.

2015/02/23

الاستشراق الالماني يقعد الآرامية والمهرية

حوار مع فيرنر آرنولد . الاستشراق الالماني يقعد الآرامية والمهرية ويهتم بالمحكيات العر بية كما بالفصحى 


يعود الاهتمام بدراسة اللغات السامية في ألمانيا الى القرن الثالث عشر الذي شهد اهتماماً ملحوظاً بدراسة اللغة العبرية في مرحلة أولى، ومن ثم اللغتين الآرامية والعربية في مرحلة لاحقة، وذلك بهدف تفسير كتاب "العهد القديم" الذي كان محور الدراسات اللاهوتية.
وفي هذا الاطار، يبرز "معهد لغات الشرق الاوسط وحضاراته في هايدلبرغ" بصفته مركزاً متقدماً لدراسة اللغات السامية الحديثة. وهو يولي لغات الشرق القديم جلّ اهتمامه من خلال الفروع الدراسية الأربعة الآتية: فرع اللغات والحضارات القديمة بلاد الرافدين، فرع الحضارة الايرانية، فرع العلوم الاسلامية، بنوعيها العربي والعثماني، فرع اللغات السامية.
وانطلاقاً من المبدأ القائل إن وراء كل مؤسسة أكاديمية ناجحة انساناً كفيّاً يتولاها برعايته، ويسهر على تطوير قدراتها وترسيخ سمعتها العلمية، لا بد من تعريف القراء بمدير المعهد البروفسور فيرنر آرنولد Werner Arnold الذي يتولى هذه المسؤولية بكفاية ملحوظة منذ أكثر من خمس سنوات.
يعتبر المتخصص الاول في العالم في اللغة الآرامية الغربية الحديثة. فقد وضع كتاب "قواعد اللغة الآرامية الغربية الحديثة" الذي كان ثمرة أطروحته للدكتوراه أنجزها بين عامي 1986 و1990. كما وضع كتاباً آخر هو "نصوص من معلولا"، وهو في صدد إنجاز معجم للغة الآرامية. يشغل حالياً كرسي استاذية للغات السامية في أقدم جامعة في ألمانيا، جامعة هايدلبرغ Heidelberg.
شغفه بالآرامية لم يشمل معلولا السورية فحسب، بل تعداه الى قريتين مجاورتين هما "بخعة" و"جبعدّين"، تشكلان مع معلولا المثلث الآرامي. كما ان تلامذته يتابعون هذا المنحى البحثي ومنهم الباحث زكي، التركي الأصل، الذي يدرس لهجة "طورويو" التي تعود الى اللغة الآرامية الشرقية المنتشرة في منطقة طور عابدين في تركيا، وفي الجزيرة السورية وفي شمال غربي العراق.
إقامته "الميدانية" في معلولا والجوار، والعلاقات الحميمة التي نسجها مع السكان الذين أتقن لغتهم، وبات يشاطرهم تفاصيل معاشهم اليومي، ويتبادل معهم الاحاديث بلكنة أصلية لا غبار عليها، رفعت الكلفة بينه وبين المعلوليين الذين اطلقوا عليه تحبباً كنيتي "أبو بروم" و"أبو ابراهيم".
البروفسور آرنولد الذي استضافني باحثاً ألسنياً، لمدة شهر، في رحاب جامعته، انسان سمح وعفوي ومضياف، وأكاديمي مرموق. وهو خير من يمثل تيار الاستشراق الالماني الحديث والمنفتح الذي يعتمد التقنيات التواصلية المستجدة، ويوظفها في تكثيف معرفته بالشرق وحضاراته ولغاته. هذا الشغف العلمي التقليدي الذي أولاه الألمان الأوائل لمنطقة الشرق الاوسط، أثمر رؤية استشراقية موضوعية، تجلت في الكثير من المقاربات والمؤلفات والأطالس اللغوية التي تناولت مختلف اللغات السامية وسعت الى الكشف عن المتروك أو المهمل من جوانبها الغنية.
شهر تموز يوليو المنصرم شهد هذا الحوار الشيق في مكتب البروفسور آرنولد، في المبنى التراثي المجاور لكنيسة اليسوعيين الذي يعود الى قرون أربعة خلت. المكتب خلية نحل أكاديمية تلتقي فيها جملة من الاساتذة والباحثين امثال البروفسور رئيف خوري - اللبناني الاصل - استاذ الدراسات الاسلامية في الجامعة، والدكتور ألكسندر سيما مساعد آرنولد الذي يهتم حالياً بدراسة اللغة المهرية، والباحث الالماني أولي الذي يدرس اللهجات الفلسطينية، والبروفسور الألماني باير، والبروفسور السوري ظافر يوسف، زميل دراسة فيرنر، الذي درس ودرّس في جامعة إرلنغن، ويزور هايدلبرغ لاجراء بحث عن الافعال الرباعية، فضلاً عن الكثير من الطلاب العرب والاجانب:
< بروفسور آرنولد، بصفتكم مديراً لمعهد الدراسات السامية في جامعة هايدلبرغ الالمانية، هل يمكن ان تعطينا فكرة عن المعهد، وتحدد لنا علاقته بجامعة هايدلبرغ؟
- معهد دراسات اللغات السامية في جامعة هايدلبرغ اسس في العام 1990. وقبل ذلك الوقت كان معهداً لدراسة اللغات الشرقية، وكان ثمة استاذ واحد لم يقتصر تدريسه على اللغات السامية فحسب، بل تعداه الى لغات شرقية اخرى مثل التركية والايرانية. ولاحقاً، انقسم المعهد الى ثلاثة اقسام: القسم الاول للعلوم الاسلامية، والثاني للغات المسمارية، والثالث للغات السامية الجديدة، بخاصة اللهجات الآرامية واللهجات العربية الحديثة. واضافة الى ذلك، توجه اهتمامنا، منذ سنة، نحو دراسة اللهجات العربية الجنوبية التي تستخدم في عُمان وفي اليمن.
< ثمة مدرستان لدراسات اللهجات العربية الحديثة: المدرسة الفرنسية التي اهتمت بالدراسات العائدة الى لهجات المشرق العربي والمغرب العربي، والمدرسة الاستشراقية الالمانية التي لها اهتمامات قديمة تتعلق بهذه الدراسات اللهجية وبأرشفتها وتقعيدها وتدوينها. ما هو الاختلاف برأيكم ما بين الاسلوب المعتمد في كلتا المدرستين؟
- طبعاً هناك تعاون بين المستشرقين الألمان والمستشرقين في فرنسا. لكن الفرنسيين يركزون اهتمامهم على لهجات البلاد العربية التي كانوا يستعمرونها من قبل، وبخاصة المغرب وسورية ولبنان. في حين ان المستشرقين الألمان سافروا خلال القرن التاسع عشر الى بلاد عربية اخرى، مثل العراق والجزيرة العربية أو الى بلاد اسلامية مثل تركيا. دراسات اللهجات العربية اخذت حيزاً مهماً في اقبالهم على دراسة اللغات الشرقية. وذلك مرده الى ان الألمان بدأوا في نفس الفترة الزمنية، اي خلال القرن التاسع عشر، دراسة اللهجات الألمانية في اوروبا. وضمن هذه المقاربة اهتموا بدراسة لهجات تعود لغير لغات، وليس حصراً لهجات العالم العربي.
< يبدو ان المنظور لم يكن سياسياً أو ايديولوجياً، او يرتبط بمصالح سياسية او توسعية، بل كان بالاحرى علمياً، سواء تعلق الامر باللهجات في البلاد العربية ام في غير البلاد العربية؟
- الفرنسيون والانكليز استعمروا بلاد العرب، في حين انه لم يكن للألمان اي وجود في منطقة الشرق الاوسط او أية اهتمامات تتناول التنقيب عن الآثار او ما شابهه، فلم يبق سوى الاهتمام باللغة. المستشرقون الألمان اهتموا لاحقاً باللغات وبالمسائل الثقافية. وهذا الامر كان يتم في اطار البحث العلمي، اي بعيداً من اي فكرة أو خلفية سياسية.
< قمتَ وتقوم بأبحاث عدة في مجال اللغات السامية، خصوصاً ما يتعلق بالآرامية في البلاد العربية، وفي سورية تحديداً. هل يمكن ان تعطينا فكرة وافية عن طبيعة اهتمامك بهذه المسائل اللغوية. متى بدأت؟ ولماذا وجهت اهتمامك نحوها؟ والى أين وصلت في ابحاثك في مجال دراسة الآرامية الحديثة؟
- بعد ان أنجزت دراستي الاكاديمية في جامعة إرلنغن في الثمانينات، أوفدني استاذي البروفسور ياسترو الى سورية لكي أدرس اللهجة الآرامية الغربية، في قرية معلولا، في جبال قلمون في سورية. كان استاذي يدرس اللهجات الآرامية الشرقية في تركيا والعراق، وكان مهتماً بدراسة اللهجات الآرامية الغربية. وفي تلك الفترة، كانت العلاقات بين جامعتي إرلنغن وحلب جيدة جداً، لذلك قررت ان أذهب الى سورية، وسكنت عائلتي لمدة سنتين من 1985-1987 في معلولا، حيث بدأت في تعلّم الآرامية.
< هل كانت هذه اللهجة مدوّنة يومها؟
- لا لم تكن مكتوبة آنذاك، وهي لغاية الآن غير مكتوبة. لقد تكلمت هذه اللغة من خلال احتكاكي بالناس، إذ سألتهم عن كيفية استخدام الأفعال، وعن كل المعلومات اللغوية الضرورية لاكتساب اللغة عموماً.
جئت في بداية فصل الشتاء، اي في الفترة التي تكون فيها غالبية سكان القرية من الفلاحين بلا عمل. وخلال هذه الفترة تعلمت اللغة من الفلاحين. وبعد ان درست اللغة وتكلمتها في معلولا، ذهبت الى القريتين المجاورتين بخعة وجبعدّين قريتان آراميتان سوريتان تبعدان 5 كلم من معلولا، وسكانهما من المسلمين، في حين أن ثلثي سكان معلولا هم من المسيحيين والثلث الآخر من المسلمين، حيث يتكلم الناس لهجة آرامية تختلف بعض الشيء عن لهجة معلولا. ولدى عودتي الى ألمانيا، أي بعد سنتين من الدراسة اللغوية، كتبت رسالة دكتوراه حول قواعد اللغة الآرامية الغربية في تلك المنطقة، فضلاً عن كتاب لتعليم الآرامية للطلاب الألمان الراغبين في تعلمها. وأنا أدرّس هذه اللغة منذ ما يقارب العشر سنوات في ألمانيا. وفي هذه السنة، درّست اللغة الآرامية الحديثة للمرة الأولى في جامعة حلب.
< اذاً، اللغة الآرامية الحديثة لم تكن مقعّدة، ولم تكن تدرّس سابقاً في سورية؟
- لا، لم تدرّس.
< ما كان رد فعل الزملاء السوريين تجاه تقعيدك لهذه اللغة واهتمامك بتدريسها؟
- هناك قسم للدراسات السامية في جامعة حلب. وفي هذا القسم كانوا يدرّسون لتاريخه لغات قديمة فقط. ومنذ سنة أبدوا رغبة في تدريس اللغة الآرامية الحديثة ايضاً. لذلك دعوني الى الجامعة، ولمدة شهرين، حيث درّست الآرامية الحديثة وسواها من اللغات السامية مثل الآرامية المندائية التي يتكلمها الصابئة المندائيون في كل من العراق وايران.
< ولكن، كيف يتعلم الآراميون لغتهم؟ هل يتم ذلك من طريق التلقين الشفهي فقط؟
ـ الآراميون الغربيون في وسورية يتعلمون اللغة من أمهاتهم، لا في المدارس. هناك رغبة لدى المسؤولين في الدير، في معلولا، في افتتاح مدرسة لتدريس الآرامية. ولكن الأمر لم يتحقق بعد. والآراميون في شرق سورية وفي تركيا وفي العراق لديهم مدارس ولديهم كتب وكل ما يلزم لتدريس لغتهم.
< لو رغب احدهم في تعليم الآرامية الغربية، هل هناك كتب اخرى غير ذلك الذي وضعته أنت باللغة الألمانية؟
- هناك كتب وضعت حول هذه اللغة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وهناك مستشرقون ألمان ذهبوا الى سورية ودرسوا هذه اللغة ايضاً.
< هل درسها مستشرقون أوروبيون غير الألمان؟
- كلا.
< ما هي الآثار الآرامية في اللهجات العربية الحديثة، خصوصاً في سورية؟ هل هناك أثر واضح لها في اللهجة السورية الحديثة؟
- طبعاً، خلال فترة ما قبل انتشار الاسلام، كان الناس في سورية ولبنان يتكلمون الآرامية، ولكنهم ما لبثوا ان غيروا لغتهم، اولاً في المدن، ولاحقاً في القرن الرابع عشر في القرى، وبدأوا يتكلمون شيئاً فشيئاً اللغة العربية. ولكن في الكثير من اللهجات، خصوصاً في لهجات القرى، ظلت كلمات آرامية في اللهجات السورية مثل "شوب" و"شطح"... هناك كلمات آرامية عدة، خصوصاً المصطلحات الزراعية التي دخلت اللهجات السورية واللبنانية من الآرامية.
< لدينا في لبنان اسماء لقرى وبلدات لا تزال تحمل آثاراً آرامية أو طابعها آرامي. هل هناك ايضاً في سورية اسماء قرى ذات طابع أو أثر آرامي؟
- طبعاً اسماء القرى دائماً قديمة. عندما وفد العرب من الجزيرة العربية، سكنوا هذه القرى، لكنهم لم يغيروا اسماءها. في سورية بقيت اسماء القرى كما كانت قبل الاسلام.
< ننتقل من الآرامية الى اللغة المهرية التي تقومون حالياً بدراستها وتدوينها في معهدكم، كما تسنى لي ان اشهد خلال وجودي بينكم. ما هو مدى اهتمامكم بهذه اللغة؟ وما هي أهميتها في المشهد اللغوي العربي الجنوبي؟
- اللهجات العربية الجنوبية جزء من اللغات السامية. والمعلومات في شأنها قليلة جداً. لذلك رغبت على الدوام في الارتحال الى هذه البلاد عُمان واليمن. لكن شروط الدراسة في هذه البلدان صعبة لأسباب مختلفة. لذلك اتفقنا مع مدير الآثار في اليمن د. يوسف عبدالله، الذي درس في ألمانيا عند البروفسور ميللر، فأرسل معلماً للغة المهرية هو السيد عسكري سعد حميران الى هايدلبرغ قبل سنة. ومنذ ذاك نحاول ان نفهم هذه اللغة ونسجل قصصاً ونصوصاً حولها. وإن شاء الله بعد سنة ستكون لدينا فكرة وافية عن اللغة المهرية، ونصدر كتاباً في هذا الخصوص.
< هل هناك لهجات أو لغات اخرى غير مدونة لتاريخه في جنوب الجزيرة العربية؟
- من الممكن القول ان المهرية هي من أكبر اللغات العربية الجنوبية. وإضافة اليها ثمة لغات اخرى مثل الشحري أو الجبالي والهبيوت والحرصوصي والبطحري والسقطري في جزيرة سقطرة. كل هذه اللغات يجب ان تدرس.
< يعتبر علماء اللغة ان اللغة لئلا تندثر يجب ألاّ يقل عدد متكلميها عن 000،50 نسمة. لذلك نتساءل عن عدد الاشخاص الذين يتكلمون هذه اللغات؟ وهل ينطبق هذا المعيار على المهرية وسواها من هذه اللغات؟
- اللغة المهرية هي الأكبر من بين هذه اللغات. ويعتقد ان هناك نحو عشرة آلاف ناطق بها. اما بالنسبة إلى اللغات الاخرى مثل الهبيوت والحرصوصي، فمن المعتقد ان متكلميها يتراوح عددهم بين 1500 و2000 نسمة.
< ترى كيف يتفاهم هؤلاء مع اخوانهم في اليمن؟ هل هناك لغة مشتركة بينهم؟ أم أنهم يلجأون الى اللغة العربية للتواصل بين بعضهم بعضاً؟
- لا، الشعوب الصغيرة مثل الهبيوت والحراصيص يستخدمون اللغة المهرية في هذه المنطقة. فهم يعرفون المهرية أو اللغة الشحرية. لكن أكثرية المقيمين في هذه المنطقة يتكلمون حالياً العربية ايضاً، خصوصاً في اليمن حيث كانت لديهم مدارس منذ سنوات عدة.
< ننتقل الى محور آخر هو المنابر الجامعية الأوروبية مثل هايدلبرغ التي توفر فرصاً للباحثين من الأساتذة الأجانب والعرب وتحاول بذلك ان تخلق تقارباً ثقافياً بين الغرب والشرق. كيف تساعدون بصفتكم احد المسؤولين عن هذه المنابر في التقريب بين الثقافات، وفي خلق ظروف للحوار بين حضارات مختلفة، وفي إتاحة الفرص امام مختلف الباحثين لعرض آخر دراساتهم وأبحاثهم حول مسائل وقضايا لغوية محلية يتابعونها، وفي إطار منهجي علمي وأمام جمهور أوروبي؟ وهل يشكل هذا الأمر اهتماماً أساسياً لدى المعهد؟
- منذ سنوات كان اهتمام العرب بدراسة اللغات السامية محدوداً. ولكن منذ ما يقارب الخمسة عشر عاماً، بدأوا يظهرون اهتماماً أكبر بدراسة اللغات السامية. إثر ذلك قام بين معهد هايدلبرغ وجامعة حلب تعاون وثيق، وكذلك الأمر مع جامعات اخرى في منطقة الشرق الأوسط. وقبل خمس او ست سنوات لم يكن لدينا طلاب من البلاد العربية. لكن اكثرية طلاب معهد الدراسات السامية لدينا الآن هم من منطقة الشرق الأوسط، من تونس ومصر والأردن. وهناك ايضاً آراميون ذوو اصول تركية لكنهم يسكنون في ألمانيا منذ سنوات. اعتقد ان الدراسات السامية تحتاج الى باحثين ساميين عرب، لأن الحقل البحثي في الشرق واسع، خصوصاً ان دراسات اللهجات العربية تحتاج إلى علماء كثر لكي نعرف الفروق اللهجية من منطقة الى اخرى. البلاد العربية متسعة وليس لدينا اي فكرة عن اللهجات في تلك المناطق، خصوصاً في الجزيرة العربية. ويرغب المستشرقون في أوروبا في ان يعدوا قاموساً عن اللهجات العربية، لكن هذه المهمة شاقة وكبيرة وتحتاج الى ان يتعاون الكثير من العلماء مع بعضهم بعضاً لهذه الغاية. وإن شاء الله سيوضع هذا القاموس في يوم من الأيام.
< لاحظت انكم أنجزتم أطلساً لغوياً لسورية قبل نحو ثلاث سنوات. هل هناك تفكير في إعداد أطالس لغوية تتناول مناطق عربية اخرى؟
- هناك أطلسان لغويان: واحد عن سورية وآخر عن مصر. ثمة مستشرق ألماني هو بيتر بينشتد يعمل على أطلس لغوي للمغرب. وهو نفسه الذي أنجز الأطلس عن سورية. لكننا نحتاج أيضاً الى أطالس لغوية لبلدان اخرى عربية مثل العراق ولبنان والجزيرة العربية واليمن. لكن الدراسة في بعض البلاد العربية صعبة جداً، مثل العراق. وفي لبنان كانت الدراسة خلال الحرب صعبة جداً. وحالياً الظروف في لبنان أحسن والإمكانات افضل، لكن عدد العلماء الذين يهتمون بدراسة اللهجات العربية قليل.
< هل تشجعون العلماء الذين باشروا دراسات حول اللهجات العربية؟ وهل هناك امكان لإعادة تدريبهم وتأهيلهم بخصوص آليات العمل الألمانية؟ وهل هناك مساعدات تقدم لهم لتحضير دراسات، أو لإعداد فرق عمل تساهم معهم ميدانياً، لأن تجربة الراوي اللغوي المهري العسكري الذي احضر الى أوروبا هي تجربة عكسية، لا تنجح دائماً، لأنها صعبة التحقيق. بينما الأفضل هو، كما فعلت انت او المستشرق بينشتد، ان نذهب مباشرة الى الناطقين باللغة في مناطقهم الأصلية. هل هناك امكان لتحقيق هذا التعاون من خلال جامعات او مراكز ابحاث عربية ناشطة كي يصار الى تأهيل فرق عمل من طلاب السنوات النهائية للإجازة او طلاب الماجستير بإشراف الأساتذة المهتمين فعلياً بتطوير هذه المحكيات العربية الحديثة لدراسة اللغات أو المحكيات في مهدها الطبيعي؟
- مثلما سافرت انا الى سورية وعملت لمدة سنتين هناك، نحن نبحث عن طلاب يرغبون السفر الى الشرق الأوسط لكي يدرسوا اللهجات العربية في بلاد العرب إذا توافرت الإمكانات.
< ماذا عن الكويت والإمارات والبحرين؟
- نعرف الكثير عن اللهجات في ما يتعلق بالبحرين. لأن مستشرقاً انكليزياً عمل خلال سنوات على هذه اللهجات. وهناك مناطق في البلاد العربية شهدت ولا تزال حروباً مثل السودان والجزائر والعراق او لبنان. لكن إذا توافرت الإمكانات، مثلما كانت الحال في سورية، خلال هذه السنوات، فإننا سندرس لهجاتها. وأذكر هنا ان الكثير من المستشرقين والطلاب الألمان زاروا سورية في السنوات الماضية، وأعدوا كتباً عن اللهجات في سورية مثل قرى "الخاتونية" و"السخنة" و"النبك" وغيرها من اللهجات.
< جامعة هايدلبرغ تعود الى القرن الرابع عشر، هل تعطينا فكرة عن تأسيسها وكم يبلغ عمرها؟
- أسست الجامعة في القرن الرابع عشر، اي قبل اكثر من 600 سنة. ومنذ البداية كانوا يدرسون فيها لغات سامية. كان العالم سيبستيان مونستر Sebastien munster في جامعة هايدلبرغ، وكان يدرّس العبرية والآرامية، وكان اول عالم اعد قاموساً للغة الآرامية باللغة الأوروبية، اللاتينية. وهناك قاموس آرامي - لاتيني اعده في القرن الرابع عشر. ومنذ تلك الفترة وحتى تاريخه تدرّس اللغات السامية في جامعة هايدلبرغ.
< منذ متى تدرّس العربية الفصحى في جامعة هايدلبرغ؟
- العربية الفصحى تدرّس منذ القرن التاسع عشر.
< هل هناك قسم في جامعة هايدلبرغ لتدريس العربية الفصحى لغير الناطقين بها؟
- تدرّس الفصحى في قسم العلوم الإسلامية وفي قسم اللغات السامية حيث ندرّس الفصحى واللهجات العربية.
< اي محكيات عربية تدرّسون؟
- نحن ندرّس اللهجات السورية. وندرّس احياناً اللهجات التونسية والمصرية والفلسطينية.
< هل هناك اساتذة مختصون يدرّسون هذه اللهجات، وهل هم ألمان تحديداً؟
- هذه اللغات واللهجات تدرّس من جانب ناطقين اصليين بها، من سورية أو من تونس.
< من هم الطلاب الذين يتابعون هذه الدراسات؟ اهم صحافيون ألمان أم ديبلوماسيون ألمان ام مجرد طلاب عاديين؟ من هم باختصار الطلاب الراغبون في هذه الدراسات؟
- في البداية، اي قبل نحو مئة سنة، لم تكن تتوافر للطلاب الألمان فرص السفر الى البلاد العربية لتعلم العربية ولهجاتها، فبقوا في ألمانيا، وقرأوا كتب الأدب والشعر وكل ما ينتمي الى الحضارة العربية. بعد الحرب، بدأ الألمان السفر خارج بلادهم، هناك ألمان يسافرون سنوياً لقضاء اجازتهم في تونس. الآن صار سهلاً جداً السفر الى البلاد العربية. فخلال مدة أربع ساعات تصل الى دمشق من مطار فرانكفورت، وثمن التذكرة معقول نسبياً. ونحن نصل الى تونس بعد ساعتين طيراناً. لذلك زار الكثير من الألمان هذه البلدان وكانوا يومها اولاداً بصحبة والديهم. احبوا هذه البلدان. ومن هنا جاءت فكرة تشجيع هذه الدراسات العربية. وهناك امكانات عدة متوافرة للطلاب الألمان الذين يدرسون في جامعة حلب. إذ يمكن ان يعملوا في القطاع السياحي او في المجال الديبلوماسي او في الإعلام. هناك امكانات عدة للعمل متاحة امام الألمان الذين يتقنون العربية.
< هل انتم المؤسسة الجامعية الأساسية التي تعد الطلاب الناطقين بالعربية في ألمانيا أم ان هناك مراكز بحثية اخرى؟
- نحن في هايدلبرغ ندرّس اللهجات العربية للطلاب الألمان. ولكن اكثرية الطلاب يسافرون الى مختلف البلدان العربية مثل سورية ومصر وفلسطين وتونس حيث يتعلمون لهجاتها لمدة سنة او نصف السنة.
< الاستشراق الألماني اهتم سابقاً بافتتاح مراكز في البلاد العربية. نلاحظ حالياً شبه انحسار لهذا الاهتمام لأسباب عدة منها المادي وغير المادي. لم تعد الإمكانات المالية المخصصة لبيروت مثلاً كما كانت في السابق. ما تعليقكم؟
- يتعلق هذا الأمر بالتغيير الذي شهدته اوروبا. فإثر نهاية الشيوعية في شرق اوروبا، بدأ الألمان في افتتاح "معاهد غوته" في شرق اوروبا وفي آسيا الوسطى طشقند وموسكو، لأن التعاون بين اوروبا الغربية وأوروبا الشرقية كان ضعيفاً. لذلك استعملوا الكثير من المخصصات التي كانت تصرف في غير مناطق في العالم، لمناطق شرق اوروبا.
< هل ينعكس هذا الأمر على استضافة معهدكم أساتذة من منطقة الشرق الأوسط؟
- هذا التعاون الأكاديمي مستمر. مناطق التبادل تغيرت الآن. الكثير من المخصصات يتجه نحو شرق اوروبا، ولم يتبق اللازم كي يوزع في غير مناطق في العالم كما في السابق.
< هل استضفتم سابقاً أساتذة جامعيين لبنانيين؟
- أنت الأستاذ اللبناني الأول الذي يستضيفه قسم اللغات السامية في جامعة هايدلبرغ. اما قسم الدراسات الإسلامية فاستضاف الكثير من اساتذة الجامعة اللبنانية فضلاً عن اساتذة من المغرب ومن مصر.
* كاتب وأستاذ جامعي لبناني.

ليست هناك تعليقات: