماماتِ الثقافة، بصياغتِها في مجموعاتٍ صوتيةٍ محدَّدةٍ، وفي جوانب خبرة محدَّدة صارت مقولاتُ الثقافةِ مألوفةً للمنغمِسِ فيها، بل وذات تدعيمٍ عاطفي منهم، بما يَعنِي: أن الكلمات والعبارات هي رموزٌ للأوضاعِ الثقافية، وأن إمكانيةَ الرمزِ لبعض الأشياء في بعض اللغات تكون أكثرَ من غيرِها في لغاتٍ أخرى، وفي المقابلِ يَعنِي أيضًا: أن الكلماتِ لديها نفسُ الإغراءِ العاطفي الذي يميِّز الرموزَ التي تُحِيل إليها فكلمات مثل: "شيخ مسجد، أو شيخ قبيلة، أو قِس، أو غيرها"، إنما هي مصطلحاتٌ تقدِّم تعبيرًا مختصرًا عن التنظيم السياسي والديني، وتَملِك من القوَّة ما يجعلُها قادرةً علي إثارةِ مشاعرِ الناس؛ دون إحالةٍ كبرى إلي محتوياتِ تغيرِ المصطلح.

وبفعلِ الاستخدامِ الآلي لهذه الأصوات، أصبحت مألوفةً ومعتادةً بعد أن تحوَّلت إلى عاداتٍ لُغَوِيَّة ثقافية، أما بقيَّة الأصوات المُستَبعَدة، فهي غيرُ ذلك؛ لسببٍ كافٍ لاستبعادِها، وهو أنها غيرُ مألوفةٍ.

إن التعوُّد الصوتي جعَل الثقافةَ تَرفُض أيَّ انحرافٍ صوتي عما تعوَّدته؛ فنحن نَرفُض الانحرافاتِ في التلفُّظ، أو في بناءِ اللغة التي نتحدَّثها، وعندما يواجِه الناس ذلك يَضطَهِدونَها اضطهادَ الإسلام للمرتدِّين، والكنيسةِ للمنشقين.

وهذا يفسِّر التباينَ اللُّغَوِي بين الثقافات، دون إطلاقِ أيِّ أحكامٍ قيمية، ويجعلُنا نُقِرُّ النسبيةَ الصوتيةَ مثلما نُقِرُّ النسبيةَ الثقافيةَ؛ وذلك لأن مجموعاتِ الأفكارِ الخاصَّة بالثقافة توضِّحها مجموعاتٌ صوتيةٌ خاصة أيضًا بالثقافةِ، بالإضافةِ إلى القواعدِ التي تحدِّد العَلاقاتِ بين الكلمات المختلفة كي تعبِّر عن جوانب خبرة معيَّنة، مثلما تحدِّد الجوانبَ التي لا يَنبَغِي التعبير عنها.
لقد نشأت اللهجات عن الميل البشري نحو الاختلاف المتفرد في الكلام، حيث تعكس هذه الاختلافات الصيغة الصوتية في اللغة وسماتها الشكلية وتركيبها وسماتها العروضية.

إن هناك ارتباطًا بين اللهجةِ والاختلاف الثقافي، يَظهَر هذا الارتباطُ واضحًا لدى الأقليات؛ فمن ناحيةٍ فإن لهجاتِ الأقليات، مثل لغة "إلباسك" في جنوب غربي فرنسا وشمال إسبانيا ليست لهجاتٍ فرنسية أو إسبانية، لكنها تاريخيًّا لغاتٌ متميزة، إلا أنها مع الوقتِ احتلت وضعًا ثانيًا ثقافيًّا، ومن ناحيةٍ أخرى فإنه متى كان الشعورُ المحلِّي محدَّدًا بقوَّة، ومتى اتَّضحت أهميةُ الجماعة المحلِّية في حياة الأمة الأكبر، تُصبِح اللهجة رمزًا لنوعٍ من الاعتزاز المعكوس، فهي تُعَدُّ رمزًا للقيمِ الثقافية التي تميِّز الجماعة؛ فتتمسَّك بها، وتعمل على حمايتِها في إطار اللهجة الخاصة بها، وإذا كانت هناك صيغتانِ للكلام مترابطتانِ، وتَنطِقانِ في وقت واحدٍ؛ فإن الباحث اللُّغَوِيَّ لا يقول إن إحداها هي لهجةُ الأخرى، بل إن كلتيهما لهجتانِ متآخيتانِ لنموذجٍ أصلي شائع، معروف أو غير معروف، وحين تتشعبانِ - بحيث يُصبِح عدم الوضوح متبادلاً، رغم إمكانيةِ الارتباط الوثيقِ بينهما - يُستَخدَم مصطلحُ اللغةِ بيسرٍ أكثرَ من مصطلحِ اللَّهجَةِ، رغم أنه لا يُوجَد فارقٌ في الأساسِ بين الاثنين.

ثَمَّة ضرورةٌ ثقافيةٌ اجتماعيةٌ للهجةِ هنا، وهي الحفاظُ على وَحْدَةِ الجماعةِ، وعلى الرغم من أن هناك ميلاً لَدَى كلِّ جماعةٍ نحو تطويرِ مميزات أو خصوصياتٍ كلامية ذاتِ وظيفةٍ رمزية تميِّزها داخل الجماعة الأكبر، فإن البناءَ الصوتي "phonetic" - الذي يشكِّل البناء "الفونيمي" "phonemic" - يَشمَل الجماعةَ ككلٍّ، ويؤثِّر في متحدِّثيها، بحيث يؤدِّي إلي صعوبةِ إدراكِهم لأيَّة أصواتٍ لا يَعتَرِف بها البناء "الفونيمي" للغة الأصلية ؛ ففي كلِّ اللغات المعروفة تُبنَى "الفونيمات" على التمييز أو الترتيب الاعتباطي، الذي يحدِّده فورًا المتحدِّثون كرموزٍ دالَّة للإسناد،  ومن ثَمَّ تتوثَّق الروابط بين عنصر الكلمة والمعنى المضمَّن فيها، بحيث يَجعَل استخدام الرموز مقصورًا على أعضاءِ الجماعة اللُّغَوِية، أو بمعنى آخرَ: إن استخدام رموز الجماعة محظورٌ على مَن هو خارج الجماعة اللُّغَوِية، وحَدْسُ الجماعة اللُّغَوِي يحقِّق فاعليةَ هذا الحظرِ؛ فعضويةُ الجماعةِ مرهونةٌ بالعضويةِ اللُّغَوِية.

خاتمة:
يُفضِي هذا التحليلُ إلى أن اللهجة ليست انحرافًا عن مقياسِ اللغة، بل هي بالأَحرَى جزءٌ لا يتجزَّأ من الهُوِيَّة الثقافية للجماعةِ الناطقة بها، وإذا كانت الثقافةُ قد نمطت في اللغةِ، فإن دراسةَ المقولات اللُّغَوِية - كما هي، أو دراسة اللغة وَفْقَ مقولاتِها الخاصَّة - من الأهمية بمكان عند دراسة الثقافة؛ ذلك لكونِها تُعَدُّ المرشدَ الوافي والكامل للثقافة.




ليست هناك تعليقات: