.

2015/07/05

الفصحى والعامية في فلك السرد الأدبي

المصدر : (الشارقة - “الخليج”:)
يلجأ عدد كبير من الكتاب، إلى استخدام اللهجة المحكية أو الدارجة أو العامية سواء أكان في قصصهم، أم في رواياتهم، إلى جانب اللغة الفصحى التي يكتبون بها نتاجهم الإبداعي، بحيث يصبح في النص الأدبي مستويان لغويان، هما الفصحى والعامية، وإن كانت اللغة الفصحى تشكل العمود الفِقري للأدب العربي، عادة، حيث كتبت به النصوص الأولى، ولا تزال تكتب به، وقد باتت الحاجة إلى اللغة الفصحى ضرورية، في ظل حيلولة خصوصية اللهجة المحلية، في حالات عديدة، من دون إيصالها بالشكل المطلوب، مادامت أن كل لهجة شعبية باتت مرهونة بالتواصل ضمن فضائها الاجتماعي، كما أن هناك- في الطرف الآخر- من يرى أن توظيف العامية في النص الأدبي، إنَّما هو ترجمة للواقع نفسه، حيث إن اللهجة المحكية-هي في الغالب- أداة التواصل في البيت، والشارع، والعمل، وهي لغة الحياة، كما قد يستزيد هؤلاء في دفع حججهم الواحدة تلو الأخرى، لاسيما حين يرون أن الاستعانة بالعامية إلى جانب الفصحى، إنما يثري المعجم اللغوي، ويجسِّر بين اللهجات المتعددة، من جهة، بالإضافة إلى أنها تجسر بينها والفصحى، من جهة أخرى .
وإذا كان الاختلاف بين وجهتي النظر حول موضوعة استخدام اللغة المحكية في السرد الأدبي، لايزال قائماً، حيث لدى كل طرف منهما مسوِّغاته التي يرى أنها ضرورية، فقد ارتأينا في التحقيق التالي وضع القضية تحت مجهرالضوء، وذلك بسبر آراء عدد من الكتاب حول هذه الإشكالية، لاسيَّما وأن هذه الظاهرة لماتزل مستمرة، وإن الأسئلة التي تطرحها لاتزال قائمة هي الأخرى .
قال الناقد د . صالح هويدي: نجد إن اللهجة الدارجة، لها مجالاتها الخاصة، حيث هناك فنون شعبية قائمة عليها، كما الحكاية، والملحمة، والأسطورة، بل والشعرالشعبي، إلا أن هناك الأدب الفصيح، وتحديداً هنا-السرد- إذ إن دخول اللهجة العامية في القصة أو الرواية، كانت موضع اختلاف من قبل النقاد والأدباء، فمنهم من لايحبذ أن تدخل الدارجة إليهما، لأن ذلك يشكل خروجاً عن اللغة كأداة حاملة للمضمون، بيد أن هناك من جوز إدخال اللهجة من دون أي قيد أوشرط، وأضاف د . هويدي قائلاً: ولا ننسى أن هناك مجموعات قصصية كتبت بكاملها-بالعامية- بيدأن الرأي النقدي الذي صاغه أغلب النقاد والدارسين جوَّز كتابة الحوار السردي باللهجة المحكية، لأنه يكون بهذا الشكل أقرب إلى الصدق، لاسيما أن لغة البائع في السوق تختلف عن لغة المهندس، وهناك كثيرون من كتبوا على هذا النحو، وقد لجأ نجيب محفوظ نفسه، إلى الحوار بهذه الطريقة في بعض أدبه السردي . إلا أن بعضهم لايزال ولأسباب تتعلق بالموقف من اللغة نفسها، وبعيداً عن دورها كأداة إيصال في النص يرى أن الفصحى يجب أن تكون لغة الأدب .
ورأى القاص إبراهيم مبارك أن تجربة استخدام اللهجة العامية كانت دارجة في مرحلة من مراحل الأدب العربي خصوصاً في مصر، وظهر ذلك بشكل واضح في تجربة أدباء كثر، أبرزهم؛ نجيب محفوظ، ويوسف إدريس وغيرهما .
ويشير إلى أن ذلك النهج من توظيف العامية في الإنتاج الأدبي ما زال مستخدما، ويلحظ عند عدد من الكتاب، والكاتبات، موضحاً أن استخدام العامية كان صعباً في مرحلة ما وكان يشكل حاجزاً يعيق انتشار العمل الأدبي عربياً، وهذا عائد -وفق مبارك- إلى اختلاف اللهجات للحد الذي يعسر فهمها من غير أهلها، إلا أن وسائل الإعلام اليوم قربت اللهجات العربية، وبات بإمكان القارئ السوري مثلاً فهم لهجة الكاتب التونسي .
ويؤكد أن التوجه العام هذه الأيام هو في كتابة العربية الفصيحة وليست العامية، وذلك عائد إلى المشكلات التي تواجه العربية نفسها وتحمل الكاتب دور في الحفاظ عليها، وتمكينها عند القارئ، مشيراً إلى أنه لم يستخدم العامية مطلقاً في كتاباته .
من جانبه أكد القاص عبد الرضا السجواني على فكرة انتشار العامية في مرحلة من مراحل تطور الأدب العربي خصوصاً على صعيد القصة والرواية، مستشهداً بتجارب الأدب المصري، واللبناني، وغيرها من التجارب التي وظفت العامية، ولاقت لهجتها قبولاً عند القارئ العربي .
واعتبر أن الكتابة بالعامية يبقى أمراً مقبولاً ويمكن للقصة والرواية تحمل هذا الشكل من الكتابة، إلا أنه يجب التنبه إلى مسألة خطرة وأهمها هو الخطر الذي يواجه العربية من اللغات المسيطرة اليوم، لافتاً، إلى أنه إذا كان القارئ يتحدث العامية في حياته اليومية وحين يقرأ الأدب يواجه العامية أيضاً، فما محل الفصيحة حينها؟
ولفت السجواني إلى وجود عدد من الكتاب والكاتبات استخدمن العامية كنوع من التجريب الأدبي وإحداث مغايرة على الشكل والأسلوب الكتابي، في المقابل ظهر عدد من الكاتبات والكتاب اكتفى بالعامية لأنه ضعيف في استخدام العربي الفصيحة، ويبرر ذلك بأن العامية أقرب إلى الشارع والمتلقي .
وبين أنه لم يستخدم العامية في كتاباته كافة، وأنه يعمل جاهداً على استخدام اللغة الفصحى وتجديدها في نصه لما لذلك من انعكاس على ذهن المتلقي وعلى تدريب قدرة الكاتب نفسه .
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/0a19bce7-b42a-4153-a07b-6c6b6f1aef33#sthash.ZyCJvWNB.dpuf

ليست هناك تعليقات: