.

2015/04/25

اللغة العربية كائن حي، توافق أم تعارض؟

٧ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٢بقلم أيمن خالد شداد

بادئ ذي بدء، يجب الإشارة إلى أن فكرة اللغة كائن حي، فكرة نابعة من أصول غربية، وجدت بسبب ظهور المناهج الغربية الحديثة التي تربط اللغة بالعلوم الحياتية والإنسانية. وهي فكرة تدعو إلى ربط مصير تطور اللغة بمصير تطور الإنسان الناطق بها، وبالتالي ربطها بمصير المجتمع الذي يعيش فيه ذلك الإنسان.
هكذا فهمتها من خلال قراءتي لكتاب اللغة كائن حي لجرجي زيدان، على أن ثمة تفسيراً آخر لهذه المقولة مفاده أن اللغة تولد وتنمو، ثم تتطور بشكل دوري، تماما كدورة الحياة التي يمر بها الكائن الحي.
بناء على هذين التفسيرين للمقولة، يمكن إبداء الرأي المناسب بالموافقة أو المعارضة. أما أن يرتبط مصير تطور اللغة بمصير تطور الإنسان الناطق بها، والمجتمع الذي يعيش، فأمر معقول يؤخذ به، فعندما ينظر اللغوي المتخصص باللغة، في مسيرة اللغة العربية، منذ العصر الجاهلي إلى العصور الحديثة، يجد أن مصيرها ارتبط بمصير الإنسان العربي.
ففي المجتمع الجاهلي استطاعت اللغة - بكل وضوح - التعبير عن حياة الجاهليين، وصورتها تصويرا دقيقا، لكنها لم تكن مضبوطة أو مقننة في قواعد خاصة أو مصنفات، بل كانت مبعثرة، لتبعثر القبائل العربية في جزيرة العرب، وبسبب هذا التبعثر وانشقاق العرب وسيطرة الفرس عليهم تارة والأحباش تارة أخرى، بالإضافة إلى سيطرة التجارة الهندية على السوق العربية، كل هذه العوامل أدت إلى دخول ألفاظ كثيرة إلى العربية من الفارسية ومن الهندية ومن الحبشية، حتى أصبحت تطغى على الألفاظ العربية في الاستعمال، وهذا يدرس من باب التأثر اللغوي، الذي يعد تطورا في حد ذاته.
ولما جاء الإسلام، كان الاهتمام منصبا على أمور العقيدة والشريعة، على حساب أمور أخرى منها اللغة، لكن وجود القرآن، ونزوله باللغة الفصحى، حفظ اللغة العربية، وضبط شيئا من قواعدها، وادخل عددا كبيرا من المصطلحات والألفاظ الإسلامية التي أسهمت في تطور اللغة العربية.
ومع مجيء العصر الأموي، بدا اختلاط العرب بالأعاجم أمر لا مفر منه، فظهر اللحن في اللغة، وتنبه بعض أولي الأمر لهذا الخطل، مما دفعهم إلى تقنين اللغة فكتبوا بعض الصحائف لذلك، كي لا تفسد اللغة، بفساد متكلميها، وجراء هذا التشدد ضعف الاقتباس من اللغات الأخرى، وبقي الأمر على حاله حتى جاء عصر التدوين، والترجمة من الفارسية وغيرها إلى العربية، فاتسعت ألفاظها وتطورت موضوعاتها تطروا ملحوظا.
وفي العصر الحديث، ضعفت الأمة العربية، وتفرق العرب من جديد، وسيطر المستعمرون على بلادهم وثرواتهم، ومنها لغتهم وثقافاتهم، هذا التفرق أثّر كثيرا في اللغة، فظهرت اللهجات واللغة الدارجة، وظهر ما يسمى بالازدواج اللغوي، وغيره من الأمراض اللغوية.
ونخلص بعد هذا السرد التاريخي المرتبط بتطور اللغة العربية، إلى أن فكرة اللغة العربية كائن حي، إذا فهمت من جهة ارتباط تطورها بتطور الناطقين فهي فكرة مرحب بها، وهي الفكرة التي فهمتها من كتاب الدكتور زيدان.
أما أن نقول أن اللغة كائن حي، ونقصد بذلك الجانب الفسيولوجي، الذي يراد به خضوع اللغة لنواميس الحياة، من نمو وتجدد، من خلال موت الأنسجة والخلايا وظهور أنسجة وخلايا جديدة، فهو أمر يجانب الدقة، لأن موت الأنسجة والخلايا في الكائن الحي يرجع إلى أسس حكمة الخالق في الكون، وتدبيره له، بأن تموت كائنات حية، وتظهر كائنات أخرى، وهذا لا ينطبق على اللغة بشكل عام ولا على اللغة العربية بشكل خاص، لأن موت اللفظة في اللغة لا يعبر عن اندثارها، بل يعبر عن قلة استعمالها أو عدمه من قبل المتكلمين باللغة.
ولمزيد من التوضيح أقول إن الألفاظ العربية التي كانت تستعمل في العصر الجاهلي لم تمت كموت الأنسجة والخلايا في النباتات أو الإنسان، بل هي موجودة وقابلة للاستعمال كما هي أو بإجراء بعض التعديلات على وزنها الصرفي، فيستطيع الإنسان العربي الناطق بالعربية، في القرن الواحد والعشرين أن يستعمل تلك الألفاظ، وبالتالي ترجع إلى الحياة من جديد، لكن الأنسجة التي تموت في الكائنات الحية، لا يمكن أن تعود للحياة مرة أخرى.
اللغة العربية انشقت أو انبثقت من اللغة السامية الأم، وهذا لا يعد ولادة، إنما انفصال، ثمّ تطورت بتطور الإنسان العربي، فهو من أخذ على عاتقه تطويرها، بناءً على تطور حدث في شخصيته وثقافته وحياته العلمية، ولم تتطور تطورا فسيولوجيا بموت بعض الألفاظ وظهور ألفاظا أخرى.
وتطور اللغة يختلف أيما اختلاف عن تطور الكائن الحي، فالكائن الحي له مدة محددة، ضبطها الخالق، ينمو ويتطور خلالها، حتى يصل إلى مرحلة، ثم يعود إلى الاضمحلال والاندثار، لكن اللغة ليس لها مدة محددة للتطور، وإنما يترك الأمر لقدرة الإنسان الناطق بها على التكيف مع اللغات الأخرى، والتوفيق بينها وبين لغته، حتى يستطيع المحافظة على لغته وتطويرها.
وفي الختام أرى أنّ مقولة اللغة كائن حي إذا فهمت من جانب فسيولوجي، وقورنت بالكائنات الحية التي تموت أنسجتها وخلاياها، ثمّ تظهر أنسجة جديدة، وفق نظام مقدر من الله تعالى، فهي مرفوضة. وإذا فهمت من خلال ارتباط مصيرها بمصير الكائن الحي الناطق بها، فهي مقبولة، ويمكن تطبيقها على اللغة العربية.

ليست هناك تعليقات: