.

2015/02/13

انحراف اللهجات العامية الحديثة عن العربية الفصحى

جديد الدكتور عبدالله صالح بابعير كتاب انحراف اللهجات العامية الحديثة عن العربية الفصحى

2012/3/4   المكلا اليوم / عرض: صالح الفردي




ضمن انشغال الدكتور عبدالله صالح بابعير باللغة العربية الفصحى– عشقاً وعلماً ودراسة وبحثاً و اهتماماً وكشفا – وفي سياق حرصه المهني على تأصيل قواعد اللغة العربية وجعلها لغة حياة ومخاطبة يومية ومحكية دائمة بين فئات المجتمع وشرائحه وطبقاته نجده يذهب مذاهب شتى ويترجم عشقه اللغوي العربي بقوالب متعددة، فنسمعه إذاعياً يتحفنا ببرنامجه الأسبوعي (في رحاب لغة الضاد) عبر أثير إذاعة المكلا، البرنامج الذي تجاوز به، إعدادا وتقديماً، العقدين من الزمن، لنقرأ له في أكثر من صحيفة سيارة ومجلة ثقافية وعلمية محكمة مقالات وأبحاث يبحث في عوالم اللغة العربية الفصحى وسحرها وفنونها وقواعدها وملكات علمائها وتخريجاتهم ونزوعهم إلى السهل الممتنع والفصيح الأسهل.

 ولأن الدكتور عبدالله بابعير قد أمسك بمفاتيح (لغة الضاد) وفك مغاليق أبوابها المعتمة ليبرز لنا الدرر الثمينة المنسية في بطون الكتب وأمهات المراجع نجده ينزع صوب الكشف واختراق الحجب لوضع رؤى جديدة تستمد قوة حضورها من طبيعة العلاقة الوطيدة بين اللغة كمكون أساس من مكونات الأمة واللهجات المحلية بوصفها انحرافاً عن فصيح اللغة الأم، هذه النظرة التأملية العميقة التي اشتغل عليها الدكتور بابعير نجح في أن يؤصلها منهجياً من خلال بحثه الموسوم (انحراف اللهجات العامية الحديثة عن العربية الفصحى) مظاهر من لهجة مدينة المكلا، جديده المنشور في كتاب حمل العنوان نفسه، وصدر عن دار حضرموت للنشر والدراسات، كمحاولة منهجية رائدة تؤصل للعلاقة الجدلية بين اللغة العربية واللهجة المكلاوية وتؤسس لفضاء معرفي وتراثي وحضاري وقرائي منهجي جديد يثري الساحة الأدبية ويدفع بالمهتمين بالدراسات اللغوية إلى خوض غمار هذه التجربة التي ، بلا شك، ستفتح منافذ للتحليل والاستقراء العلمي المنهجي لجدلية ( اللغة – اللهجة) التي كانت ومازالت الهاجس الطاغي على فكر الدكتور بابعير منذ وقت مبكر، وقد حملت صفحات أوراق كتابه الآتي:     
المقـدِّمة
   بدأ الدكتور عبدالله صالح بابعير مقدمة كتابه بالقول: تُعَدُّ اللهجاتُ المحلِّـيَّة المحكيَّة امتدادًا لغويًّا طبيعيًّا لأصولها الفصيحة التي انشعبت منها ، وتعبِّر هذه اللهجات عن أصالة الجماعات اللغوية ، التي تستعمل هذه اللهجات في مجالات الحياة العامة ، وعن مستوياتها الثقافية ، وانتماءاتها الحضارية . ولهجة مدينة المكلا هي إحدى اللهجات الحضرمية ، التي تُعَـدُّ جزءًا من مجموعة اللهجات ( الحجازية والنجدية واليمنية ) ، وهي من أقرب هذه اللهجات إلى أصولها التراثية الفصيحة .
   وقد تتبع الدكتور بابعير في هذه الدراسة المظاهر اللهجية ، التي انحرفت فيها لهجةُ المكلا عن أصولها الفصيحة ، منبِّـهًا على تلك الأصول التي انحرفت اللهجةُ عنها ، ومستوى هذا الانحراف ، لبيان أصل هذه اللهجة ، وانتمائها الحضاري إلى اللغة الأم ( العربية الفصحى ) .
    مشيراً في المقدمة إلى ما اقتضته طبيعةُ هذه الدراسة من تقسيم:
التوطئـة : 
وقد جعلها الدكتور بابعير مدخلاً نظريًّا إلى فصول الدراسة ، ذكرتُ فيها تعريفًا للَّهجة ، وعلاقتَها باللغة الفصحى التي تُعَدُّ أصلاً لها ، والازدواجيةَ اللغويةَ ، وملامحَ الانحراف عن العربية الفصحى في هذه اللهجات العامِّيَّة الحديثة ، ثم المظاهرَ العامَّةَ لانحراف لهجة المكلا عن العربية الفصحى .
ـ الفصل الأول: تحدث فيه عن مظاهر الانحراف الصوتي عن العربية الفصحى ، وهي أكثر المظاهر التي تتَّصِفُ بها اللهجاتُ العاميَّةُ الحديثة ، وقد ناقشتُ في هذا الفصل النطقَ بصوت القاف في هذه اللهجة ، والابتداءَ بالساكن ، وكسرَ أحرف المضارعة ، وانكماشَ الأصوات المركَّبة ، ونقلَ الحركات عند الوقف ، وتحريكَ عين ( فَعْل ) عند الوقف ، والانحرافاتِ الخاصةَ بالصوائت الطويلة والقصيرة ، وصورَ الانحراف الخاصةَ بالهمزة ، والقلبَ المكانيَّ ، وحذفَ الصوامت .
ـ الفصل الثاني : جعله لمظاهر الانحراف الصرفي ، التي تأتي في المرتبة الثانية من حيثُ الكثرةُ بعد مظاهر الانحراف الصوتي ، وقد تحدثتُ في هذا الفصل عن الانحراف في أبنية الأفعال ، وفي أبنية المشتقات الاسمية ، وفي جموع التكسير ، وفي النحت والتركيب اللفظي ، وتخفيف المضعَّف ، وتضعيف المخفَّف ، والانحراف في أبنية ألفاظٍ مخصوصةٍ بأعيانها .
ـ الفصل الثالث : كان مخصَّصًا لمظاهر الانحراف النحوي ، وهذه المظاهر قليلة إذا ما قُوبِلَتْ بالمظاهر الصوتية والصرفية ، تحدثتُ فيه عن سقوطِ علامات الإعراب ، والانحرافِ في استعمال الأسماء الستة والمثنى والجمع السالم ، ولغةِ ( أكلوني البراغيث ) ، وعُدْمِ صيغة المبني للمجهول ، والانحراف في بعض المُنادَيات ، وفي ألفاظ الضمائر وأسماء الإشارة والأسماء الموصولة ، وأداة التنفيس ، وأداة التفضيل ، واستعمال أدوات الشرط ، وبعض أسماء الاستفهام .
ـ الفصل الرابع : جاء مقصورًا على مظاهر الانحراف الدلالي ، وهي أقلُّ المظاهر في هذه اللهجة ، قصرتُ القولَ في هذا الفصل على ألفاظٍ مخصوصةٍ بأعيانها ، استعملتْها العامةُ بدلالات منحرِفة عن دلالاتها الأصيلة في العربية الفصحى ، مبيِّـنًا تلك الدلالات ، ونوعَ الانحراف عنها .
     وبعـدُ ، فإنَّ هذا هو جُهْـدُ المُقِل ، فإنْ كان التوفيقُ حليفَ عملي ، فهذا فضلٌ من اللهِ ومِـنَّةٌ ، وإنْ كانتِ الأخرى ، فمِنْ نفسي ومن الشيطان ، وحسبي أنني حاولتُ واجتهدتُ ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ، وآخِرُ دعْوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالَمين .
 الخاتمــة:
    تناولت هذه الدراسة مظاهرَ من لهجة مدينة المكلا ، جرى فيها انحرافُ هذه المظاهر المدروسة عن العربية الفصحى . وقد خلصَتْ هذه الدراسةُ إلى الآتي :
لهجة المكلا هي إحدى اللهجات الحضرمية ، التي تُعَـدُّ جزءًا من مجموعة اللهجات ( الحجازية والنجدية واليمنية ) ، وهي أقربُ اللهجات إلى العربية الفصحى ( اللغة الأم ) ؛ لنشأتها في المَواطن الأصلية للُّغة الأم ، ولأن معظمَ ساكني هذه المدينة ينتمون إلى عناصر عربية خالصة.
اللهجة العاميَّة هي مستوًى من الأداء اللغوي ، مرتبطٌ بأصوله التراثية الفصيحة ، فهي فروعٌ عن العربية الفصحى ، والعلاقةُ بينهما هي العلاقةُ بين العام والخاص 
إن تعددَ المستويات اللغوية في البيئة اللغوية الواحدة هو ما يُسمَّى بالازدواجية اللغوية ، وهي انحرافٌ بدرجاتٍ ومقاديرَ عن الأصل الفصيح الذي انشعبت عنه 
إن وجودَ اللهجات المحلية إلى جانب اللغة الفصيحة أمرٌ تحتِّـمُه الضرورةُ الاجتماعية ، والظروفُ التاريخية والجغرافية ، تبَعًا لحاجات الناطقين أنفسهم لاستخدام اللغة في مواقف الحياة العامة . وليست العربيةُ في هذا بدعًا من اللغات ، فهي مظهرٌ من مظاهر التطور اللغوي في اللغات الإنسانية جميعها 
الدعوة إلى الاهتمام بدراسة اللهجات المحلية الحديثة ، بوصف هذه اللهجات نشاطًا اجتماعيًّا وثقافيًّا للناطقين بهذه اللهجة من جهة ، ولِما تُفيدُه هذه الدراسةُ من تِبْـيان ملامح الاتفاق والافتراق عن أصولها الفصيحة ، وملامح التأثير والتأثُّر ، من جهةٍ أخرى 
تمثِّل اللهجات العاميَّة الحديثةُ انحرافًا عن العربية الفصحى المشترَكة ، وليست انحطاطًا عنها ، فهي فروعٌ عنها ، انحرفت عنها في مظاهر يغلُب عليها الجانبانِ الصوتي فالصرفي ، ويأتي الجانبانِ النحوي والدلالي دون ذينِك الجانبين. 
ظهرت في لهجة المكلا مظاهرُ صوتية وصرفية ونحوية ودلالية ، تُعَدُّ امتدادًا لمظاهرَ لهجيةٍ قديمة ، بعضُها نقله اللغويون منذ عصور الاحتجاج باللغة ، وبعضها الآخَرُ نقله اللغويون عن العامةِ في عصور المولَّدين ، وما بعدها . 
انمازت لهجة المكلا بمظاهر لغوية خاصة ، لم أقف على مثيلٍ لها في ما نقله اللغويون عن العامة في العصور السالفة . 
ليختم الدكتور عبدالله صالح بابعير كتابه البحثي برصد لمصادر البحث.

ليست هناك تعليقات: