.

2015/09/01

لغة الضاد أم الظاء؟

اللغة لسان حال التاريخ الحي للأمم، ومستودع ذخائرها من فكر وتراث ومصاغات عاطفية ووجدانية وإبداع معرفي، كم هو جميل هذا الحراك العربي الحضاري، المتجسد في الالتفات إلى اللغة العربية والإحساس بما يتنازعها من مخاطر، وما يحيق بها من مستبطنات طافحة بالمعضلات، وملفعة بالغموض والخمود والتهافت والتقويض والتهشيم، مما دفع ناقداً كبيراً كرجاء النقاش أن يتساءل: هل تنتحر اللغة العربية؟ تحت ضغط هذا الإحساس الموجع بدأنا نلمس في بلادنا وننفتح على هذه الدراسات الخصبة، والملتقيات البحثية المتناغمة مع المقاصد المعززة للاستحقاقات الكفيلة بتعزيز هويتنا اللغوية كسيرورة مصيرية، وقد شدني ذلك الملف الذي أصدرته مجلة "الجوبة" في عددها 44 تحت عنوان "اللغة العربية بين تداعيات الحاضر وتحديات المستقبل"، والجوبة في أجزاء من سروات "عسير" تعني الفتحة الدائرية في السقف، والتي تسمح لضوء الشمس في الدخول وبقايا دخان الموقد في الخروج، ولكني لا أعرف ماذا تعني لأهلنا في منطقة "الجوف". أعود إلى عنوان الزاوية، فمنذ بدأنا نغسل صباحاتنا المدرسية بماء النشيد الأزلي، ونحن نردد ما قاله الشاعر السوري "فخري البارودي": بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان، ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان، لسان "الضاد" يجمعنا بغسان وعدنان، وعجز البيت الأخير كنا نردده: "بقحطان وعدنان"، وكم كان معلمنا يجهد في شرح حرف الضاد، كحرف رخو ومجهور ومستطيل يتردد صداه في الحنك الأعلى، يقول الباحث غازي خيران الملحم: "إن علماء اللغة يؤكدون أن حرف الضاد للعرب من دون سواهم من الأمم، لاعتقادهم أن العربية هي الوحيدة التي تحتوي على هذا الصوت في أبجديتها ويجزم "الفيروز آبادي" في مقدمة كتابه "القاموس المحيط" بقوله: "إن الضاد حرف العرب خاصة، ولا يمكن لأي لسان أن يضارعهم في لفظه"، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "أنا أفصح من نطق الضاد بيد أني من قريش"، ويقول بطرس البستاني "صوت الضاد بفخامته ونضارته وغنته، إنما هو أوحى أصوات الحروف الهجائية قاطبة، فتحس معه بمشاعر الشهامة والمروءة والشمم"، ويقول المتنبي "وبهم فخرُ كل من نطق الضاد وعوذ الجاني وغوث الطريد"، ولكن الباحث الملحم يتساءل: "هل العربية لغة الضاد حقاً وفعلاً؟ فثمة صوت آخر يزاحم الضاد على هذه المكانة التي تبوأها منذ عرفت العربية طريقها إلى الألسن إنه "الظاء"، المحافظ على نظامه الصوتي والكتابي في لهجات جنوبي الجزيرة العربية، يقول الفراهيدي "ليس في شيء من الألسن "ظاء" غير العربية، والظاء عربية لم تعط أحداً من العجم، وسائر الحروف اشتركوا فيها بما فيها الضاد، وخلص الباحث إلى أن "نعت العربية بأنها لغة "الظاء" أولى من نعتها بكونها لغة الضاد".
أحمد عسيري        2014-08-02 1:00 AM

ليست هناك تعليقات: