.

2015/08/20

لهجتنا المحليّة بين الفصحى والعامية

لهجتنا المحليّة بين الفصحى والعامية
لعلّ ما يتداوله الناس من كلام بلهجتهم المحلية كان في الأصل عربياً فصيحاً، ومع تقادم الزمن وميل الانسان الى العجلة والتخفيف والبساطة، والعزوف عن التعقيدات النحوية واللغوية، حدث النحت، والتحريف، والتصحيف، وحُذفت الحركات، ومال الناس الى السكون، وذلك لأسباب اجتماعية وبيئية منها: الاختلاط بين العرب والعجم ، و الهجرة والتجاور وغير ذلك.
من التخفيف ما قيل عن مدينة  (سُرّ من رأى)  أي: سامراء . وفيها يقول بن المعتز:


قد أقفرت سُرّ من رأى * وما لشيءٍ دوام.

ويقول البحتري: وأرى المطايا لا قصور بها * عن ليل سامراء تذرعهُ.

والتحريف كمدينة (مجريط) الأندلسية والنسبة اليها (مجريطي) حُرفت إلى (مدريد) عاصمة أسبانيا.
وقد انتقل الشعر العربي من : الفصيح، الى التوشيح، الى الزجل (العامي)، و(النبطي) ناهيك عن ما نسمعه اليوم من شعر غنائي تمجه الأسماع !
ومعلوم أن لغة البيئة سمة أصيلة في شعر الشاعر و نثر الكاتب، مع تباين بين البادية والحاضرة، في المفردات، والأسلوب، والصور البلاغية.

ومن ابلغ الشواهد على دور البيئة،  ماروي عن مدح بن الجهم للمتوكل بقوله:
أَنتَ كَالكَلبِ في حِفاظِكَ لِلوُد * وَكَالتَيسِ في قِراعِ الخُطوبِ.

فهمّ جلساء الخليفة باخراجه من المجلس لخشونة تشبيهاته ومجافاتها للأدب، فأمرهم بتركه وقال: إنما هو رجل من أهل البادية وصفني بأحسن خلال عرفها في غنمه وكلبه، ولكن دعوه حتى يسكن في القصور ويشم نسيم الرياض ويتفيأ ظلال الحدائق فتسلس عبارته ويرق معناه.
 ولم يُخلف الشاعر ظن أميره، فما أن مكث أياما في حياة الدعة والترف، يتنقل بين القصور حتى أنشد الخليفة قصيدته الشهيرة :
عُـيـونُ الـمَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ *  جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري. [1]
قال العلامة حمد الجاسر : "ومن المدرك بداهة أنه كلما قربت اللهجة من الفصحى كانت أولى وأجدر بالدراسة والإحياء، وأن لهجات سكان الجزيرة هي أقربها، لعدم تغلغل النفوذ الأجنبي بين سكانها تغلغلا يؤثر في لغتهم، وكل ما بعُد قطر من أقطارها عن ذلك النفوذ كان أصفى لهجة وأقرب إلى الفصحى ...... فما اتصل بهذه السراة من الأودية كنجران وحبونن إلى رمال صيهد (الربع الخالي) حيث تنتشر في هذه الجهة قبائل الصيعر والمهرة ومن دونهم بني مرة من يام وغيرهم.... هذه المناطق هي أصفى لغة وأبعد عن تأثير العجمة في كلام أهلها "وتمنى الجاسر" أن يتصدى الباحثون من أبناء هذه البلاد في كل منطقة لدراسة لهجات أهلها " [2] .

ومن الباحثين في اللهجات المحلية في جنوب الجزيرة الأستاذ محمد بن أحمد العقيلي في كتابه "معجم اللهجة المحلية لمنطقة جازان " ومن ذلك نماذج في كتابه "تاريخ المخلاف السليماني" ولست مبالغاً اذا قلت أن بعض اللهجات التي أوردها تحتاج الى ترجمة ليفهم العربي لهجة أخيه في اللغة ! [3]
أزعمُ أن فيما سلف دوافع تحفز الكاتب على البحث والاستقصاء في لهجته المحلية وعاداته الاجتماعية ، وأن ذلك واجبه العلمي والمهني، حفاظاً على موروث أسلافه ، وتنويراً لأذهان الاجيال الصاعدة واللاحقة، ليكون نتاجه الأدبي حلقة وصل بين الماضي العريق والمستقبل المشرق بإذن الله.

ومما يحز في النفس أن ترى من بني جلدتك من يستحي من لهجته، أو يلوك لسانه بلهجات أخرى، تنكراً وتملصاً من واقعه ، أو يأنف من ممارسة عادات آبائه وأجداده  ، أو يستخف بتلك المفردات التي صنعتها قساوة ظروفهم البيئية ، وصرامة أعرافهم الاجتماعية ، جاهلاً أو متجاهلاً أنها عنوان هوية غاصت جذورها في أعماق الثرى، وعانقت مُقل نخيلها عنان السماء، عاشت شامخة بكل كبرياء "رَغْمَ الدَّاءِ والأَعداءِ * كالنَّسْر فوقَ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ " [4]

أمّا بعـدُ: ـ اقتداءً بقُس الإيادي ـ فإن من أبرز ما يطرق مسامع الوافد الى نجران  وما جاورها، تحاور أهلها بعد السلام والترحيب والمصافحة، بكلمات تعبر عن الاحتفاء والتقدير والاحترام  والاستخبار عن الأحوال الخاصة والعامة ، يتداولها أبناء قبائل يام وهمدان وبعض من حولهم، منذ زمن بعيد ، توارثها الآباء والأجداد، وحفظها الأبناء والأحفاد.
ومن ذلك: 
(السوالْ)
بحذف الهمزة للتخفيف والأصل (السؤال) سؤال الوافد عن حاله.  ويسمى (الكيفنة) نحتاً من كلمتي (كيف أنت) ومعنى النحت اصطلاحا: أن تعمد إلى كلمتين أو جملة فتنـزع من مجموع حروفها كلمة تدل على ما كانت الجملة تدل عليه. [5]  نحو (البسملة) بسم الله  (الحسبلة) حسبي الله .
وهذا نص كلمات (السوالْ) كما تنطق ( كِيفنتْ ، اسلمتْ ، طيّبْ ، طاب فيكْ ، كِيفنتْ، اسلمتْ) بعلامة السكون.      
 وأصلها في الفصحى هكذا : ( كيفَ أنتَ ؟ سلمتَ ، أطيبٌ ؟ طاب فيكَ ، كيف أنتَ ؟ سلمتَ)
وتكون بالتخاطب بين شخصين بالمفرد هكذا :
                             الأول                                                               الثاني
                             كِيفنتْ                                                             اسلمتْ
                               طيّبْ                                                 طاب فيكْ .. كيفنتْ
                              اسلمتْ
وأصلها هــكذا:
                         كيفَ أنتَ ؟                                                              سَلمتَ
                           أطيّبٌ ؟                                طابَ فيكَ أو طابَ اللهُ فيكَ. كيفَ أنتَ؟
                           سَلِمتَ
وأحيانا يتم التخاطب بالجمع  في المحافل ، وهي كما تنطق هكذا:
                        كِيفنتو                                                                    اسْلمتو
                         طيابْ                                                     طابْ فيكمْ .. كِيفنتو
                         اسْلمتو
ويلاحظ استخدام (الواو) بدل الميم  في المخاطبة. وأصلها هكذا :
                      كيفَ أنتم ؟                                                                سَلِمتم
                        أطيابٌ ؟                                                     طابَ فيكمْ .. كيفَ أنتم؟
                         سلِمتم
وهذه المحاورة مقصورة على الرجال دون النساء ، وليس لها مكان محدد ، أما الزمان فلا يتحاورا غالباً إلا بعد غيبة ايام ، أو يكون المُستخبر قادماً من سفر، أو قاصداً  لحاجة،  أو ضيفاً،  أو زائراً ، أو نحو ذلك.
وتداول (السوالْ) بينهم علامة احتفاء وتقدير ، لا يدعُها الا مُجافي ، خاصة بين كبار السن ، ويتقدم القوم اكبرهم سناً، ومفرداته واضحة ، ومضمونها : سؤال واستخبار، ودعاء وتأكيد على طيب الحال والسلامة من الشرور.

وقد عنّ لي في (الكيفنة) ابيات لأخي سُليم استشهد بها الامام علي عليه السلام في نهج البلاغة  مخبراً من سأله عن حاله قال:
فإن تسأليني كيف أنت فإنني * صبور على ريب الزمان صليب.
يعـــز عليّ أن تُرى بي كآبــة * فيشمت عــادٍ أو يســاء حـبيب.
(المواجرة)
وتأتي بعد (الكيفنة) أو لذوي العهد القريب ، ويتداولها الرجال والنساء ، وهي أسهل لفظاً، وأخف عبئاً من (السوالْ) الذي يتلعثم فيه الصغار، ويتهيبون محاورة الكبار،  ويتحاشون رهبة المواقف في المجامع والمناسبات العامة.  
ونص كلماته للمفرد (ماجور ، الله يعافيك وماجور ، والسلامة ، الله يسلمك والسلامة )  و للجمع (ماجورين ، الله يعافيكم وماجورين ، والسلامة ، الله يسلمكم والسلامة) مع ترديد الترحيب بألفاظ متعددة (أرحبوا) (يالله حيهم) (حياكم الله) وغيرها. 
و (المواجرة) اشتقاق من كلمة (ماجور) بحذف الهمزة وليست (مأجور) بمعنى الأجر ، الثواب .  كما يعتقد البعض، بل تعني (مُجار) من الشر.
جاء في معجم مختار الصحاح (أجارَ ، يُجير ، إجارةً ، فهو مُجير، واسم المفعول مُجار، أجاره الله من العذاب حماه منه وأنقذه ، جعله في جواره وحمايته " مُجير المضطهدين ، ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ (22) الجن [6]
وتكون ( المواجرة) بين شخصين أو مجموعة هكذا :
الأول                                                الثاني
ماجور                             الله يعافيك وماجور، أو الله يجيرك من الشر أو من البأس أوغيره.
والسلامة                         الله يسلمك والسلامة ، أو الله يسلمك من الشر أو من النار أو غيره.
ولجمع المذكر والمؤنث تنطق بالياء (ماجورين) ويُرد عليهم بمثل ذلك، ويضاف (هاء) للتأنيث  للمفرد المؤنث (ماجوره) وترد المرأة على الرجل ( الله يعافيك وماجور) وعلى المرأة (الله يعافيش وماجوره) الى آخره.
وتعني كلمة (ماجور) بالفصحى (مُجار) للمفرد و(مُجارون) للجمع (ومُجارة) للمؤنث، والاسم (إجَارة). ويتعذر تداولها بأصلها الفصيح على العامة ، وما طرأ عليها من تحريف سهل نطقها، وخفف لفظها على الناس  صغاراً وكباراً .
أما قول المرأة (الله يعافيش) بالشين بدل الكاف فمن (الشنشنة) وهي من لغة العرب. قال ابن جني في سر الصناعة: ومن العرب من يبدل كاف المؤنث في الوقف شيناً حرصاً على البيان، لأن الكسرة الدالة على التأنيث فيها تخفى في الوقف، فاحتاطوا للبيان بأن أبدلوها شيناً، فقالوا: عليش، ومنش. ومنه لمجنون ليلى يحاكي غزالا: 
 فعيناش عيناها وجيدش جيدها * سوى أن عظم الساق منش دقيقُ.
 واستخدام (الشنشنة) شائع في نجران وما جاورها، وكذا من ينتمي الى يام من قبائل العجمان وآل مرة ومنها قول بن فطيس المري :
يا بنت ياللي تفرقين بعودشْ *ما لومهم ليْكِثروا الخطابة .
لا مر بشْ دربشْ على خلق الله * قالوا كذا بالإصبع السبابة.
العِلْم


أو الاستعلام ويأتي بعد (المواجرة) مباشرة في المحافل والمجامع، ويؤخر قليلا في المنازل للقهوة وراحة الضيوف، وتَحكم التريث والاستعجال ظروف الموقف، ويقتصر العلم على الرجال.
 ويتم بالتخاطب بين شخصين هما اكبر الطرفين سنا هكذا:
        الأول                                                                        الثاني
إيشْ علمكمْ  أو إيشْ علومكمْ؟                               علمنا سلامتكم ( كذا وكذا ) ويش علمكم؟
                                                      أو  الله يزين علمنا وعلمكم (....) ويش علومكم.. أوغيرها

سلامتكم على راي الله ما به علم 
أو سلامتكم  نترجى رحمة الله ما به علم.. أو غيرها
وليس للاستعلام مفردات الزامية من المستعلم ولا المعلّم ، ويتضمن التفاؤل والدعاء  (إيشْ علمكم زان.. نحب علومكم.. عطونا علومكم.. ) ويرد الآخر (الله يزين علمنا وعلمكم ( ...) (علمنا طولة عماركم (...) ، ويكون جواب الاستعلام من الوافد بدايةً مجمل مثل (سلامتكم قاصدين الله وياكم ما به علم ) أو (سلامتكم من سدنا ليحضرتكم ما به علم)  وجواب الموفود اليه (سلامتكم في رجا الله ما به علم) أو (سلامتكم بين ايديكم الخير ما به علم) وعند اجابة الدعوة للمحافل (سلامتكم ملبين دعوتكم ومشرفين حفلكم ...) وهكذا ، ثم  يذكر علمه بالتفصيل ويبدأ عادةً بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم  بقوله (صلوا على النبي .. ثم يكمل ...) ويتبارى كبار القوم في اختيار مفردات العلم بما يناسب الموقف، ويضمنون علمهم النصائح والعبر، ويستشهدون بالأمثال والأشعار والمواقف، ويتعمدون السجع لإثارة المشاعر، وتختلف علوم الأفراح عن الأتراح ، فلكل مقام مقال. ويُمتدح من تقدم القوم وتكلم عنهم بفصاحة وبراعة، كما كانت قبائل العرب تفتخر بخطبائها في الجاهلية والاسلام. 
والعلم أو الاستعلام في الأصل (إيش علمكم) كلمة أَيْش: بمعنَى: أيُّ شيءٍ، خُفِّفَ منه. وفي المعجم الوسيط  أيْش : منحوت من (أَيّ شيء). والجملة استفهامية ( أي شيءٍ علمكم ؟) وباقي المفردات واضحة.  ويكون الاستعلام آخر المحاورات الثلاث، يتلوه السؤال عن الحال بمفردة أيشْ: (إيش حالك) (إيش حالكم) ويكون الرد (نحمد الله بخير وعافية) (نشكر الله  على كل حال) أوغيرها.
هذا جزء من الموروث بلهجتنا المحلية، شرحته بجهد المقل، ليطلع عليه القارئ الذي لا يعرفه، وليعلم بعض الشباب الذين انهمكوا في مواقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك والتويتر، والواتس اب، أن تقاليدهم الاجتماعية عنوان لهويتهم النجرانية، ولهجتهم المحلية فرع من أصل لغتهم العربية، وأن اللهجات في اللغة، كالملح في الطعام، فهل يُستساغ طعام بلا ملحٍ؟! والله ولي التوفيق                   
[1]  ديوان علي بن الجهم (حاشية ص 143)
[2]  مجلة المنهل عدد 504
[3]  تاريخ المخلاف الجزء الأول الطبعة الثانية /دار اليمامة ص 83-89
[4]  من بيت لأبي القاسم الشابي. سأعيش رغم ...
[5]  الاشتقاق والتعريب: للأستاذ عبد القادر المغربي، بتصرّف.
[6]  معجم مختار الصحاح حرف الجي

ليست هناك تعليقات: