.

2015/03/07

أزمة قواعد وحروف والسيادة للهجات




المصدر : أخبار ... بتاريخ : 2014-07-02
«لغة القرآن محفوظة بحفظ الله لها..وهدفنا هو خدمتها وتمكينها،
والإسهام في نشرها، والاحتفاء بالمبدعين من أبنائها »
تواصل «الاتحاد » اقتحامها لقضية اللغة العربية وما تتعرض له من محنة تكاد تخفيها من ألسنة وأقلام أهلها.. وقد آثرت «الاتحاد » أن تتصدى لهذه المهمة على مستويات عدة، بدأتها بالمستوى الذي يعني المتخصصين وعلماء وأساتذة اللغة من خلال الملحق الثقافي.. ثم رأت أن تعالج هذا الموضوع على مستوى الشارع العربي والمنابر والمدارس ولافتات المحال.. وآراء عامة الناس فيما تتعرَّض له لغة الضاد من امتهان وتهميش لحساب لغات أجنبية أو لحساب اللهجات المحلية في الدول العربية.
وعندما أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، مبادرته بضرورة دعم اللغة العربية والاهتمام بها.. فإن سموه يعي تماماً بحسه الوطني والقومي ما تعانيه لغة القرآن ولغة أهل الجنة من غبن وظلم وتهميش واغتراب بين أهلها.
لغة أي قوم عنوان قوتهم أو ضعفهم.. تقوى إذا قوي أهلها وتضعف إذا ضعفوا.. واللغة العربية تتعرض في عالمنا العربي لظلم فادح وتشويه كبير، بل إنها تتعرض لازدراء واحتقار من الكثيرين، بزعم أنها لغة متخلفة تجاوزها الزمن وليست قادرة على تلبية متطلبات العصر.




مشكلة اللغة العربية ليست وليدة اليوم ولكن ما يحدث الآن هو تراكمات لمفاهيم بدأت قبل ما يقرب من قرن من الزمان.. حيث كانت وما زالت هناك هجمة شرسة وممنهجة خصوصاً عبر الأعمال السينمائية والدرامية على لغة الضاد وأهلها.. وبدأت هذه الهجمة أو هي انطلقت بقوة مع فيلم غزل البنات للراحل نجيب الريحاني الذي كان أول من أدى دور مدرس اللغة العربية المطحون والمثير للسخرية.. ومن يومها وحتى يتدارك العرب هذا الخطأ الفادح.. أصبح معلم اللغة العربية شخصية كاريكاتورية مثيرة للتهكم والسخرية ونموذجاً للتخلف والبلاهة والغفلة.. وصار كل من يود إضحاك الناس في الأعمال الفنية يتحدث الفصحى سواء كان مأذوناً شرعياً أو عالم دين.. واستقر في أذهان الناس أن اللغة العربية هي لغة المتخلفين والبلهاء.. وتحول هذا الاعتقاد الخاطئ إلى يقين حتى انصرف الناس عن لغتهم وازدروها.. والأدهى أنهم أصبحوا يجاهرون بذلك ويفخرون بأنهم يكرهون النحو والصرف.. وأنهم يجيدون اللغات الأجنبية الأخرى.. وصارت إجادة الفرنسية والانجليزية نوعاً من الوجاهة الاجتماعية وحرص الناس على تطعيم كلامهم بمصطلحات أجنبية.

اللغة العربية تحتاج إلى عمل مؤسسي ضخم لرفع الظلم عنها.. وتحتاج أولاً إلى إيمان أهلها بها ورد الاعتبار لها.. وتحتاج أيضاً إلى جهد شعبي عربي يتكاتف مع الجهد الرسمي.. اللغة العربية العظيمة لن تنقرض أبداً لأنها لغة القرآن الكريم.. اللغة العربية مريضة ولكنها أبداً لن تموت.
تحقيق: السيد سلامة، إبراهيم الملا،
تحرير الأمير، إبراهيم سليم،







عبير زيتون، ساسي جبيل، محمد وردي
أكد معالي حميد محمد القطامي وزير التربية والتعليم، أن اللغة العربية تمثل الركيزة الأساسية لنظامنا التعليمي في الإمارات، وتعتبر اللغة العربية أحد المحددات الحيوية للهوية الوطنية فهي الوعاء الحضاري الذي نستمد منه سمات الشخصية المواطنة الصالحة، ومن هنا فإن وزارة التربية والتعليم، تُدرك جيداً أهمية الدور الاستراتيجي للغة العربية في ترسيخ منظومة تعليم متطور يؤهل الطالب لمواكبة العصر والتفاعل مع تحدياته العلمية والتقنية من جهة، ومن جهة أخرى تكريس اعتزاز الطالب بهويته العربية الإسلامية، وهذا كله لا يتأتى إلا من خلال اللغة العربية والتي تمثل العمود الفقري الذي نستند إليه في إعداد مخرجات تعليمية متميزة.
وقال معاليه: إن اهتمام الوزارة باللغة العربية يترجم توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله » وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، واخوانهما أصحاب السمو الشيوخ أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس مجلس أبوظبي للتعليم، حيث تحرص قيادتنا الرشيدة على أن تكون اللغة العربية في صدارة أجندة أولويات النظام التعليمي في الدولة.
وأوضح معاليه أن وزارة التربية والتعليم دشّنت خلال الفترة الماضية مبادرات تستهدف تطوير مناهج اللغة العربية من خلال لجان متخصصة بحيث تكون هذه المناهج مواكبة لما يشهده العصر من تقدم، ولما طرأ على بيئة التعلم من تطوير، خاصة في ضوء تنفيذ الوزارة لمشروع التعلم الذكي، وتحويل البيئة المدرسية إلى بيئة الكترونية ومن هنا جاء الاهتمام بإطلاق مشروعات تتعلق بتصميم مناهج دراسية متطورة في اللغة العربية، وكذلك تدريب المعلمين على طرق وأساليب التدريس لهذه المناهج، بالإضافة إلى تطوير نظم التقويم والامتحانات، وهذه المشاريع وغيرها تصب في النهاية في دعم الجهود الخاصة باللغة العربية ومواجهة التحديات التي تشهدها عملية ترسيخ دور اللغة العربية في مجال التعليم.
وكشف معاليه أن الفترة الماضية شهدت نقلة نوعية فيما يتعلق بآلية إعداد المعلمين المتخصصين في اللغة العربية وآدابها من خلال برامج تدريبية دقيقة تعزز من مهارات المعلم وقدرته في تبسيط المنهاج الدراسي للطالب، ونقل اللغة العربية عبر عصورها المختلفة منذ فجر التاريخ إلى طالب يعيش في القرن الحادي والعشرين، وقد نجحت الوزارة في هذا الجهد وتواصله خلال الفترة المقبلة، وتلمس الوزارة تحسناً كبيراً في مستويات الطلبة وإقبالهم على اللغة العربية كأحد المساقات الدراسية البارزة في منظومة التعليم.
الهوية الإماراتية
وأكدت معالي الدكتورة أمل القبيسي مدير عام مجلس أبوظبي للتعليم، أن استراتيجية تطوير التعليم في إمارة أبوظبي تستند في محورها الرئيس على دور اللغة العربية في العملية التعليمية فهي مكون أساس من ركائز الهوية الإماراتية العربية التي نفخر بها جميعاً، ولا نغالي عندما نؤكد أن نجاح نظامنا التعليمي يرتبط في الأساس بمدى قدرته على التميز في دعم دور اللغة العربية في المدرسة والمجتمع بصورة عامة، ويبذل مجلس أبوظبي للتعليم جهوداً كبيرة فيما يتعلق بتطوير شامل لمنظومة اللغة العربية في المدارس الحكومية والخاصة، وقد بدأ المجلس بالفعل تطبيق برامج تعزز من دور اللغة العربية في بيئة التعلم.
وأشارت معاليها إلى أن عملية التطوير، تشمل المناهج وطرق وأساليب التدريس، وتجهيز البيئة الصفية وتزويدها بمرافق الكترونية تعزز من قدرة المعلم على التفاعل مع الطالب وأيضاً تنقل الطالب من مرحلة التلقي والحفظ والاسترجاع إلى مهارات تدعم قدرة الطالب في الفهم والاستيعاب. وقالت: «إن اللغة العربية تحتاج إلى تضافر الجهود المجتمعية التي تجعل منها قاسماً
لغة القرآن والفكر والشعر والعلم
العربية في أزمة وغربة بأوطانها
تشكّل اللغة، الركيزة الأساس في بناء المجتمعات، وليست هناك لغة خارج المجتمع، ولا مجتمع من غير لغة وهي أضخم عملية حضارية تنشئ الحضارة، وتتمثّلها وتعبّر عنها، وهي ذات رصيد حضاري، لا حدود له، يربط هذا القول اللغة بقضية الوجود وبنائه حضارياً، ويستشفّ منه أنّ الانتماء إلى اللغة هو انتماء إلى وجود معيّن. فموقع اللغة هو موقع الحياة نفسها، ولا وعي من غير لغة، مخزن القول، والموحّد في العقل والنفس والوجدان والتاريخ والحاضر والمصير. وهو ما أكّده العالم اللغوي إدوار سابير بقوله: «إنّ اللغة هي التي تجعل مجتمعاً يتصرّف ويفكّر بالطريقة التي يتصرّف ويفكّر بها، وأنّ ذلك المجتمع لا يستطيع رؤية العالم إلاّ من خلال لغته، وأنّ تلك اللغة بمفرداتها وتراكيب جملها محدّدة في ذاتها نظرة العالم المتكلّم فيها للعالم والحياة » .
في حال العرب، فإن اللغة هي الركيزة الأكثر أهميّة في وجودهم، فبالإضافة إلى كونها هي التي حملت الإسلام وما انبثق عنه من حضارات وثقافات، فقد توحد العرب بها قديماً وبها يتوحدون اليوم، ويرى بعض الباحثين أنها هي «النفس العربيّة » (1)، وهي «المتميّزة بقدم وتنوّع خبراتها ومصادر ثرائها وعمق تاريخيتها التي تصل حتى التفرّد بين اللغات التاريخية التي تتعامل بها سلالات الأسر اللغوية الأخرى » ، وهذا ما عبر عنه المستشرق إرنست رينان Ernest Renan في كتابه تاريخ اللغات السامية Histoire générale des languessémitiques: «إن انتشار اللغة العربية ليعتبر من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، كما يُعتبر من أصعب الأمور التي استعصى حلها؛ فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ ذي بدء، فبدت فجأة على غاية الكمال سلسة غاية السلاسة، غنية أي غنى... وإن اللغة العربية - ولا جدال - قد عمّت أجزاء كبرى من العالم » .
ويرى بعض الباحثين أن لفظة «لغة » العربيّة هي أول ما أطلق من أسماء على الكلام، فهي: «لوجو » أو «أولوغو » Logo (الكلمة) (2)، وهي من الفعل العربي القديم (السرياني والفينيقي): «لجا = لغا، لهج، نطق، تكلم » . وأنّ الكلمة كانت في أساس التفكير العربي تعني البناء، ومن ثم انتقلت إلى التفكير الديني. إنّ المنقّب في تاريخ السلالات العربيّة المتعاقبة يجد الكثير من المعارف التي وضعت في الأساس لبناء المجتمعات، فثمّة قرون طويلة قبل الإسلام، وثمّة تطوّر وتكيّف مع كل مرحلة، وثمّة تنوّع يظهر حيويّة اللغة العربيّة ويكشف عن إمكاناتها المختزنة التي تخطّت بلاد العرب إلى بلاد الآخرين.
اللغة العربية، في واقعها الراهن، تحتضن أزمة تواصل بين قواعدها وحروفها. فكثير من أبنائها، يلحنون بكتابتها ونطقها، ويرطن بعضهم بلغات غيرها، وبعيداً عن متون الكتب والإعلام - خصوصا المكتوب منه - والمعاملات الرسمية، تبدو لغة الضاد وكأنها مقصية عن الحياة اليومية. فالسيادة أولاً وأخيراً هي للهجات، فهل السبب يعود إلى طرق تعليمها، وهل هناك ضرورة لتيسير تلقينها للناطقين بها أولاً، ولغير الناطقين بها ثانياً؟ وهل يكمن سبب هذا التراجع في كون العربية لم تعد لغة العلم المعاصر؟ وهل هذه المقولة صحيحة في الأصل والأساس؟
عن هذه الأسئلة وغيرها تحاول «الاتحاد » توفير إجابات من أهل الاختصاص والمهتمين بشؤون العربية، الحادبين عليها:
بلال البدور رئيس جمعية اللغة العربية في الإمارات، يقول: إن عالمنا العربي يعيش مرحلة ما بين المحب لهذه اللغة والنقيض في الواقع، فعندما نتحدث عن اللغة العربية وأهمية تعزيز مكانتها وتمكينها في المجتمع، نجد الجميع متجاوبا بل متحمساً، ويخلص الحوار إلى نتيجة مفادها، أن كل من استمع إليك واستمعت إليه سيقوم من تلك اللحظة بتغيير الواقع، ولكن كما يقال: إن العرب ظاهرة صوتية، إذ بمجرد أن ينفض الجمع تبقى اللغة العربية وحيدة حتى لقاء آخر. نحن في الإمارات الدستور ينص على عروبة الدولة وعروبة لغتها وقرارات مجلس الوزراء تؤكد ذلك ومبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي تؤكد على ذلك، وكذلك جهود صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، تدعم هذا التوجه لتمكين اللغة العربية. ولكن جميع هذه الجهود تبقى على الورق لأن المجتمع لا يحرص على تطبيق ما تدعو إليه كل هذه المبادرات أو القرارات، حتى أصبحنا نشعر أن هذا المجتمع إما أنه لا يستجيب أو أنه ينظر إلى هذه التوجهات وكأنها لا تعنيه. لهذا لا بد من أن نقوم جميعا على العمل وبوقت واحد في المجالات التعليمية والاعلامية والمؤسساتية.
ففي المجال التعليمي لا بد من تمكين اللغة العربية ليست كمادة دراسية فقط، وإنما جعلها لغة التعليم في كل الميادين والاختصاصات، إذ لا بد من تقويم ألسنة الجميع، خاصة في المراحل التأسيسية، حتى يشعر الطفل المتلقي للغة العربية أنها ليست مجرد معلومات يجب أن يتلقاها ويمتحن فيها فقط، وإنما عليه ممارستها أيضاً. وفي المجال الإعلامي، يجب أن يُقدم للمجتمع بلغة عربية «بيضاء » ، فالدراما والأغنية والبرنامج عندما يقدم بلغة عربية سليمة، سوف يصل إلى جميع الشرائح المستهدفة.
اما المجال المؤسساتي: لا بد من تعريب جميع المؤسسات الرسمية والخاصة، والطلب من المؤسسات الأجنبية احترام اللغة العربية، وإلزامها بإجادة بعض موظفيها للعربية من أجل التواصل والتخاطب مع المجتمع.
هوية وانتماء حضاري
الدكتور طلال الجنيبي الشاعر الإماراتي، أكد أن اللغة العربية بالنسبة للناطقين بها تعبير عن هوية وانتماء حضاري وتيسير تعليمها في هذه الحالة أمر ﻻ مناص منه وأما لغير الناطقين بها فيبقى تيسير تعليمها نافذة تعريف بثقافة وحضارة عريقة وهي نافذة لا غنى عنها في عالم نحتاج فيه إلى التقارب وفهم بعضنا بعضاً بطريقة أفضل. وجواباً على سؤال هل تعتبر إن العربية يمكن أن تكون لغة العلم المعاصر؟ أجاب الجنيبي إن بيت الشاعر حافظ إبراهيم الشهير يغني عن أي إجابة (وسعت كتاب الله لفظا وغاية/ وما ضقت عن آي به وعظات.. فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة/ وتنسيق أسماء لمخترعات).
أثرى اللغات
الدكتورة حصة لوتاه تقول: إن اللغة العربية هي من أثرى اللغات وأطوعها، وأكثرها اكتنازاً للمعارف. وهناك ضرورة ملحة لتيسيرها للناطقين بها وغير الناطقين بها، والأهم لابد من تيسيرها للباحثين والدارسين من غير العرب.
ودعت إلى إصدار قرارات حكومية تقضي بالتركيز على التعليم الرسمي، ووضع حد للتعليم الخاص، أو على الأقل إرغامه على اعتماد البرامج الرسمية لتعليم العربية، وإرغام الآخرين على التعامل بالعربية في بلادنا، فوجود العربية من وجود أهلها، وضعفها من ضعف الناطقين بها.
أما بالنسبة إلى إمكانية أن تكون العربية لغة للعلم أم لا؟ فتقول إن مثل هذا السؤال لأمر محزن للغاية، وهل هناك من لا يعلم أن العربية هي أحد أوعية العلم، ولو دققنا في مجمل العلوم سنجد أن لها أساسات لغوية عربية.
العامية هزمت الفصحى في الإعلام العربي
اتفق إعلاميون على أن اللغة العربية الفصحى في الإعلام العربي تحتضر، مشيرين إلى سيطرة اللهجات العامية واللغات الأخرى عليه.
وأكدوا أن الحل يكمن في زيادة المخزون اللغوي للإعلاميين، من خلال تشجيعهم على القراءة والبدء بالميل أكثر فأكثر إلى استخدام العربية في تقديم البرامج والحوارات، بهدف إعادة ثقة المشاهد بلغته ووعاء ثقافته وهويته.
وقال عدنان حمد، إعلامي ونائب رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة: إن قدرة الإعلامي على إجادة التحدث باللغة العربية الفصحى تعتمد على مخزونه المعرفي في صغره والذي يرتكز على المطالعة، «فالقراءة بكثرة منذ الصغر تخلق مخزوناً من المفردات والعبارات والمفاهيم يسكن ذاكرته من غير شعور، وتجري على لسانه عند الحاجة إليها » .
وقال: إن هذا المخزون غالباً ما يفيد عند الارتجال في الخطاب، وهو ما يضطر المتحدث بصورة المتمكن من حديثه، مشيراً إلى أنه طلب منه قبل مدة قصيرة التحدث عن الخدمة الوطنية بلا تحضير، لكن مخزونه اللغوي والثقافي سهل عليه المهمة للتعبير عما يريد بطلاقة. وأضاف: إن اللغة العربية ومكوناتها ومفرداتها سهلة، ويتكون المخزون المعرفي للشخص في حالة الإكثار من قراءة الكتب، إضافة إلى قراءة القرآن الكريم، فهما أبرز عاملين لتقوية اللغة العربية، فالتحدث لا يعتمد فقط على الصوت والمفردات وتشكيل الأحرف ومخارج الحروف، بل يجب التزام المتحدث بها بقواعد اللغة وعدم كسر أي قاعدة حتى لا يخل باتزان الجمل، ويحصي المشاهد أو المستمع له أخطاء يومية بالمئات من جر المفعول به، ونصب الفاعل، ورفع المضاف والمضاف إليه.
وأشارإلى أن اللهجة الإماراتية سهلة وفي حال تغيير بعض المفردات تصبح مفهومة وسلسلة للمتلقي، وعلى الإعلامي المتحدث باللغة العربية أن يتجه بداية الأمر للغة العربية المبسطة، مع تجنب التقعر في استخدام الفصحى، حتى لا ينفر المتلقي.
وطالب عدنان حمد المسؤولين في مؤسسات الدولة باعتماد اللغة العربية وسيلة للتحدث والمراسلة، حيث يتزايد اعتماد الإنجليزية كلغة تخاطب بين المؤسسات الحكومية، مبديا استهجانه لهذا السلوك، الذي يتنافى مع هوية الدولة وثقافتها وتراثها.
وقال الإعلامي عبدالرحيم البطيح: إن الإعلام المحلي يخاطب فئتين؛ هما المشاهدون العرب، ومواطنو الدولة، حيث إن الإعلام الموجه إلى العرب يجب أن تكون لغته سليمة، لتوصيل ما يريد إليهم، والاسهام في جذب الجمهور ويساعد في تثقيفهم.
أما في الإعلام الموجه إلى مواطني الدولة، فإنه يتم استخدام اللهجة المحلية، لأنها سهلة وخفيفة ويستطيع المتلقي استيعابها، وتكون مقربة له ولا تشعره بالملل.
وأوضح البطيح أن الإعلام العربي بحالة جيدة، ودائما ما تسعى المؤسسات الإعلامية المحلية لاستخدام اللغة العربية الصحيحة في برامجها، ويتم دعم أسس استخدامات اللغة العربية عبر البرامج السياسية والجادة ونشرات الأخبار.
وأوضح الإعلامي أحمد جوكه أن المجتمع الإماراتي أصبح خليطاً من الثقافات واللهجات، وإن التحدث باللهجة العامية في وسائل الإعلام المحلية لا يوصل المفهوم الصحيح للمتلقين، موضحاً أن البرامج المحلية تختلف عن البرامج الأخرى التي تتطلب منه التحدث باللغة العربية الفصحى. وأشار جوكه إلى أن اللغة العربية السليمة ضرورية للإعلامي، لكنه ضد التشكيل والتقعر في استخدام كلمات فصحى، معتبراً أن ذلك قد يؤدي إلى ملل المشاهد، خصوصاً إذا كان الإعلامي قد بدأ يتحدثها بعد أن اعتاد الجمهور عليه يتحدث العامية.
ودعا الإعلامي أحمد الغفلي إلى الموازنة في استخدام اللغة العربية بين الفصحى والعامية، نظراً لأن الدولة تضم نسيجاً من ثقافات متعددة، فلا بد أن تكون المفردات مبسطة، مشيراً إلى استخدامه الفصحى أحياناً يواجه باستهجان من بعض الجمهور.
ورأى الغفلي أن كثيراً من الإعلاميين يستخدمون مفردات فصحى بشكل خاطئ، وهو أمر ناجم عن العزوف عن القراءة، لافتاً إلى أنه يفضل الابتعاد عن المفردات الدخيلة، فيستخدم كلمة «لاقط » ، بدلاً من «مايك » ، حيث إن إذاعة الشارقة التي يعمل بها حريصة على التحدث بالعربية الصحيحة ونقلها إلى المجتمع.
و يتبنى الإعلامي أيوب يوسف مبادرة «ثوان في حب اللغة العربية » على موقع التواصل الاجتماعي «انستغرام » ، قائلاً إن الفكرة راودته بعد متابعته مقاطع لا فائدة منها تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تعبر عما وصل إليه فكر الشباب من انحدار.
وأضاف: إن انتشار هذه المقاطع دفعه إلى التفكير بمشاركة مقاطع في حب اللغة العربية، لعها تجد آذاناً صاغية لدى الشباب، وتخفف من سطحية تفكيرهم، وتزيدهم حباً في لغة القرآن الكريم ولغة نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وأكد أن عملية نشر اللغة العربية تتطلب سن قوانين صارمة، لفرض اللغة العربية بحيث تصبح لغة كل المواد الإعلامية والإعلانية، وعندها ستجد جيلاً ينشأ على حب لغته.
لجنة للارتقاء بالأسلوب الخطابي وتجنب اللحن
أكد محمد عبيد المزروعي المدير التنفيذي للشؤون الإسلامية في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، أن الهيئة تقدر تقديراً عالياً دستور الدولة، الذي ينص على أن اللغة الرسمية للدولة هي اللغة العربية، وتثمن مبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي - رعاه الله - التي تركز على الاهتمام باللغة العربية، مضيفاً أن الهيئة تعتمد اللغة العربية في جميع مكاتباتها ومراسلاتها وأنشطتها الاجتماعية.
وقال المزروعي: إن اللغة العربية هي لغة القرآن، والحضارة الإسلامية، وهي الوعاء الذي وسع كتاب الله وشرعه، والاهتمام بها يعد من صميم عقيدة المسلم حتى يفهم ويتدبر معاني القرآن والسنة النبوية المطهرة، مضيفاً أن الاهتمام باللغة العربية وتقوية مهارة أئمة المساجد وخطباء الجمعة فيها، يعد من أولويات الهيئة، وأنه وفقاً للخطة الاستراتيجية التي اعتمدها مجلس الوزراء الموقر تقوم الهيئة بعقد دورات لجميع العاملين في هذا المجال، بالإضافة إلى دورات متخصصة للبعض، ممن يتبين حاجتهم لجرعات أكبر من الدورات اللغوية، مبيناً أن هذه الدورات القصد منها العناية باللغة العربية، وكيفية اختيار الأساليب اللغوية وصقل مهارات الخطباء التي تشد المستمع.
وأوضح أن الهيئة أنشأت لجنة يرأسها الدكتور محمد مطر الكعبي مدير عام الهيئة، وتضم فقهاء وعلماء في اللغة العربية، من مهامها تمحيص الفتاوى فقهياً، وتصحيحها لغوياً، وكذلك هناك لجنة لإعداد الخطب منوط بها تدقيق ومراجعة خطبة الجمعة، كلماتها وأساليبها، وقد تم تزويدها بشخصيات علمية ذات كفاءة وخبرة في هذا المجال. وقال إن الهيئة من خلال هذه اللجنة، ترتقي بالأسلوب الخطابي، وباللغة العربية في خطب الجمعة، حتى يتسنى فهمها لجميع رواد المساجد، من مختلف الأجيال، وهو ما يؤكد العناية الفائقة التي توليها الهيئة للغة القرآن، وأكد أنه من النادر أن نجد من الخطباء من يحتاجون إلى مهارة لغوية، وإن ظهر ذلك ووجد أن بعضهم يحتاج إلى تنمية المهارة، فإن الهيئة مباشرة تخضع الخطيب وأمثاله لدورات تقوية وإعادة تأهيل، منوهاً إلى أن هناك خطبة سنوية للحديث عن اللغة العربية والاهتمام بها.
وأشار إلى أن من وجوه الاهتمام باللغة في الدولة، الفعاليات التي تنظمها الدولة، عالمية ومحلية على حد سواء، تزيد من الاهتمام باللغة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر مواسم أمير الشعراء، إلى الشعر النبطي الذي يعود في أصوله إلى اللغة العربية،   وكذلك مسابقات محلية في الأدب والقصة، والشعر، موضحاً أن معظم قادتنا لديهم ميول شعرية أو كتبوا الشعر والقصة والرواية، كما أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه كان شاعراً، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، هو الشاعر الفارس، وكذلك أبناؤهم قامات شعرية ولهم قصائد مشهورة.
خبراء: قيادتنا واعية بأهمية اللغة في الحفاظ على أمتنا من التمزق
العربية تتعرَّض للعزل والاستبعاد بزعم عدم صلاحيتها للحداثة
طالب أكاديميون بضرورة الاهتمام باللغة العربية، وحمايتها من التهميش والإقصاء، وسطوة اللغات الأجنبية واللهجات المحكية، مؤكدين خطورة عزل واستبعاد اللغة بدعوى الرقي والانفتاح والتقدم والحداثة.
وأجمع هؤلاء على أنه لا يمكن تحقيق التنمية، والوصول إلى الإبداع، واكتساب المعرفة والعلوم، إلا عبر حاضنة الفكر، باعتبار اللغة وسيلة نشر العلم على أوسع نطاق. وأقر أكاديميون بأن اللغة العربية في خطر طالما أبناؤها عاجزون عن حمايتها، في ظل تُسيد اللغة الإنجليزية والفرنسية في معظم المدارس، وتسابق الأهالي وأولياء الأمور على منح أولادهم تعليماً بلغة إنجليزية.
وأكد الدكتور فكري النجار، الأستاذ في قسم اللغة العرية بجامعة الشارقة، أن ظاهرة كتابة اللغة العربية بحروف إنجليزية ظاهرة سلبية جداً، ومنتشرة بين الشباب، ممن لا يجيدون الانجليزية، ويريدون أن يظهروا بمظهر لائق، وفق تقديرهم عبر الكتابة بحروف إنجليزية.
وقال: «لا بد من القضاء على هذه الظاهرة التي انتشرت منذ سنوات قليلة كالنار في الهشيم، وفندها بسبب من الأسباب التي تضعف وتزعزع العربية.
وقال سعيد مصبح الكعبي، رئيس مجلس الشارقة للتعليم ورئيس مجلس إدارة جمعية المعلمين وعضو المجلس التنفيذي: «إن حماية اللغة العربية هي الحصن الأساسي لحماية الهوية الوطنية والإرث » .
وأشار إلى أن الميدان التعليمي تلقى على عاتقه مسؤولية كبيرة، من خلال إبراز مكانة اللغة العربية في نفوس النشء، وتبجيل مكانة اللغة في قلوبهم. وناشد جميع الإدارات المدرسية بالتركيز على حصص اللغة العربية، وبضرورة التواصل مع التلاميذ باللغة العربية الفصحى، وإقصاء اللهجات المحلية في الغرفة الصفية، وضرورة بث الوعي بين النشء بمدى أهمية اللغة العربية في حفظ الهوية، وبث روح الانتماء للوطن والأمة.
ويرى الدكتور حميد مجول النعيمي، مدير جامعة الشارقة بالوكالة أنه على الرغم من كل الأدوات والوسائل والمناهج التي تتخذها جامعة الشارقة، وغيرها من المؤسسات المعنية لتعزيز اللغة العربية، فإن هناك تحدياً كبيراً لهذه اللغة لا يمكن نكرانه، يتمثل في سيادة وسائل الاتصال التكنولوجية المختلفة على لغة شريحة الشباب في الأمة العربية من شبكة الإنترنت.
المعلمون والموجهون: تطوير منهاج العربية لم يحقق المأمول
طالب عدد من العاملين في الميدان التربوي بإلزام جميع المعلمين بالتحدث باللغة العربية الفصحى خلال تدريسهم جميع المواد التعليمية داخل الفصول المدرسية، ويستثنى من ذلك المواد التي تدرس بالإنجليزية، بهدف تعويد الطلبة على الاستماع والتحدث بلغة الضاد، وتعزيز مهاراتهم فيها، باعتبارها لغة الدولة التي تذوب الهوية بذوبانها. ودعا المعلمون إلى اعتماد قرار وزاري يفرض التحدث بالفصحى كلغة تدريس، بدلاً من استخدام اللهجات والتي تطعم بكثير من الكلمات غير العربية.
وشدد عاملون في المجال التربوي على أهمية إعادة النظر في المناهج الوزارية المتعلقة باللغة العربية، لتكون قادرة على مواكبة العصر وجذب الطلبة لتعلم مهاراتها من قراءة وكتابة وغيرهما من علوم اللغة، كي يتمكن الطالب من استيعاب كل المضامين. واتفق موجهو اللغة العربية على أن انتشار اللغة الإنجليزية على حساب العربية في المدارس الأجنبية، وإهمال حصة العربية لصالح أنشطة أخرى ساهم أيضاً في تدمير اللغة عند الطلبة ودفعهم إلى تفضيل الإنجليزية كلغة حوار عوضاً عن اللغة الأم.
واعتبر موجه لغة عربية في منطقة عجمان التعليمية أن سطوة العامية داخل الفصول كلغة تدريس تقلل وتضعف من هيبة اللغة العربية.
وأكد أن استخدام اللغة العربية الفصحى في اللوائح الوزارية إلزامي، ولكنه غير مطبّق بسبب عدم التزام المدرسين به واللجوء إلى استخدام لهجاتهم المحلية، مستدركاً أن الكارثة الكبرى تحدث حين يتحدث معلم اللغة العربية بالعامية داخل الفصل.
وأكدت نائبة مدير مدرسة الشارقة البريطانية الدكتورة رافت زماني أهمية أن تقوم الوزارة بعمل جاد بتغيير منهج اللغة العربية ليكون ثلاثة مستويات وبإطار مبهج ويستفيد منه جميع التلاميذ ويتعلمون جميع المهارات.
وقالت إن الطلبة يعانون كثيراً من المنهاج الحالي، لأنه معقد وكبير وشائك، ولا يخدم فكرة تعلم المهارات، ومعظم طلابنا يشعرون بأن العربية صعبة جداً، في حين يعتقدون أن الإنجليزية سلسة وسهلة بسبب مناهجها التي تركز على تطوير مهارات الطالب من كتابة وإملاء ولفظ ونحو وشعر وقصة وتعبير وغيره.
ودعت إلى أهمية فرض تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، حيث إن المدرسة تضم جنسيات كثيرة ومن الرائع الاستفادة من هذا الأمر بدعم اللغة العربية.
التواصل بالعامية
وقال إبراهيم بركة مدير مدرسة الشعلة التي تتبع النظام الوزاري إن قضية اللغة العربية بحاجة إلى تضافر الجهود والتركيز على نقاط كثيرة، لأن المسألة باتت شائكة، ولكن إذا تم العمل على تقوية المناهج، ومنع التواصل الصفي بالعامية، وتعزيز اللغة العربية في المدارس الأجنبية، فسوف نجد ثمار هذا الزرع في غضون سنوات قلائل.
وقال إن علينا أيضاً التمحيص عند اختيار المدرسين، حيث إن بعضهم لا يمتلك المهارة والخبرة الكافيتين لتدريس العربية، رغم حمله شهادة جامعية تفيد بذلك.
وأضاف أن بعض الطلاب العرب باتوا لا يفضلون التحدث بالعربية، وحين يتحدثون بها يستخدمون العامية. وعزا بركة الضعف في العربية عند التلاميذ إلى إهمال بعض المؤسسات التعليمية للعربية وترجيح كفة الإنجليزية عليها فتكون النتائج محبطة.
تنويع المنهاج
وأشارت مديرة مدرسة الطلاع نجلاء الدرويشي إلى أهمية إعادة النظر في المناهج، وخصوصاً منهاج اللغة العربية، مطالبة بتنوع المنهاج، بحيث يتمكن الطالب من الحصول على جميع مهارات الكتابة والإملاء والقراءة والاستماع وغيرها.
وقال معلم اللغة العربية سليمان محمود إن معضلة العربية لن تحل إلا إذا تم النظر إلى ثلاثة محاور، وهي تغيير المناهج ومنع استخدام اللهجات المحلية، ومضاعفة حصص اللغة العربية في المدارس ذات المنهاج الأميركي أو البريطاني أو غيرهما، كي يتسنى للطلبة تعلم وإتقان المهارات المطلوبة وبالتالي يكسب لغتين بدلاً من أن يكسب فقط الانجليزية ويخسر لغته الأصلية.
وقالت عائشة سالم معلمة لغة عربية إن إهمال اللغة العربية يرجع لعدم اهتمام المجتمع نفسه بها كلغتنا الأم في مقابل تدعيم الإنجليزية كلغة العصر واعتبارها لغة الشباب اليوم ولغة مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن سوق العمل يتطلب من الشباب إجادة لغات أخرى كاللغة الإنجليزية للحصول على الوظائف، في الوقت الذي لا نجد فيه إتقان العربية شرطاً للحصول على أية وظيفة.
وأكدت زينب عبدالدايم القليوبي، معلمة لغة عربية أن اللغة العربية تشهد تراجعاً رغم الجهود التي تبذلها الدولة، لأنه ليست هناك إرادة حقيقية للحفاظ عليها والارتقاء بها، وهذا ما يتطلب منا الاجتهاد في ممارستها والعمل على تشجيع الأجيال في المحافظة عليها.
وقالت سلوى محمد معلمة لغة عربية إن انحسار اللغة العربية يعود لأسباب كثيرة منها هجر القراءة باللغة العربية والتركيز الحالي على اللغة الإنجليزية جاء من الاشتراطات التي فرضها سوق العمل من حيث إتقان المنتسب إليه اللغة الانجليزية، ما أدى إلى التركيز على هذا الجانب من جانب المؤسسات التعليمية التي تعمل على إعداد الطلاب لخوض سوق العمل بمتطلباته الموضوعة، وفي المقابل تم إهمال الجانب القيمي والأخلاقي الذي يحتاجه أيضا سوق العمل من إعداد شخص يلتحق بهذا السوق بشرف وأمانة ومصداقية وإخلاص وقدرة على تحمل المسؤولية وليس مجرد آله تتقن اللغة الأجنبية.
تأسيس أوقاف مجتمعية لدعم تطوير اللغة
قال الدكتور نصر محمد عارف المستشار بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع: عندما كان العالم يتكلم العربية، وكانت العلوم العربية هي المصدر الحقيقي للتنوير والمعرفة والحضارة كتب أحد رجال الكنيسة الإسبان في فترة الوجود العربي في الأندلس يدعى «الباره موزاراب القرطبي » يبكي على شباب أمته الذين ابتعدوا عن ثقافتهم ودينهم، وأخذوا يلهجون بالأدب والشعر العربي، قال ما ترجمته عن الإسبانية: «إنهم يتلذذون بقراءة القصائد والقصص العربية، ويدرسون مذاهب المتكلمين والفلاسفة المسلمين، لا ليدحضوها، ولكن ليكتسبوا أسلوباً عربياً جميلاً صحيحاً، أين يوجد اليوم من غير الرهبان من يقرأ الشروح اللاتينية للكتاب المقدس؟ آه، إن الشبان المسيحيين الذين يمتازون بالتفوق في المعرفة لا يعرفون إلا اللغة العربية والآداب العربية! إنهم يقرؤون ويدرسون الكتب العربية.. وإذا تكلمت لهم عن الكتب المسيحية أجابوك باحتقار: إن هذه الكتب لا تستحق أن يلتفت إليها، وا ألماه!! إن المسيحيين قد نسوا حتى لغتهم، ومن بين ألف لا تكاد تجد أكثر من واحد يستطيع أن يكتب بلغة لاتينية سليمة رسالة لصديق، وبالعكس إذا كان المقصود الكتابة العربية وجدت عدداً كبيراً من الناس يعبرون عن أفكارهم بلغة جميلة، وينظمون القصائد التي تفوق من الناحية الفنية قصائد العرب أنفسهم، وحالنا في العالم العربي لا يختلف عن حال الإسبان أيام حكم المسلمين للأندلس، وعبارات الإسباني المفجوع في شباب قومه لا تحتاج منا إلا أن نغير كلمتين فقط، فنقول شباب العرب واللغة الإنجليزية.
وأضاف: إن دورة تاريخية كاملة مرت بها أمتنا، فأصبحت اللغة العربية غريبة في بلادها تعاني مشكلات هيكلية في بنيتها، ومناهج تعليمها، والقائمين على التعليم أنفسهم، فأزمة اللغة العربية في القائمين عليها الذين لم يطوروها، ولم يطوروا مناهجها، ولم يطوروا أنفسهم، ودفعوا الأجيال الشابة الى الزهد فيها لأنهم قدموها بطريقة منفرة، لا تجذب أحداً، سواء في مناهج التعليم، أو الأدب، أو الكتابة الابداعية.
واكد أن الأمل معقود على المجتمع وقياداته ورجال العمل لتأسيس أوقاف، وتقديم الدعم المادي المطلوب لإنجاز هذه المبادرات، والرجاء معقود أيضا على وزارات التربية والتعليم والجامعات لأن تأخذ هذا التحدي بجدية، وتتناسب معه، ولا تتعامل مع الموضوع بصورة بيروقراطية باردة.
الدعوة إلى تيسير اللغة للناطقين بها
الحفاظ على قواعد اللغة وتطوير طرائق تدريسها
يعتبر الدكتور محمد الصالح بن عمر الناقد الأدبي والباحث اللغوي والتربوي وأستاذ التعليم العالي بدار المعلمين العليا بجامعة تونس واحداً من أهم المراجع اللغوية في الوطن العربي، أجاب على سؤالنا هل هناك ضرورة لتيسير تعليم اللغة العربية، للناطقين بها أولاً، ولغير الناطقين بها ثانيا؟ لماذا؟ وكيف؟ فقال: إنه سؤال قديم، أثير منذ أوائل القرن العشرين. لكن أول مشروع علمي لتيسير لغة الضاد أعده اللغوي المصري إبراهيم مصطفى وعرضه في كتابه «إحياء النحو » (1937). ثم تتالت المشروعات إلى حد التخمة، دون أن يطبق منها ولو مشروع واحد. وذلك لتباين وجهات النظر الشديد بين دعاة التيسير. ويمكن تبين اتجاهين كبيرين في هذا المنحى: الأول فهم أصحابه من التيسير إدخال تغيير على قواعد اللغة العربية ذاتها بدعوى أنها تنطوي على عدة صعوبات وذهبوا في ذلك مذاهب شتى متباعدة جداً. فمنهم من دعا إلى إلغاء حركات الإعراب لتصبح لغة الضاد موقوفة مثل الدوارج العربية. ومنهم من اقترح تثليث عين الفعل الثلاثي المجرد مطلقا كأن تقول (صدَر وصدِر وصدُر) و(لعِب ولعَب ولعُب) والتخلي عن المثنّى وتعويضه بالجمع مثلما يجري به الاستعمال في الدوارج كأن تقول (الزوز أولاد جاو) وتوحيد اسم العدد في كل الحالات كأن تقول (حداشن رجل وحداشن امرأة بدلا من أحد عشر رجلاً وإحدى عشرة امرأة) وهكذا دواليك. وهذه، في تقديرنا، دعوات مرفوضة لأنها تؤدي إلى مسخ اللغة العربية وإفقادها خصوصياتها.
أما الاتجاه الثاني ففحواه هو الحفاظ على قواعد اللغة العربية كما هي مع تطوير طرائق تدريسها، ولا فرق بين تعليم اللغة العربية للعرب وتعليمها للأجانب.
ضعف في التدريس
كشف تقرير أعدته هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي حول أبرز النتائج المدرسية لعام« 2013 2014 » أن 75% من المدارس الخاصة لديها ضعف في تدريس اللغة العربية للناطقين بها ولغير الناطقين، في حين شهد مهارات الطلبة في التحدث والاستماع تحسناً بسيطاً في بعض المدارس الخاصة لكن التحسن في مهارات القراءة والكتابة كان ضئيلًا جداً، وخاصة أن تلك المدارس تعتمد أساليب تعليم وتعلم اللغة العربية على التلقين غالباً ولا تشجع الطلبة على المشاركة في تعلمهم، وحقق التدريس مستوى جودة جيداً في 60% من المدارس الخاصة، فضلا عن حاجة المدارس التي لم توفر تدريباً مهنياً جيداً لكادرها التعليمي إلى تطوير.
التحصيل الجيد
كشف تقرير صادر عن جهاز الرقابة المدرسية في هيئة المعرفة والتنمية البشرية انخفاض النسبة الإجمالية للتحصيل الدراسي الجيد في مادة اللغة العربية للطلبة الناطقين بها في معظم المدارس الخاصة في إمارة دبي.
وأوضح أن تحصيل دراسي ذا مستوى جودة ضعيف لدى 50% من أطفال المرحلة التأسيسية في المدارس الخاصة التي تطبق منهاج وزارة التربية والتعليم.
وما تزال نسبة التحصيل الدراسي الجيد والمتميز في هذه المادة 20% فقط بين طلبة المدارس الخاصة التي تطبق المنهاج التعليمي البريطاني، فيما رصدت الرقابة المدرسية تحسناً أفضل في المدارس الخاصة التي تطبق المنهاج التعليمي الفرنسي أو الألماني.
تراجع طفيف
أظهر التقرير حدوث تراجع طفيف في جودة الأداء في اللغة العربية لدى طلبة المرحلة المتوسطة، في المدارس الخاصة التي تطبق المنهاج التعليمي البريطاني أو البكالوريا الدولية. وكانت اتجاهات الأداء ثابتة في معظمها في هذه المادة بين طلبة المرحلة الثانوية، إذ لم يحققوا أي تحسن أو حققوا تحسناً محدوداً فقط في المدارس الخاصة التي تطبق منهاجاً تعليمياً أميركياً أو المنهاج التعليمي الفرنسي،
في حين حدث تراجع طفيف في جودة أدائهم، في المدارس الخاصة التي تطبق منهاج وزارة التربية والتعليم أو المنهاج التعليمي البريطاني أو البكالوريا الدولية.
وفي المقابل أكدت قيادات تربوية ضرورة إعادة النظر في منهاج اللغة العربية كي يحقق الغاية والهدف في اكتساب المهارات المطلوبة من قراءة وإملاء وكتابة وغيرها حيث إن معظم الطلاب يواجهون صعوبة كبيرة في التعاطي مع العربية بعكس اللغة الانجليزية نظراً لجودة المناهج وسلاستها.
شبكات التواصل الاجتماعي
أشار الدكتور محمد الصالح بن عمر إلى أنه ينبغي التمييز هنا بين الاستعمال الشخصي للغة العربية في شبكات التواصل الاجتماعي واستعمالها في المواقع. فالصنف الأول لا خطر فيه لأنه يزول بسرعة ولا يبقى منه أثر. وهو، في الحقيقة، امتداد للحديث الشفوي الذي يجري باللهجات الدارجة وقد تستعمل فيه أحياناً الحروف اللاتينية تماماً مثلما هو الشأن في الإرساليات القصيرة. أما الصنف الثاني فلا أعتقد أن العربية متضررة منه كثيراً. وذلك لوجود مواقع لغوية وأدبية ودينية عربية راقية يشرف عليها أساتذة أو أدباء أو صحافيون كبار. وإن كنا نرى وجوب بذل جهود أكبر في إنشاء مثل هذه المواقع لأن الإحصاءات أثبتت أن المدونة العربية على الشبكة (الإنترنت) متواضعة من حيث الكم مقارنة بأكثر اللغات انتشارا في العالم. والحل هو أن تبادر الدول العربية لتكوين مدونين متمكنين من لغة الضاد وتكليفهم بإنشاء مواقع علمية وثقافية راقية باللغة العربية.
مبادرات نوعية لتعزيز وضع اللغة العربية
ميثاق اللغة العربية
أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حزمة نوعية من المبادرات الهادفة لتعزيز مكانة اللغة العربية، واولها ميثاق اللغة العربية ليكون مرجعاً لجميع السياسات والقوانين لتعزيز استخدامها في الحياة العامة وخصوصا بالتعاملات الحكومية.
لجنة خبراء
كما أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن تشكيل لجنة خبراء عربية دولية تهدف إلى إعادة إحياء اللغة العربية كلغة للعلم والمعرفة وتحديث أساليب تعليمها، وتقديم نموذج عصري لتعليمها بما يعود بالفائدة على المجتمعات كافة، وستكون أولى مهامها إعداد تقرير يتضمن مقترحات تطوير تعلم اللغة العربية.
المجلس الاستشاري
أما المجلس الاستشاري للغة العربية والذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد فسيكون مسؤولًا عن رعاية ودعم الجهود الرامية لتطبيق مبادئ وتوصيات «ميثاق اللغة العربية 

ليست هناك تعليقات: