.

2015/03/02

تونس : تدنٍ متواصل وهجمة شرسة من العامية والهجينة

تونس – صالح سوسي
لا يخفى على أحد أنّ اللغة العربية في تونس تعاني شأن بلدان عربية أخرى، لأسباب عدة ومختلفة، لكنّ الاتفاق يبقى حول ما تركه الاستعمار الفرنسي من إرث ثقيل من التغريب وتشويه اللغة الأم ومحاولات طمسها، فضلاً عن جهود خارقة لكثيرين من أبناء البلد لصـــنع جدار عازل بينهم وبين العربية.
وعلى رغم الجهود المبذولة من أجل دعم حضور اللغة العربية وترسيخها وحمايتها، إلا أن أموراً كثيرة تحول دون ذلك وتؤدي إلى العكس تماماً. ولعلّ ما شاب علاقة الناس بالكتابة والقراءة عموماً جعل اللغة أبعد ما تكون عن اهتمامات التونسيين. فقلّة من يقتنون كتباً لأبنائهم ويشجعونهم على المطالعة، ونسبة ضئيلة جداً من الآباء والأمهات يفكرون أصلاً بأن يعودوا إلى البيت، وفي أيديهم قصص أو كتب مصورة مثلاً. ذلك آخر همّهم، وهذا أثبتته الأرقام وليس مجرّد لغو. والأرقام أثبتت أيضاً أن بين التونسيين والكتابة والقراءة سنوات ضوئية لا يمكن حصرها ويصعب علاجها أيضاً، إضافة إلى المطالبة في مرات كثيرة باعتماد لغات أخرى أو الاكتفاء باللهجات العامية والعمل على تكريسها ودعمها.
يقول الإعلامي والكاتب شكري الباصومي: «العربية التي يتكلّمها أكثر من 400 مليون نسمة ظلت في مأمن من الانقراض، فهي لغة القرآن التي يحلم بليون مسلم أن يتحدثوا بها. ولم تتعرض لغة إلى ما تعرضت إليه العربية من هجمات خارجية وداخلية مثل الدعوة إلى تعويضها بالعاميّات وتغليب اللغات الأجنبية عليها، مثل الفرنسية في تونس التي تضخ لها أموال ضخمة لتنافس العربية التي يجتهد مأجورون ومهزومون في الاستهزاء بها واعتبار الفرنسية مدخلاً الى الحداثة».
ويضيف الباصومي: «الغريب أن فرنسا التي تعتبر لغتها مسألة حياة أو موت تعمل على التعددية اللغوية في مستعمراتها السابقة، مع أنّ أحد وزراء داخليتها السابقين (بيار شوفانمون) أعلنها صريحة: «إن الاعتراف باللغات الأخرى في فرنسا إعلان حرب على هويتنا».
ويتابع الباصومي: «تواجه العربية هجمة شرسة من حيث التلوث اللغوي وعقدة الفرنسية ووهم الحداثة، فضلاً عن الهشاشة اللغوية لجيل الشباب الذي ابتدع كتابة هجينة على «فايسبوك»، أو الهجمة العامية المقصودة مثلما تفعل قنوات تلفزيونية محلية. وتظل الخطورة الكبرى في ما يقوم به أميون في حوانيت الإشهار الذي من خلاله ترتكب أبشع المجازر في حق العربية والذوق السليم».
في المقابل، يبدو أن للنظام التعليمي دوره أيضاً في تدمير واقع اللغة العربية في تونس، والتي ينصّ دستورها في أول فصوله أن لغتها العربية. ويرى كثيرون أنّ المنظومة التربوية وما طرأ عليها من تعديلات خاصة في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي ساهمت في جعل اللغة العربية في أدنى مستوياتها.
ويوضح عادل مالك وهو مدرّس ثانوي وشاعر: «وضع اللّغة العربيّة صار من وضع المدرسة العربيّة المهترئة بمخالب البرامج والهندسات التعليميّة التي سطّرت في الغرف السّود لضرب المدرسة الوطنيّة، لا سيّما في الخارج في صلة بالسياسي الدولي الخبيث الذي يعمل بمعيّة حلفائه على سَدّ ينابيعنا الثقافيّة عبر الخلع والتّجريف والإخصاء في مجموع البيئة العربيّة. وأنتجت مقاربات مربكة لمنتوجنا التربوي أفرزت عللاً مزمنة تحت لافتات غاية في الكذب عناوينها دائماً إصلاح التّعليم وتحديثه، وهو العسل الذي يُدس من خلاله السمّ النّاعم والأشدّ فتكاً بأجيالنا. وأخطر شيء أنّه مشروع غربي وصهيوني نفذ في جلودنا عبر البرامج المدرسيّة المتواطئة والمملاة على كراسينا وبطوننا».
أما سلوى العباسي مفتشة مادة العربية في المعاهد، فتقول: «الإشكال يكمن أولاً في الفضاء وأسلوب التعلّم تحديداً. نهج مكتظ قاتم منضّد في شكل صفوف تتناظر ولا تتواجه، لا جمالية فيه ولا صبغة خصوصية تمنح المادة قدسيّتها وطقسيّتها. أجل العربية تحتاج طقوساً محدّدة لكي تتجلّى وتتحرّك وتمشي مختالة بحللها وقيمها وصورها ومآثرها». وتواصل: «علينا مراجعة المحتويات جذرياً في ضوء تقويم نوعي للمقاربات التي ندرّس بها. وهنا وجب ضبط «عيارات»، منها تشقّق المعايير والمقاييس بالاحتكام إلى الحاجة والقيمة والمعنى، أي الثالوث البراغماتي الذي يرزح عليه المشروع التربوي التعليمي بأكمله. وتضمر مكانة الفرد ومنزلة التعلّم في المدرسة والحياة ومنها تراجع الأطر والأجهزة والمفاهيم والطرق والمناهج».
ويؤكد مالك: «في التعليم النموذجي مثلاً لا توجد شعبة آداب في المرحلة الثانويّة، التي من الممكن أن تدفع لتخرّج دكاترة في النقد والأدب والحضارة واللّغة. وأمـــام انعدام هذا الأفق، لا يفكّر التلامذة إلاّ في المواد العلميّة، ما يجعل اللغة العربية آخر همهم».
أسباب تدني الاهتمام باللغة العربية في تونس كثيرة ومتعددة ومتنوعة أيضاً، ولا يمكن في حال أن نقف عندها كلها في مقالة واحدة، فالأمر يتطلب وقفات أطول، خصوصاً أن المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة عبدالعزيز التويجري، دقّ ناقوس الخطر في افتتاح الملتقى العالمي لخدمة اللغة العربية الذي التأم في تونس أواخر العام الماضي.

واعتبر التويجري أن «حاضر اللغة العربية ومستقبلها مهددان في ضوء سياسات مناهضة لها تخدم أهدافاً خارجية على رغم انتشار لا سابق له»، مؤكداً أن اللغة العربية قضية إستراتيجية لا تمسّ الأمن الثقافي والحضاري للأمة فحسب، بل تمسّ سيادة الدول العربية والإسلامية وأمنها العام واستقرارها واستقلالها الوطني.

ليست هناك تعليقات: