.

2015/04/13

إحياء جمعية اللهجات والتراث الشعبي




ناصر الحجيلان

   تعدّ جامعة الملك سعود من الجهات الأكاديمية التي عنيت بدراسة الجوانب الشفهية في التراث العربي؛ فقد أسست جمعية علمية للهجات والتراث الشعبي في عام 1387ه/1968م. وكانت هذه الجمعية هي أول جمعية علمية أنشأتها الجامعة ثم توالت بعد ذلك بقية الجمعيات العلمية في مختلف الحقول المعرفية وصدرت القواعد المنظمة لعمل تلك الجمعيات العلمية السعودية. ولكن هذه الجمعية التي بدأت بنشاط وفعالية لإقامة مهرجان للتراث الشعبي في سنواتها الأولى يتضمن احتفالات شعبية متنوعة مالبثت أن انصرفت إلى العمل الأكاديمي بعد أن تولّى المهرجان الوطني للتراث والثقافة مهمّة الاحتفالات الشعبية. وأنشأت الجمعية متحف التراث الشعبي الذي لا يزال قائمًا في جامعة الملك سعود، كما قامت في تلك الفترة برحلات علمية إلى عدد من مناطق المملكة. وربما يكون لانشغال أعضاء الجمعية آنذاك بالأعباء الأكاديمية والإدارية فقد بقيت الجمعية في حال سكون مكتفية بالمتحف الشعبي؛ وظل معمل اللهجات فاعلا حينما كان يشرف عليه الدكتور محمد حسن باكلا ثم الدكتور حمزة المزيني في فترة من الفترات السابقة. وقد أشار الدكتور منصور الحازمي، وهو من جيل الرواد، إلى بعض تلك الصعوبات التي واجهت الأكاديميين في السبعينيات الميلادية في محاضرة ألقاها في النادي الأدبي بالرياض في 23 سبتمبر عام 2003م، كانت بعنوان «وقفات على بعض أطلالي القديمة»، نشرت في الملحق الثقافي بجريدة الجزيرة منجمة على ثلاث حلقات كان آخرها في 26 يناير 2004م بعنوان «وقفات على أطلال قديمة»؛ أشار فيها إلى أن الأعباء الإدارية المسندة لذلك الجيل قد أخذت من طاقاتهم ووقتهم.
ومؤخرًا قرأت مقابلة مع الرئيس الحالي لجمعية اللهجات والتراث الشعبي في جامعة الملك سعود الدكتور فالح بن شبيب العجمي الذي أشار في تلك المقابلة إلى إحياء الجمعية بعد توقف دام أكثر من خمسة وعشرين عامًا، وذكر أن لدى الجمعية مشروعات تتعلق بجمع التراث الشفهي وجمع اللهجات من مختلف المناطق في المملكة العربية السعودية. وقد كان الخبر مفرحًا لعدد كبير من المهتمين بموضوع التراث الشفهي عامة، سواء ماكان منه متصلا بالجانب اللغوي كاللهجات والأدب الشعبي بما فيه الشعر الشعبي والحكايات والأمثال، أم ما كان متّصلا بثقافة المجتمع الشعبية بما فيها من معارف ومعتقدات أو عادات وتقاليد أو ممارسات سلوكية أو ثقافة ماديّة.
وحينما ننظر إلى هذه الجمعية القديمة - الحديثة سنلاحظ أن لديها أهدافًا وقواعد علمية رسمتها قبل أن تصدر لوائح الجمعيات العلمية السعودية؛ وهي أهداف ذات قيمة علمية مهمة تناسب المرحلة التي أنشئت فيها والمراحل اللاحقة. وستحاول هذه المقالة استعراض وضع الجمعية السابق من خلال إلقاء الضوء على الأهداف والإنجازات والصعوبات وغير ذلك من المعلومات المتوافرة التي نشرت عن الجمعية.
ومن المعلومات المتصلة بالجمعية التي تعتبر وثائق مهمة ما نشره الشيخ حمد الجاسر في مجلة «العرب» في (ج11، س2) وتاريخ جمادى الأولى من عام 1388ه أبريل 1968، في ص ص 961 - 962 مقالة بعنوان: «جامعة الرياض تعنى بتراثنا الشعبي» كشف فيها عن فرحته بخبر إنشاء جمعية اللهجات والتراث الشعبي مهنئًا الدكتور أحمد الضبيب رئيس الجمعية آنذاك بهذا الإنجاز الأكاديمي الذي سيساهم في الاهتمام بتراثنا العربي. ومما جاء في مقالته قوله: «والآن -وبين يديّ كتاب من أحد أبنائنا في تلك الجامعة- هو الدكتور أحمد بن محمد الضبيب، رئيس جمعية اللهجات والتراث الشعبي، ومع ذلك الكتاب (نظام جمعية اللهجات والتراث الشعبي في جامعة الرياض) الآن أحسّ وأنا أتحدث في ذلك الموضوع الذي مضى للحديث عنه عام ونصفه -بل يزيد- أحسّ بشعور من الغبطة والسرور...». ويمضي في الحديث عن أهداف الجمعية فيقول إن بلادنا أحوج ما تكون إلى أن تنال نصيبها في المجال العلمي«لتساير ركب الحضارة مسايرة تحقق لها هدفين نبيلين: الحفاظ على تراثنا الروحي، المستمد جذوره من ثقافتنا القديمة التي تكفل للأمة حياة كريمة راسخة الأساس، قويّة الأركان، ثم - وهو الهدف الثاني - معرفة ما تتطلبه حياة هذا العصر العاتي القوي الآليّ، معرفة الحازم اليقظ الواعي...»، ويضيف بأنه سعيد لأن «جامعاتنا بلغت من القوة الدرجة التي جعلتها جديرة بما يناط بها من آمال، وما يعلقه عليها كل مثقف يدرك أن الأمة لن تحيا حياة كريمة ما لم تكن هذه الحياة قائمة على أقوى دعائم من العلم والمعرفة، فقد تجاوز ما تقوم به جامعاتنا مرحلة الدراسة إلى ميدان العمل».
ومن الواضح من مقالة الجاسر أن إنشاء الجمعية كانت أمنية غالية بالنسبة له ولهذا فقد فرح بتحقق ذلك لأنها ستخدم الأهداف العلمية في جمع التراث في الجزيرة العربية عامة وفي المملكة العربية السعودية بخاصة. وقد عُني الجاسر ببعض اللهجات السعودية وبالذات ما بقي من لهجات القبائل المعاصرة التي لاتزال تحتفظ بالكثير من مفردات الفصحى وخصائصها.
يشار إلى أنه قبل مقالة الجاسر نشرت مجلة «المنهل» في (ج1، مج 29) بتاريخ المحرم من عام 1388ه - 1968م في ص ص 171 - 172، القواعد المنظّمة لجمعية اللهجات والتراث الشعبي. وأثناء بحثي عن المصادر التي تحدثت عن هذه الجمعية في بداية إنشائها عثرت على إشارة عن جمعية اللهجات والتراث الشعبي، منسوبة للأستاذ مناحي بن ضاوي القثامي في أبريل عام 1968م لكن لم يتيسر لي الحصول على المقالة رغم بحثي عنها في مجلدات مجلة المنهل الخاصة بذلك العام. ويتوقّع أن القثامي قد أشار إلى الجمعية لأنه كان يشرف في تلك الفترة على باب «من البادية» في مجلة المنهل، وهو باب معني بالتراث الشعبي.
وقد ذُكر في نظام جمعية اللهجات والتراث الشعبي المنشور في «المنهل» أن أهدافها هي: (أ) جمع اللهجات الموجودة في الجزيرة العربية وكل ما يتصل بتراثنا الشعبي من قصص وأمثال وأشعار وأغان وعرضات شعبية وكل ما يتعلق بعادات الجزيرة العربية وتقاليدها وتراثها الشعبي عمومًا. (ب) إقامة سجل اللهجات الموجودة في الجزيرة العربية وآخر لفنون التراث الشعبي وتصنيف ذلك حسب الاصول العلمية الحديثة. (ج) دراسة اللهجات والتراث الشعبي على ضوء أحدث النظم المتّبعة في مثل هذه الموضوعات. (د) تجهيز مكتبة خاصة باللهجات العربية القديمة والحديثة، والدراسات المتعلقة بالتراث الشعبي تكون مرجعًا لمن يريد دراسة هذه الموضوعات في المملكة، وتشترك الجمعية في المجلات العالمية التي تعنى بمثل هذه الدراسات. (ه) استضافة كبار العلماء في هذه الموضوعات والاستفادة من تجاربهم وخبارتهم. (و) إصدار مجلة سنوية تحوي أبحاثا تتصل بمجال اختصاصها. (ز) تنشر الجمعية أبحاث أعضائها في شكل مطبوعات.
يلاحظ أن الأهداف السابقة هي أهداف طموحة ولها قيمة علمية حتى وإن بدا أنها وضعت على عجل بسبب ما فيها من تداخل أو عمومية. وستكون هذه الأهداف موضع مقارنة مع الأهداف الحالية للجمعية المنشورة في موقع الجمعية على النت؛ وذلك في مقالة لاحقة.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن إحياء أقدم جمعية علمية يعدّ خطوة إيجابية لأن الجانب الشفهي في الثقافة العربية يعتبر جانبًا مهمًا لم يحظ بالدراسات الكافية؛ ولهذا فإن التراث الشفهي بحاجة إلى الأعمال المنهجية التي تهتم بجمعه ورصده وتصنيفه بالطرق العلمية ثم دراسته وتحليله. والأمر المهم في إحياء جمعية مضى على إنشائها ما يقارب الأربعين عامًا هو التأكيد على أن ما كان يعتبر بالأمس جديدًا صار اليوم قديمًا ويمكن اعتباره من المقتنيات الأثرية. ولهذا فإن مقالة حمد الجاسر - رحمه الله - عن جمعية اللهجات والتراث الشعبي والصور الفوتوغرافية لأعضاء الجمعية ولأنشطتها في تلك الفترة التي يحتفظ بعدد منها المحقق والأكاديمي المبدع الدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع تعدّ وثائق تاريخية مهمّة تكشف لنا اليوم عن طبيعة الاهتمام السابق بالتراث والمحاور التي كانت موضع اهتمام وتركيز وتلك الجوانب التي لم تكن حاضرة في الذهن لدى مؤسسي الجمعية وأعضائها آنذاك.
hujailan@alriyadh.com

ليست هناك تعليقات: