2015/02/25

توحيد اللهجات

توحيد اللهجات (*)
  للأستاذ محمد رضا الشبيبي
عضو المجمع
            تعددت الرسائل والمقالات التي عُنِيَ هذا الشخص الضعيف الماثل هنا بكتابتها في موضوع اللهجات. ومن هذه البحوث ما تناول لهجة خاصة، ومنها ما تناول موضوع اللهجات بوجه عام. ومن القسم الأول رسالة عنوانها "أصول ألفاظ اللهجة العراقية"، نشرت ببغداد منذ عهد قريب. ومن القسم الثاني بحث عنوانه "بين الفصحى ولهجاتها" ألقي في إحدى دورات مؤتمر المجمع اللغوي، وقد تضمنت مقدمة الرسالة الأولى كلمة تمهيدية عن سنن الحياة العامة في نهوض من ينهض وتخلف من يتخلف من الأمم والجماعات، ونبذة أخرى عن بعض أدوار الصراع القومي بين العرب والدول الأعجمية. وقد ورد في هذه المقدمة ما نصه:
            " لا مناص للأمم التي ألقت السلاح مغلوبة على أمرها من أن تخلي مكانها للأمم الغالبة. ولا مفر لها من التقهقر لتتقدم تلك الأمم الفتية بنظمها وأوضاعها الجديدة، كما اتفق للعرب ولغتهم في مرحلة من مراحل تخلف الأمة ورقدتها ويالها من رقدة طويلة ".
            تميزت هذه المرحلة بتغلب الدول الأعجمية وانكفاء كثير من العرب إلى بواديهم بعيدين عن مراكز العلم والحضارة. ومع ذلك لم يتهيأ لتلك الدول الأعجمية الغالبة أن تستغني عن العربية. على أن أكثر من لغة من تلك اللغات – كالفارسية والتركية والمغولية أحيانا – شاعت واستعملت إلى جانب العربية في جملة من بلدن الشرق. والفضل في بقاء العربية وتفوقها عائد للثقافة الإسلامية التي تقوم على أساس متين من مدارسة الكتاب وتفسيره ورواية الحديث وحفظه.
ـــــــــــــــ
(*) محاضر جلسات الدورة الرابعة والعشرين، الجلسة الخامسة، جلسة علنية مسائية للمؤتمر بدار الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع في 26/12/1957. ونشر البحث، والتعقيبات التي دارت حوله، بمجلة المجمع، الجزء الرابع عشر، ص 85 – 99، تحت عنوان: اللهجات القومية وتوحيدها في البلاد العربية.
            في هذه الفترة أخذت تنشقّ عن الفصحى لهجات متعددة، وهي وإن لم تتغلب على أمها في الكتابة والتأليف إلا أنها طغت عليها في المخاطبات العامة، وفي مجالات الحياة العلمية والشؤون اليومية. ومما زاد في الطين بلة سقوط الهمم وتبلد الأذهان والتقصير في طلب العلم؛ بسبب الدمار الذي ألحقه المغول بالحضارة الإسلامية، فغمر الأمة ليل أليل من الجهالة والبداوة.
            تجسم هذا الخطر الداهم خلال عصور الأتراك الأخيرة وهي عصور تميزت بظهور نعرة طورانية غالبة حاول الأتراك بواسطتها إذابة العناصر التابعة للدولة في عنصر الفئة الحاكمة. ومن ثم اتخذت التركية لغة في عالم التعليم وفي القضاء والدواوين الرسمية، إلى هذا ونحوه، مما نَبَّهَ قادةَ الرأي في هذه الديار إلى مناهضة الخطر المحدق بهم، وانبرى من انبرى للدفاع والمقاومة والمطالبة بالحقوق، ودام ذلك كله إلى أن أعلنت الحرب العالمية الأولى. وفي الحرب المذكورة غُلب الترك على أمرهم، وجلوا عن البلاد ليسيطر عليها المستعمرون الغالبون، فعانى العرب والمسلمون في هذه المرحلة أضعاف ما عانوه من إرهاق المرحلة السابقة.
عتبتُ على عَمْرٍو فلما فقدته      وعاشرت أقوامًا بكيتُ على عمرو
            وهكذا توالت الانتفاضات على المحتلين الذين خدعوا الأمة بأقوال معسولة ومواثيق كاذبة، وهي انتفاضات معروفة أكرهت الأقوياء الطامعين على الاعتراف ببعض الحقوق للمواطنين. فحصلوا على قسط من السيادة والحكم الذاتي بموجب قوانين أساسية تضمنت احترام حرياتهم وحقوقهم وشخصياتهم القومية.
            ولكن دسائس المستعمرين لم تنقطع بعد ذلك، فعمدوا إلى إثارة الفتن لضمان سيطرتهم على شؤون البلاد، وتحكمهم بها، ولا يستثنى من ذلك الشؤون الثقافية.
            لا شك أن هذه الفترة التي نعيش فيها الآن فترة انتقال أو انقلاب تناول أبناؤها بالنقد والتحميص كثيرا من مناحي الحياة مادية ومعنوية ومن جملتها اللغة.

فترة شك وإرجاف
            ولا يخفى أن العربية مرت أخيرًا بفترة يصح أن تسمى محنة، إذ كثر حولها الإرجاف وأثيرت الشكوك، وحاول بعض شداة الأدب وغيرهم من حملة الأقلام أن يتمردوا على قوانينها في ثورة لغوية جارفة، وأظهروا الدعوة إلى استبدال لهجة التخاطب الشائعة بالفصحى، وقالوا مثل ذلك في الكتابة واحتدمت المناقشات بين فريقين من الأدباء والكتاب. ولنا أن نقول هذا اليوم – مغتبطي-: إن هذه المعركة القلمية ألقت أوزارها، أو هي موشكة، وأن الفصحى خرجت ظافرة موفورة الكرامة بعد ذلك، وأن الدعوة الناشزة إلى استبدال العامية بها منيت بخذلان عظيم، وباءت بخزي فظيع.
            هكذا افتضح المرجفون والشَّاكُّون المشكِّكون، على اختلاف طبقاتهم، فهذا مأجور مدسوس كُلِّفَ عبثًا بهدم بناء شامخ وتبديد شمل جامع، وهذا جاهل عاجز حاول ستر جهله وضعفه بما لفَّقه الملفقون حول الفصحى، وثالثة الأثافي مُقلِّد غِرٌّ مأخوذ بكل ما يقوله بعض الأعاجم والمستشرقين في هذا الموضوع.
            أجل لنا أن نقول إن المعركة انتهت أو شارفت، وأن لغتنا خرجت ظافرة منها. وهاهو الذوق اللغوي السليم يشيع في ديار العربية بأسرها، وهاهي لهجاتنا في جميع الأقطار العربية أدنى إلى الفصحى منها قبل جيل مضى، وقد مرنت الألسنة على ضرب من النطق الصحيح، ومرد ذلك إلى عوامل في مقدمتها: ازدياد عدد المتعلمين، وتقلص ظل الأمية، وإقبال الناس على المطالعة والقراءة. ومن الغلاة في التحيز إلى العامية من ينادي الآن بالرغبة في التوفيق والإصلاح بينها وبين الفصحى. وهل العامية إلا الفصحى نفسها محرفة أو ملحونة. وفي لهجات التخاطب ألوف من الكلمات يمكن رد الاعتبار إليها وإجازة استعمالها بشيء من التخريج. ويذهب بعض الباحثين من هؤلاء إلى أن التباين بين كثير من الفصيح والعامي مبالغ فيه، وأن الشقة – وإن اتسعت – إلا أن التوفيق ليس بمتعذر، بل هو واقع فعلا. وإصلاح النطق وتقويمه في العالم العربي يسير سيًرا حسنًا – كما مر – ، ومن العوامل الفعالة في هذا التوفيق والنجاح انعقاد المؤتمرات العلمية والثقافية واللغوية في دورات سنوية متتابعة، وتنظيم المواصلات والرحلات. ولا ينكر أثر الصحافة والمذياع ودور النشر والطباعة في هذا الشأن.
اللغة والأهداف القومية
            ليست الدعوة إلى استخدام اللهجات الدارجة المشوهة في الكتابة والدراسة بحديثة العهد، فقد مضى عليها جيل أو أكثر، ولكنها دعوة تعثرت وأخفقت، ولم يجدها نفعًا إذاعة بعض البرامج وتمثيل بعض المسرحيات وإنشاد الأغاني والأزجال ولا كتابة بعض  الفصول في الصحف هنا أو هناك، فظلت لهجة عقيمة غير مثمرة.
            هذا وقد يكون لي بعض الأغراض السياسية والروح القومية التي ترعرعت في جيل مضى دخل في التناغي بهذه الدعوة، والمناداة باتخاذ لغة قومية مستقلة. والدليل على ذلك أنها دعوة نجمت في وقت واحد مع ضرب من اليقظة والوعي السياسي. ولكن السياسة تتقلب ولا تدوم على حال. وهذه الأهداف الإقليمية الضيقة تجنح إلى الاتساع في هذا اليوم ولا تميل إلى الانكماش.
            لقد مضى عصر العزلة: عصر من مميزاته أن ينطوي كل قطر من أقطار الشرق على نفسه، فلا يتصل بغيره، ولا يشاطره الآمال والآلام. نقول مضى أمس بما فيه، وأظلنا عصر آخر له طبيعته ومميزاته، وفي مقدمتها وعي ويقظة ظاهرة بضرورة الاتصال بل الاتحاد؛ فالعرب في شتى أقطارهم اليوم يتلمسون طريقهم إلى الاتحاد والوحدة، ويتناول ذلك وحدتهم اللغوية.
أداة التفاهم
            في هذه المرحلة التاريخية التي تجتازها الأقطار المأهولة بالناطقين بالضاد لا مناص من التفاهم ولا تفاهم بالعامية.
            وطالما قابلنا إخوانًا لنا من أبناء العرب وإفريقية، وحاولنا محاورتهم، فلم نفهم عنهم ولم يفهموا عنا، وقد يصبح الموقف مضحكًا، فلنوذ عند ذلك بالفصحى، ونلتمس منها العون، وينتهي المشكل ببركة لغة القرآن .. والخلاصة ما كانت العامية – ولن تكون – أداة صالحة للتفاهم في أمة تسعى لتحقيق وحدتها القومية. ولنا أن نقول في مساوئ اللهجات أكثر من ذلك فإنها في القطر الواحد وأحيانًا في الحاضرة الواحدة يسرع إليها الانحلال والانقسام. وقد أكد لي غير واحد من الأساتذة المصريين الذين اتتدبوا للتدريس في مدارس العراق أثر الفصحى البالغ دون العامية في الفهم والإفهام .
خداع اللهجات
            علينا ألا ننخدع بالمحسنات التي يلصقها أنصار لهجاتنا بها قائلين: إنها لهجات طبيعية بعيدة عن التكلف خالية عن التحذلق مجردة من الصناعات اللفظية إلى غير ذلك مما يلاحظ وجوده في لغة التأليف والكتابة وهذه أقوال بعيدة عن الصواب. وقد ينخدع بها من ينخدع لأول نظرة حتى إذا نظرنا في هذا الموضوع نظرة فاحصة اتضح بطلانها، لأن الصناعات اللفظية وتكلف المتكلفين من أدباء العربية زال بزوال عصوره المعروفة في تاريخ آداب اللغة المذكورة. وقد انطوت تلك المرحلة، ونحن نجتاز الآن مرحلة أخرى تتميز بنهضة أدبية رائعة، وبأساليب إنشائية خالية من الكلفة والصناعة.
خير الوسائل لتوحيد اللهجات
            لسائل أن يسأل بعد هذا: وما هي خير الوسائل التي تضمن لنا توحيد اللهجات، وتغليب لغة فصيحة سليمة عليها؟ والجواب أن هناك مضافًا إلى ما تقدم جملة من الوسائل الفعالة التي توصلنا إلى تلك الغاية. أهمها أولاً: نشر التعليم المنهجي، ومكافحة الأمية، وكثرة سواد المتعلمين المدركين لمكانة اللغة من الدولة والمجتمع والقومية. وثانيًا: توحيد التلفظ وإصلاح النطق على أن تقوم بذلك مراجع فنية مختصة. وفيما يتعلق بالتعليم علينا أن نعنى عناية فائقة بنشره وفرضه، على أن يتناول ذلك علوم الدين بالإضافة إلى علوم الدنيا. وتعتبر الثقافة الدينية الآن ميتة في كثير من المدارس والمعاهد، ولذلك يجب التوفر على إحيائها، وهذا يتوقف على إعداد معلمين أكفاء، يعرفون ما هو الدين وما هي رسالة أهله، والدين ليس مجرد شقشقة لسانية، والدين ليس جدلاً بيزنطيًّا، بل هو في الواقع تقويم سلوك وإصلاح أخلاق. فإذا استطعنا أن نترك أثرًا عميقًا صالًحا في النفوس فقد حققنا طرفًا من التربية الدينية القويمة.
            لاحظ أبو حامد الغزالي صاحب الإحياء أن نقاش فريق من المنتسبين إلى الدين والعلم في عصره نقاش يدور على الألفاظ الجوفاء، وعلى العرض دون الجوهر، والقشور دون اللباب، لا على البحث عن الحقائق، حقائق الأخلاق والفضائل. فقال الغزالي للقوم: ابحثوا عن ماهية الصدق والإخلاص والعمل والجد والصبر والجهاد فذلك هو الدين. وهذه هي علوم الدين. ووضع كتابه " إحياء العلوم " تناول فيه بالبحث شؤون الفضائل والأخلاق.
هذه وسيلة من وسائل توحيد اللهجات. وأما الوسيلة الثانية لتوحيد لهجاتنا من حيث إصلاح التلفظ والنطق، فلا يخفى تباين اللهجات المذكورة من هذه الناحية، واختلافها في مخارج الحروف وفي قلبها وإبدالها، وما إلى ذلك مما يكون مشكلة قائمة في سبيل التوحيد. بيدأ أن حلها والعمل على سلامة النطق والتلفظ من توحيده في جميع اللهجات ليس بمتعذر، وذلك بموجب قواعد عامة يعهد بوضعها إلى ذوي الاختصاص.
            هذا ولا يسعنا في الختام إنكار الجهد الذي يبذله مجمع اللغة العربية، فإنه مجمع سار منذ إنشائه على خطة واضحة لم تقتصر على المحافظة على تراثنا القديم من اللغة والعناية بسلامتها، بل سار بالإضافة إلى ذلك على نهج بَيِّنٍ اتَّجهَ فيه إلى التخلص من قيود قَيَّدَ المتنطعون الجامدون من اللغويين فيها أنفسهم ولغتهم، فعاقتها عن التقدم ومسايرة اللغات الحية. ومعنى ذلك أن المجمع عدل عن خطة التقليد إلى الاجتهاد في اللغة على قدر الإمكان وذلك في قضايا لغوية وأدبية عدة.
            اتخذ المجمع في هذا الشأن مقررات معروفة. ومن أحسن ما قام به مقرراته المتخذة في موضوع الأقيسة اللغوية، وتوسيع أبوابها في عدد من الصيغ والأوزان والجموع التي قصرها القدماء على السماع. وهو قرار يَسَّرَ مهامَّ المعنيين بوضع المصطلحات العلمية الحديثة. وللمجمع أيضًا مقرراته المتخذة في باب المعربات والألفاظ المولدة وألفاظ الحضارة اتخذها بغية إنماء  مادة اللغة العربية.
            لم يتخذ المجمع تلك المقررات بغير سند وبدون حجة من اللغة نفسها، وإنما دعته المصلحة إلى ترجيح مذاهب فريق من أئمتها كانت مذاهبهم مرجوحة.
            أكتفي بهذا القدر الآن. وختامًا أتقدم إليكم أيها الإخوان بجزيل الشكر على تفضلكم بالحضور راجيًا من المولى أن يتولانا جميعا بتوفيقه؛ إنه ولي التوفيق.
*          *          *
           




















 تعقيبات لبعض الحاضرين
            ثم دعا السيد رئيس الجلسة إلى المنصة من طلب الكلام من الحاضرين.
*الدكتور تمام حسان: نشكر الأستاذ السيد محمد رضا الشبيبي على هذه المحاضرة القيمة التي استمتعنا بها جميعًا. فالأستاذ رضا الشبيبي علم من أعلام العروبة، عرفته وأنا طالب وقرأت له في الرسالة، وقرأت عنه فتلمذت عليه دون أن أراه. وفي هذه الليلة أتتلمذ له بالمشافهة.
            والحقيقة إن هذا الموضوع الذي طرقه الأستاذ السيد رضا الشبيبي موضوع حيوي جديد؛ لأن الآراء – كما لمح سيادته إلى ذلك – تفترق في هذه الأيام: فريق يرى أن تكون الفصحى لغة القراءة والكتابة في العالم العربي. ويرى فريق آخر أنها لم تعد أداة صالحة للتطور وأنها يجب أن تتوقف عند هذا الحد بأن تكون لغة دينية، وأن تبدأ اللهجات العامية في الحياة العامة في أداء وظيفتها.
            وللرد على ذلك أسأل: ما الذي يجعلنا الآن نحس أننا من شعب واحد هو الذي انتمى إليه سعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، والعرب الأوائل؟ وأن يشعر من في العراق بأن له أخًا في مراكش وأنه ينتمي إلى الشعب نفسه؟
            هناك مقومات للحياة العربية، مقومات تسير في التاريخ كما تسير في الزمن الحاضر، هذه المقومات منها أن العرب جميعًا قديمهم وحديثهم يشتركون في لغة واحدة وهذا هو أهم شيء في الحياة، منها أن معظم العرب ينتمون إلى دين واحد، ومنها أنهم يقرأون أدبًا واحدًا، ومنها أنهم ينتسبون إلى تاريخ واحد، ومنها أنهم يفخرون بشخص واحد، ويسخطون على أشخاص معينين.
            واللغة العربية من بين هذه العوامل أهمها، ولذلك تعتبر من أهم مقومات الحياة العربية الحديثة، ولا يمكن للأمة العربية وهي تنادي بالقومية العربية أن تتناسى هذه الأداة الفعالة في خلق القومية العربية؛ ولذلك فإني أوافق الأستاذ رضا الشبيبي في هذه النقطة موافقة تامة.
            غير أن الدعوة إلى توحيد اللهجات تنافي طبيعة التطور اللغوي؛ لأن اللغة – ككل ظاهرة اجتماعية – تتطور غير خاضعة لتشريع، وغير خاضعة لقوة بوليسية، وغير خاضعة لرغبة المصلحين. فهي لا تخضع إلا لطبيعة تطورها فإذا أردنا أن نوحد اللهجات فإن مجهودنا في ذلك مقضيٌّ عليه حتمًا بالفشل، وإن اثنين من عائلة واحدة لا يتكلمان بطريقة واحدة فلكل إنسان طريقته الخاصة في المشي والأكل والنوم فمن الناس من يمشي فيهز ذراعًا واحدة ومنهم من يعرج، دون عاهة. فللناس أساليب في المشي وكذلك في الكلام. ذلك أن الحركات النطقية التي يقوم بها اللسان خاضعة لعوامل عضوية مختلفة منها: وضع الأسنان الذي يختلف في إنسان عنه في آخر، وخاضعة كذلك للحالة النفسية ولذلك لا يستطيع الإنسان أن يقلد نفسه في الكلام. في حين أن الحالات النفسية تختلف بين الفرح والغضب، وبين الانتباه والخمود فلا أستطيع أن أتكلم نفس الكلمة بنفس الطريقة في دقيقتين مختلفتين.
            إذا كان الأمر كذلك في الشخص الواحد فالأمر واضح في الأشخاص المختلفين، وصحيح أن يقال إن لكل شخص في كل بلد تتكلم أية لغة لهجته الخاصة.
            وليست اللهجات الإقليمية المشتركة بين مجموعة من الناس إلا ظاهرة نوعية من النطق، هؤلاء الناس يشتركون في نوع من النطق ولكنهم لا ينطقون متشابهين.
            لا نستطيع أن تقول إن هناك لهجة مصرية، ولكن هناك لهجات مصرية مختلفة. وفي القرية الواحدة القليلة العدد ستجد عددًا من اللهجات بعدد البيوت بل بعدد الأفراد.
            إذا أردنا توحيد هذه اللهجات فلابد أن نتجاهل النشاط النطقي، وأعتقد أنه نوع من التعدي على مقتضيات طبيعة اللغة.
            إن المجمع اللغوي يقوم بمجهود في سبيل المحافظة على اللغة العربية الفصحى بطريقة تدعو إلى الإعجاب والتقدير، ولكن اللهجات العامية لا يمكن للمجمع اللغوي أن يوحد بينها. ربما استطاع المجمع أن يضع مشروعًا ولكني على ثقة أن المجمع لن يجد شخصًا يستطيع اتباعه.
            وإني أعود فأكرر شكري للأستاذ رضا الشبيبي على هذه المحاضرة القيمة وعلى الأخص دعوته إلى ربط العالم العربي. والسلام عليكم ورحمة الله.
*الدكتور كمال بشر: اسمحوا لي أن أبدي بعض الملاحظات. الواقع إن موضوع هذه المحاضرة موضوع خطير، فنحن الآن أحوج ما نكون إلى لغة عامة يتفاهم بها العرب جميعًا في كل أقطار العروبة، لدينا كثير جدًّا من اللهجات في مصر والعراق وسوريا وغيرها، يجب أن نقابل الحقيقة بشجاعة وهي أن الفصحى لغة صعبة بالنسبة إلى الكثرة الغالبة من الشعوب العربية. نود لغة عامة تجمعنا وتتخذ أساسًا عامًّا للتقريب، وأما التوحيد فلا وإنما يمكن أن نقترح أَوْجُهًا للتقريب بين اللهجات. فهل نبدأ من اللهجات أو من اللغة الفصحى نفسها؟ من أين نبدأ لكي نصل إلى لغة عامة تقرب التفاهم بين البلاد العربية؟
            هناك عناصر كثيرة لهذا التقريب من أهمها الوحدة السياسية ولا عجب في ذلك، فإنه متى توحدت السياسة فإننا نكون بصدد برلمان واحد وحكومة مركزية واحدة ودستور واحد. كل ذلك يؤدي إلى تقريب في التفاهم؛ لأن كل النشرات ستكون بلغة واحدة أو على الأقل سيفهمها أكثر من في البلاد العربية، وتعترضنا في هذا التقريب مشكلة اللغة الفصحى، أعني مشكلة النحو بحالته الراهنة.
            فالنحو في نفسه ليس صعبًا إنما الذي صعّب النحو هو وضع قواعده بالصورة التي هو عليها، وهو موضوع بلغة قديمة .. ومنذ الفرزدق إلى الآن لم يستشهد بكلام العرب، ومرت فترات وفترات ولو أننا قعّدنا اللغة العربية على فترات أو مراحل لأمكن الاتصال بمختلف عصور اللغة العربية، ولكن الموقف هو أن هناك فجوة بين اللغة التي ندرسها الآن والتي يضع قواعدها النحو القديم.
            وأشير الآن إلى عامل آخر من عوامل التقريب وهو وحدة الثقافة.
            وأختم كلمتي بشكر الأستاذ الكبير على محاضرته القيمة.
*الدكتور عبد الفتاح شلبي: أما الأستاذ رضا الشبيبي من حيث علمه وفقهه بالعربية فأمر غير منكور، وأخلص من هذا إلى المحاضرة نفسها ولي عليها ملاحظات أتفق في بعض منها مع السيد المحاضر وأختلف معه في كثير.
            نزع السيد المحاضر في محاضرته هذه إلى الرغبة في توحيد اللهجات، وهذا أمر غير ميسور، واختلاف اللهجات أمر مقرر من قديم فالرسول – صلى الله عليه وسلم – قد أجاز أن يقرأ القرآن باللهجات المختلفة، وما الحديث الذي قال فيه: " أنزل القرآن على سبعة أحرف " إلا إجازة للهجات.
            وقد ربط الأستاذ المحاضر بين الدين واللغة، وهذا أمر غير مفهوم فأي دين يقصد؟ والواقع أن الحفاظ على القرآن نهض باللغة العربية وصانها، ولكن اللهجات ظلت متعددة.
            وثمة ملاحظة أخرى تلك أن السيد الشبيبي ذكر أن محنة العربية الآن في أن شداة الأدب يريدون أن يتمردوا على القوانين، وما أشبه الليلة بالبارحة! فقد تمرد الفرزدق على قوانين عبد الله بن أبي إسحاق، وقال: علينا أن نقول وعليكم أن تعربوا. ولا تزال هذه النـزعة بين شداة الأدب وبين الذين يقومون على صيانة اللغة العربية.
            إن الاختلاف بين اللهجات العربية لا يمكن أن يقضى عليه، ولكن النهوض باللغة العربية الفصحى له وسائل ذكر السيد المحاضر بعضها، ولكني أضيف إلى ذلك أن نيسر وسائل اللغة العربية ومنها النحو؛ فإن النحو كثير العلل وهو بتعليلاته المختلفة صعب يستوجب التيسير والتخليص من الشوائب. وأقول أيضًا ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فقد وقف أعرابي في مجلس الأخفش ووسوس، فنظر إليه الأخفش وقال: مالي أراك متحيرا؟ فأجاب الأعرابي: " إنكم تتكلمون في كلامنا بكلامنا ما ليس في كلامنا".
            وأما تيسير الكتابة فأمر مهم جدًّا لترقية الفصحى والنهوض بها وكذلك تيسير قواعد الإملاء.
            وقد ذكر السيد المحاضر عمل المجمع وهو أشبه بعمل سلاح الصيانة إنه يصون اللغة، ولكنه لا يوحِّد اللهجات.
            هذه بعض الملاحظات أردت أن أذكرها، وأشكر السيد المحاضر على ما بذل. وله في سبيل المحافظة على اللغة العربية الجزاء الأوفى.
*الأستاذ مصطفى حسنين إسماعيل: الواقع إنني ترددت عشر مرات قبل أن أعقب على من تكلموا وخاصة بعد أستاذي الجليل رضا الشبيبي. وأرجو أن تغفروا لي لو أخطأت في اللغة. المسألة فيما يبدو لي أن هناك خطأ في فهم الموضوع، ويخيل إليّ أن الأستاذ المحاضر كان يريد أن يتكلم عن توحيد اللهجات، ولكن المعقبين فهموا أنه يريد توحيد اللهجات بمعنى Accent أي النطق، ولا شك في أننا نختلف في النطق، فهذه مسألة لا نزاع فيها، وهي أمر طبيعي.
            ولكن الذي أفهمه هو أن الأستاذ المحاضر يعني افتراق اللهجات العامية، فقد أتاح لي حظي السعيد أن أقوم بالتدريس في معاهد العراق ولمست البون بين اللهجات العامية. أول ما ذهبت كان في سنة 1941 فكنت أجد عُسْرًا في فهم كثير من الكلمات العراقية ثم أصبحت أفهمها، وكذلك بدءوا هم يفهمون أساليبنا العامية عن طريق الإذاعة والسينما المصرية، كما أني لاحظت في العراق تغيًرا وتطورًا في بعض الكلمات العامية؛ فكثير من هذه الكلمات العامية العراقية قد اضمحل، فأستطيع أن أتفاهم مع العراقي بلهجتي الخاصة على أن يستبعد كل منا ما لا يفهمه الآخر.
            ولكني أعتقد أن توحيد اللهجات العامية أمر لابد أن يكون، وإني أوافق على أن اللغة ظاهرة اجتماعية، وكلنا يعلم أن الظواهر الاجتماعية تنبع من المجتمع وتفرض نفسها عليه. هذه الظاهرة تريد تطورًا، وهذا التطور- سيحدث حتمًا بالاختلاط والتزاور والتعليم والتبادل الثقافي بين المصريين والعراقيين والسوريين واللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين وغيرهم من أبناء البلاد العربية – قد أوجد لغة وسطًا وستوجد لهجة موحدة بلا ريب في خلال سنوات. وإني أوافق على أن ذلك لن يتأتى بتشريع أو قرارات، ولكنا نتوقعه وكل ما نستطيعه هو أن نمهد لهذا التطور حتى يأخذ مكانه.
            والمسألة في النهاية ليست مسألة توحيد نطق الكلمات، إذ يستحيل إطلاقًا أن يتوحد النطق، ولكن الذي نريد توحيده هو اللهجات العامية، والفيصل في هذا هو الزمن. والسلام عليكم ورحمة الله.
*الدكتور بدوي طبانة: لعلي أعبر عن رغبة المشاركين في هذا الاجتماع من غير أعضاء المجمع في شكر المجمع على أن أتاح لنا هذه الفرصة اللطيفة في هذا الأسبوع، وفي الأسبوع السابق فجعل هذه المحاضرات تخرج إلينا نسمعها ونناقشها، والشكر الثاني لمحاضرنا العزيز الشيخ الكبير الأستاذ السيد رضا الشبيبي الذي سمعنا منه هذا البحث القيم الدال على الغيرة العظيمة على اللغة العربية.
            إن سير هذه اللغة في الحياة إنما هو علامة على سير هذه الأمة في موكب الحياة. هذا ما أردت أن أقوله أولاً لأدلل على خطر هذا الموضوع الذي عالجه الأستاذ الشبيبي.
            ومنذ اثنى عشر عامًا كنت في بغداد، وجاء أحد المستشرقين الذين نتحدث عن خدمتهم وعظيم تجديدهم في مناهج البحث وهو المستشرق ليفى بروفنسال، وألقى محاضرة تدعو إلى شيء واحد في فحواها ومعناها هو ( أن اتركوا لغتكم أيها العرب وابحثوا عن لغة عامية وليعتز كل منكم بلهجته الإقليمية )، وكان هذا الموضوع قد اتخذ له الأستاذ المحاضر عنوان الحديث عن دعوة لابن قزمان الأندلسي المشهور، وقد خرج السامعون لهذه المحاضرة من أهل العراق غاضبين ساخطين لأنهم جميعا أبناء الأمة العربية.
            أعتقد أن هذا الموضوع كان من الممكن أن يتناول من نواح كثيرة، ولعل مجمع اللغة العربية هو أهم هذه النواحي، وكنت أتوقع من مؤتمر أدباء العروبة أن يتناول هذا الموضوع؛ لأن الزمن الذي نعيش فيه قد امتلأ بالدعوة إلى العامية والتعبير بها، وأخذت هذه الدعوة سبيلها إلى الألسنة والصحف، وأصبح الرجل المحافظ على لغته حين يحاول أن يكتب أدبًا يعد من الرجعيين عند هؤلاء.
*الدكتور عبد الحميد بدوي رئيس الجلسة: كل كلمات المعقبين بالشكر الجزيل للسيد المحاضر على هذه المحاضرة الجليلة، وكلها تأييد في الواقع للدعوة التي يهدف إليها، وإن مناقشة الموضوع تهدي إلى ذلك بصرف النظر عن كون المقصود هو التوحيد أو التقريب، وعن كون اللهجات فردية أو جماعية. ولقد بين السيد المحاضر اختلاف اللهجات وردها إلى أسبابها التي منها أسباب سياسية وبصَّرنا بوسائل الإصلاح، ويدخل فيها نشر التعليم ومحو الأمية. وهذه كلها صور من صور التقريب بين الدول العربية فلم يقصد أن نتكلم جميعًا بلهجة واحدة، وإنما قصد زيادة التقارب بين الأمم العربية. وأعتقد أني أعبر عن شعوركم جميعًا بأن أسدي خالص شكرنا على هذه المحاضرة الجليلة التي مكنت بعضًا من إخواننا من بسط آرائهم.
*الدكتور منصور فهمي: كان في حديث الأستاذ المحاضر وكذلك في حديث الأستاذ رئيس الجلسة ما فيه الكفاية لبيان تلك النـزعة المحمودة التي تجمعنا حتى نصل إلى أداة واحدة للتفاهم بين الجميع، وحتى تكون هذه الأداة عاملاً من عوامل زيادة الربط والتوحيد بين قوم في عدة أقاليم تغلبت على ألسنتهم لغة واحدة بالفعل وبالواقع، ثم اختلفوا أحيانًا في النطق واختلفوا أحيانًا في وضع أصوات قد لا يفهمها البعض من البعض. وقد نَوَّهَ الأساتذة المعقبون بسنة التطور العام التي تجمع الناس على مفاهيم متقاربة، فإذا كان هؤلاء الناس من المتخذين لغة واحدة، دخلت عليهم وتغلبت على ألسنتهم أو كانوا أهلها الأصليين، فينبغي أن تكون هذه اللغة هي الأداة لمفاهيمهم جميعا، كلما ارتقوا في الفهم وازدادوا من المعرفة.
            وليس من شك في أن أقاليم البلاد العربية – وإن اختلفت في المكان وإن اختلف أفرادها في أصواتهم أو في أدائهم للعبارة أو أدخلوا ألفاظًا – فإن هذه الأقاليم تتطور بدافع التقدم العام إلى أرقى، وإنها تنشد الحياة الراقية وتطلب السمو في كل شيء: في أنظمتها، في أمورها، في مفاهيمها، في لغتها، في عواطفها. واللغة – كما قيل بحق – ظاهرة اجتماعية تتحكم فيها شئون الجماعة فالجماعة المتقدمة لابد أن تتقدم لغتها.
ولكن لنا أن نتساءل: على أي نحو تتقدم هذه اللغة؟  أإلى أصل بعيد اعتمد عليه اللسان؟ أم إلى لهجة يتخذها هذا اللسان ليربط الجميع ويحمل المفاهيم الراقية التي يستخدمها الجميع؟ هذا هو السؤال. ومنذ مدة طويلة قال قائلون بوضع قواعد للهجات العامية، وباتخاذ كل إقليم أسلوبه في الأداء وفي بناء الجملة، وباتخاذ ذخيرته من الكلمات التي وضعها أو نقلها من بلاد أخرى. قيل هذا منذ مدة طويلة، ودفع الدافعون هذا القول أو هذه النـزعة قبل أن تنشأ المجامع اللغوية وقبل أن تنتشر الصحف والإذاعة. وقوبل هذا القول بالرفض لماذا؟ لأن الإنسانية أولى أن تتوحد فيها لغات، وأن تتكتل وحدات لكل منها لسان تتفاهم به. وليس من الخير للإنسانية أن تتفتت ألسنتها وتتفرق لغاتها. وإذن فتقليل عدد اللغات مطمح إنساني كبير؛ لأنه رُقيٌّ من التفتت والتفرق إلى التوحيد والترابط في المبدأ أو في العقل وفي اللسان ما أمكن، وبذلك قد يصبح من الهين أن يتعلم الإنسان لغتين أو ثلاثًا، ويتفاهم بها مع أخيه من بني الإنسان بدلاً من تعلم عشرات وعشرات من اللغات.
            هذه نزعة إنسانية ينادي بها من يدعو إلى توحيد اللغة العربية. ثمة نزعة أخرى منبعها الروح، ولا أعني بها الدين وحده الذي هو منبع روحي عظيم، ولكني أضيف إليها ما في اللغة من أدب وذوق فني خاص، يتلاقى عليه أهل الفكر في تلك البلاد الواسعة التي يتكلم أهلها باللسان العربي على اختلاف الديانات. فهذه اللغة العربية هي لغة هؤلاء وهي ذوق لسانهم، وهي المعبِّر عن وجدانهم في صورة جميلة ودقيقة. فروحانيتهم – من هذه الناحية – تدفعهم إلى احترام اللغة العربية الفصحى. وإن القرآن الكريم كتاب الله الكريم وهو المثل الأعلى للبيان العربي، أقول إن هذا القرآن يجتمع على احترامه المسلمون وغير المسلمين من الناطقين بالضاد فهو منبع روحاني لهم جميعًا. وهو قدوتهم حين يتطلعون إلى ما في الأداء من روعة وجمال.
            هذا من جهة عامة، أضف إلى ذلك أن أهل السياسة والاقتصاد يريدون أيضًا أن تتوحد هذه اللغة تعزيزًا لما بين البلاد العربية من روابط سياسية واقتصادية ومصالح مشتركة.
            والزمن الذي يدفع إلى التطور العام وإلى التقدم الشامل يريد من أهل الإقليم الواحد أن تتقدم لغتهم إلى أعلى فيصنعون منها أصواتًا وحروفًا راقية يتفاهمون بها.
            ومن ثم وضعت ألفاظ كثيرة لم يكن يعرفها العرب الأقدمون، وهي مشتقة من الفصيح، داخلة في نطاقه. ومع ذلك يتفاهم بها الآن العراقي والمصري والمراكشي وغيرهم، وذلك مثل: نفاثة، وطرادة، وبارجة.
            يضاف إلى ذلك مهمة الإذاعة؛ فقد أصبحت أصوات المذيع على اختلاف مكانها من بلاد العروبة تتلاقى في أسلوب عربي موحد، ولهجة ونبرة موحدة أو تكاد تكون موحدة. وإن المذيع العراقي والسوري واللبناني وغيرهم يفهمهم أهل البلاد العربية جميعًا، برغم اختلاف نبرات الأصوات وتغايرها في نطق بعض الحروف، وفي مقاييس المد والقصر والتعطيش وما إلى ذلك من خصائص اللهجات.
            فحينما أراد السيد المحاضر أن يُنبِّه إلى الإيمان باللغة التي ندرك بها مفاهيمنا والحرص على توحيدها، إنما أراد أن نجتمع في تفهم المعاني وفي تسمية الأشياء بألفاظ ومصطلحات موحدة مشتقة من لغة الضاد.
            وثمة نقطة أخرى لم يبسطها السيد المحاضر صراحة، وإن كانت مفهومة بالبداهة تلمح من سياق حديثه. فقد أشار إلى التقدم العلمي العام، وإني أوضح ذلك بأن نشر التعليم على منهاج يكاد يكون موحدًا، ومطالعاتنا للصحف على أسلوب يكاد يكون واحدًا، كل هذه هي عوامل للوحدة بين لغة المصري والعراقي والتونسي والمراكشي وغير هؤلاء على السواء، فضلاً عن الإرادة والنـزوع الدافع إلى قومية موحدة.
            وثمة مسألة أخرى: هي صعوبة قواعد اللغة التي أثارها بعض المعقبين من أساتذة اللغة العربية. وأحب أن أصارحكم بأني تعلمت اللغة من دراسة عامة، ومن قراءات للصحف وللكتب. ومع ذلك فأنا أتكلم بينكم الآن بلغة مفهومة واضحة قليلة الخطأ فيما أحسب، لا يعيا بفهمها غير المثقف ثقافة عربية خاصة، فليست اللغة العربية من الصعوبة بالقدر الذي يتوهمه المتوهمون، ولا يضير اللغة العربية أن يخطئ القارئ بها أو المتكلم في ضبط حركة أو في صيغة كلمة أو عبارة.
            فمن الخطأ القول باستحالة توحيد اللغة العربية لبعض الصعوبة التي تلاحظ في تعلمها واكتسابها. فنحن بصدد لغة عربية تعم وتسود وتستقر. تلك هي اللغة الطبيعية العامة المستساغة التي يتعلم بها التلاميذ في المدارس ويقرءونها في الصحف، ويسمعونها من المنابر ومن محطات الإذاعة، وستتوحد هذه اللغة، ويزداد غزوها مع الزمن، وتسود في تلك البقعة الواحدة التي تسمى بلاد العروبة أو بلاد الناطقين باللغة العربية.
            فإذا نادى المجمع أو أحد أعضائه بتوحيد اللغة، فهو إنما ينادي بذلك تلبية للصدى الدفين في قانون التطور العام الكمين في أنفسكم أنتم أهل مصر والعراق والشام باعتباركم ورثة اللغة العربية الفصحى، وباعتباركم أبناء القومية العربية، فهذا الصدى القوي ينبعث من القومية العربية ومن دفع التقدم العام، وهو يهفو إلى أن تستوعب اللغة العربية كل المفاهيم التي أتت بها الحضارة الحديثة. ولأضرب لكم مثلاً من حياتنا الحاضرة: فقد مرت طائرة، " الهليوكوبتر" في سماء البلاد العربية، وتُنوقِلَ اسمُها على الأفواه. فماذا فعل البدوي: الساذج بسليقته العربية؟ قال هذا البدوي: (حوَّامة) فشاع الاسم.
            وإليكم مثلاً آخر: رأى رجل الشارع " وابور الزلط " فماذا قال حين شهد صنعه في الأرض؟ قال: ( الهراس). فكان لمثل الأستاذ محمود تيمور الأديب أن يلتقط هذه الكلمة، وأن يضعها في قصة أدبية لأنها كلمة عربية صميمة. وهي عنده خير من   " وابور الزلط ". وقد تُروِّجُها قصته وكتابته فتصبح مألوفة على كل لسان.
            هذا يوضح لنا الغاية التي نسعى إليها، وهي إدخال كل المفاهيم في اللغة العربية وتعميمها في شتى بلاد العروبة بترويجها بشتى الوسائل.
            وهنا أذكر المرحوم الشيخ الإسكندري الذي كان يؤمن بأنه ما من لفظة يستطيع أن يفهمها إلا استطاع أن يجد لها من اللغة العربية كلمة من الكلمات. وأذكر أيضًا المرحوم إسماعيل حسنين وهو من أساتذة الطبيعة فقد كان يفزع إلى الشيخ الإسكندري ليسمى له الآلات والأدوات التي تدخـل في علم الطبيعة، ليثبتها في كتابه المقرر للدراسة في المعاهد المصرية. وبذلك شاعت الكلمات العربية الخاصة بهذه الأدوات والآلات.
            حَقًّا إن في اللغة العربية المستعملة اليوم كثيرًا من الكلمات الأجنبية من مختلف اللغات. ومهمتنا الآن أن نُوقِفَ هذا التيار الجارف حتى لا يفسد اللغة وتتفتت، فنؤمن مع المحاضر بأن التطور سيجعل لنا لغة واحدة أقرب إلى الفصحى، تلك التي نزل بها الكتاب الكريم وأصبحت لها في نفوسنا قدسية وإكبار.
            فليس المقصود بتوحيد اللغة توحيد النبرات والأصوات، وإنما هو توحيد الألفاظ والعبارات، وعلى أية حال فإن توحيد الأصوات غير عسير في نطاق عام، وسيكون للإذاعة مع الزمن فضل كبير في التوحيد أو التقريب.
*السيد الستاذ محمد رضا الشبيبي: أقدم الشكر الجزيل إلى السيد الدكتور عبد الحميد بدوي رئيس الجلسة، وكذلك إلى السيد الدكتور منصور فهمي كاتب سر المجمع. وأشكر الأساتذة المعقبين على تعقيبهم، وأعتقد أن ما بيننا ليس أكثر من اختلاف في الألفاظ. ونستطيع أن نقول كما قال الشاعر:
عباراتنا شتى وحسنك واحد       وكُلٌّ إلى ذاك الجمال يشير
            نحن في الحقيقة جميعًا لنا غاية واحدة نتوسل إليها ونغار عليها، ونطلب تحقيقها، كل على حسب طريقته وأسلوبه.

            قال أحد الأساتذة المعقبين: إن توحيد اللغة مما يخالف طبيعة التطور. وأقول: إن التطور يقضي بالتوحيد. وقال آخر: إن اللغة العربية صعبة وطالب بتبسيطها. وأنا أقول: إن اللغة العربية ليست صعبة وإنها تتقدم بلهجتنا الفصحى. وقال آخر: إنه يعارض ربط الدين باللغة وأنا أعجب من معارضة هذا الارتباط الوثيق الذي نشأ منذ نزل القرآن ، وسيبقى هذا الرباط ما بقيت اللغة وبقي الدين. والسلام عليكم ورحمة الله.

ليست هناك تعليقات: