.

2015/02/13

«اللهجة البحرانية» بين الأصالة والتغريب


المنامة - حسين محمد حسين 
منذ بدأت الحضارة على أرض البحرين، قبل أكثر من أربعة آلاف عام، تكونت حصيلة كبيرة من التقنيات الحضارية التي ارتبطت بالعديد من المصطلحات والألفاظ. تلك الألفاظ لم تنقرض تماماً من الوجود بل تم توارثها جيلاً بعد جيل، وقد تغير شكلها عبر العصور؛ نتيجة لعمليات التطور اللغوي وتداخل اللغات واللهجات التي تعاقبت في البحرين عبر الزمن. إلا أن غالبية تلك المفردات والمصطلحات لم توثق في المعاجم العربية؛ وذلك نتيجة لعمليات التهميش الممنهجة التي اتبعها أنصار اللهجات القبلية ضد أصحاب اللهجات الحضرية. وقد بدأت تلك العمليات منذ أكثر من ألف عام حيث همشت لهجات البحرين وشرق الجزيرة
العربية واللهجات اليمنية واللهجة الحضرية بشكل عام؛ وذلك بحجة أنها تداخلت مع الفارسية والهندية والآرامية. واستمرت عملية التهميش حتى الوقت الراهن؛ فكتاب سعود مبخوت «أصول لهجة البحرين» يتناول فقط لهجة العرب على أنها لهجة البحرين ويذكر اللهجة البحرانية باسم «اللهجة الجعفرية» ويتناولها بالشرح في ملحق يتكون من خمس صفحات فقط. وقد سبقه إلى هذا التهميش، جونستون، وذلك في كتابه «دراسات في لهجات شرقي الجزيرة العربية» والذي تناول فيه اللهجات ذات الأصل القبلي فقط أو لهجة الخليج العربي، أو ما أسماها جونستون باللهجات العنزية. ويذكر أن اللهجات العنزية لا تمثل إلا الامتداد الشرقي للهجات شمال ووسط الجزيرة العربية، بينما اللهجة البحرانية واللهجات الحضرية في شرق الجزيرة العربية وعمان هي التي تمثل سمات لهجات شرقي الجزيرة العربية الموغلة في القدم (Al-Tajir 1982, Arabic Summary, p.18 - 19).
ونتيجة لعمليات التهميش التي استمرت لأكثر من ألف عام؛ بقيت الألفاظ الحضرية منسية، ولا تتوارث إلا شفاهة. وقد عبثت ثلة من الباحثين المحدثين في هذا التراث اللغوي الحضاري وأخذت ترد غالبية ألفاظه وتراكيبه لأصول غير عربية وغير سامية، كالفارسية والتركية والعثمانية والهندية والإنجليزية وغيرها. والسبب في كل ذلك أن تلك الألفاظ لم توثق في معاجم اللغة بالصورة نفسها أو بالمعنى نفسه.
القائمة السوداء للقبائل المهمشة
منذ أكثر من ألف عام وعملية التهميش للألفاظ الحضرية قائمة، وقد وثق عدد من الكتاب العرب المبكرين أسماء لعدد من المناطق والقبائل التي لا يؤخذ عنها في علم اللغة لأن لهجاتها مختلطة، وبالطبع فإن قبيلة عبدقيس والبحرين على رأس تلك القائمة؛ فقد نقل السيوطي في كتابه «المزهر» قول أبي نصر الفارابي (المتوفى سنة 950 م)، في أول كتابه (الألفاظ والحروف):
«فإنه لم يُؤخذ (اللسان العربي، أي اللغة) عن حضري قط، ولا عن سكان البراري، ممن يسكن أطراف بلادهم، التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم؛ فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط، ولا من قضاعة، ولا من غسان، ولا من إياد؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرأون في صلاتهم بغير العربية، ولا من تغلب ولا النمر؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية، ولا من بكر؛ لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا من عبدالقيس؛ لأنهم كانوا سكان البحرين، مخالطين للهند والفرس، ولا من أزد عمان؛ لمخالطتهم للهند والفرس، ولا من أهل اليمن أصلاً؛ لمخالطتهم للهند والحبشة، ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة، صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب، قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم. والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء، وأثبتها في كتاب، وصيّرها علماً وصناعة، هم أهل الكوفة والبصرة فقط، من بين أمصار العرب» (المزهر، دار التراث، بدون تاريخ، ج1: ص 212).
وتعتبر إياد وعبدقيس والأزد من أوائل القبائل التي تحضرت وسكنت عمان وشرق الجزيرة العربية وهي من القبائل التي لا يؤخذ عنها اللغة العربية، فمن الواضح هنا أن «العلماء أخذوا يقسمون اللغة، إلى لغة حضرية، وأخرى بدوية، ويعتنون بالثانية، ويحتكمون إلى أهلها» (عبدالتواب 1999، ص 105).
من أقصى الغرب لأقصى الشرق
قبل حدوث التطور الكبير في التقنية والمعلوماتية لم يكن الباحث في اللهجات قادر على الإطلاع على اللهجات المختلفة ليقارن بين ألفاظ تلك اللهجات، وأصبح عدد من الباحثين محدودي النطاق، مقيدين بحيز المكان والزمان، فإن صادف أحد الباحثين لفظة غريبة لم يعثر عليها في المراجع المحدودة التي تمكن من الاطلاع عليها، فإنه يردها لأقرب لغة أجنبية متداخلة مع لهجة المنطقة التي يدرسها؛ وبهذه الصورة أصبحت العديد من الألفاظ الحضرية في منطقتنا ترد لأصل فارسي أو هندي أو تركي أو عثماني أو إنجليزي بصورة عشوائية غير منظمة، وكان البعض يكتفي بتشابه نطق الألفاظ وتشابه المعاني ليردها لتلك اللغات الأجنبية. ربما نلتمس العذر للأجيال السابقة من الباحثين، أما في الوقت الراهن فلا نلتمس العذر لمن يتقاعس في عملية تحقيق الألفاظ على أسس علمية. ولا يمكن بأي حال أن تتوقف عملية التحقيق لمجرد أن هناك تشابهاً كبيراً بين لفظتين من حيث المعنى واللفظ، فنقول إن اللفظة الأولى معربة من الثانية، على سبيل المثال، كلمة air الإنجليزية تعني رياح، وفي معجم «لسان العرب» كلمة (أير)، باللفظ الإنجليزي نفسه، من أسماء الرياح. فهل يعني هذا أن الإنجليز أخذوها عن العرب، أو العكس!! أم أن هناك احتمالات أخرى يجب الكشف عنها؟ فلنأخذ الأمثال التالية ولنرى كيف يحقق البعض الألفاظ «العامية» الحضرية.
ابن البيطار واسبيتار واسبيطار
ابن البيطار هو لقب ضياء الدين المالقي، وهو عالم أمازيغي مغربي ولد في الأندلس (قرابة العام 1197م)، وقد لقب بالبيطار لأنه يعالج الناس، من فعل بيطر وهو في العربية والأمازيغية بمعنى «عالج». أما كلمة اسبيطار أو اسبيتار فهو اللفظ الذي كانت تطلقه غالبية العامة في الخليج العربي قديماً على المستشفى، واللفظة كانت شائعة، أيضاً، في فلسطين والأردن، ومازالت تستخدم لفظة اسبيتار في جميع بلاد المغرب العربي (ليبيا، الجزائر، تونس، المغرب)؛ باختصار كانت لفظة «اسبيتار» منتشرة عند غالبية، إن لم يكن جميع العرب. وقد حُققت اللفظة في كل بلد بحسب ميول وثقافة المجتمع المحيط بالباحث، ففي الخليج العربي اعتبرت معربة من الإنجليزية، وفي بلدان الشرق الأوسط اعتبرت معربة من التركية أو العثمانية، وفي بلاد المغرب العربي اعتبرت اللفظة معربة من الإسبانية أو الفرنسية القديمة. أما عند الأمازيغيين، فقد اعتبروا اللفظة «أصيلة» من اللغة الأمازيغية، حيث إن اسم المكان يشتق في اللغة الأمازيغية بإضافة الهمزة والسين في أول الكلمة، وبذلك يتحول الفعل «بيطر» بمعنى عالج إلى «اسبيطار» بمعنى مكان العلاج، أي المستشفى. وأهم أسباب هذا التباين في تفسير أصل الكلمة أنها لم تذكر في المعاجم اللغوية؛ حيث إن اللهجات الحضرية كانت مهمشة.
ابن بطوطة والسنداس
ابن بطوطة هو رحالة أمازيغي مغربي، ولد في طنجة (قرابة العام 1304م). ومن الألفاظ الغريبة التي ذكرها ابن بطوطة في كتابه «رحلة ابن بطوطة»، لفظة سنداس (طبعة دار إحياء العلوم 1992م، الصفحات 576 و577) بمعنى حمام وهي لفظة لم ترد في المعاجم العربية. ولفظة سنداس مازالت معروفة في اللهجة العامية المغربية، يقول إدريس دادون في كتابه «الأمثال الشعبية المغربية»: «السنداس لهجة عامية من فاس يقصد بها ثقب ميزاب المرحاض» (دادون 2007، ج2 ص34). وهي، أي لفظة السنداس، بالمعنى نفسه في اللهجة البحرانية ولهجات شرق الجزيرة العربية وعمان، ويقال في البحرين سنداس وسندوس. وقد زعم البعض، وبدون تحقيق علمي، أن أصل اللفظة هندي (مبخوت 1993، ص 69). فهل اللفظة هندية! أم أن لها جذوراً ضاربة في عمق التاريخ. بالطبع هناك ألفاظ أخرى مثل: گوري، والتي تعني في اللهجة البحرانية «الكافر» وهي بالمعنى نفسه في لهجات المغرب العربي. وكذلك مصطلح «صاح ديك الحردانة»، والذي يعني الساعة العاشرة مساءً، فقد كان سائداً في اللهجة البحرانية، وهو معروف أيضاً في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، وقد ذكرنا قصة هذا المصطلح في سلسلة سابقة. وهناك غيرها من الألفاظ والمصطلحات الحضرية المشتركة في لهجات العالم العربي والتي تُحقق بحسب مزاجية الباحث، وكل ذلك لأنها لم ترد في المعاجم العربية، أو بمعنى آخر، تم استثناؤها من المعاجم العربية؛ لأن كتاب المعاجم يرجحون الألفاظ القبلية على الألفاظ الحضرية، حفاظاً على اللغة من الدخيل والمعرب، من وجهة نظرهم.
الأفعال الرباعية وآليات تحريف اللغة
الأفعال، أيضاً، يتطور شكلها، فيضاف لها، أو يحذف منها، حروف؛ وقد أدى ذلك لتوليد العديد من الأفعال الرباعية، والتي يشتق منها العديد من المشتقات (اسم الفاعل، والصفة المشبهة وغيرها). وهذه الأفعال والمشتقات تعتبر ذخيرة كبيرة من الألفاظ التي لم يتم العناية بتحقيق معانيها، خصوصاً، مع هيمنة ثقافة معينة في التحقيق يتم من خلالها رد العامي لأصل أجنبي متجنبين بذلك الإبحار في فقه اللغة، على سبيل المثال أدت هذه الثقافة إلى ترجيح معنى شدان (كما في شغل شدان) بالمفردة الإنجليزية shutdown بدلاً من ربطها بالفعل شدن والذي تشتق منه الصفة المشبهة «شدان»، وكذلك تم اشتقاق مصطلح إنجليزي جديد وهو white rainbow من فعل التطريب والمطوربة. وللحديث بقية.
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3801 - السبت 02 فبراير 2013م الموافق 21 ربيع الاول 1434هـ

ليست هناك تعليقات: